ب - احتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة
15 paragraphs · vol. 3, p. 40
- vol. 3, p. 40
إنّ تصرف المجتهدين بفقههم في الشريعة يقع على خمسة أنحاء:
النحو الأول: فهمُ أقوالها، واستفادةُ مدلولات تلك الأقوال، بحسب الاستعمال اللغوي، وبحسب النقل الشرعي بالقواعد اللفظية التي بها عمل الاستدلال الفقهي. وقد تكفَّل بمعظمه علمُ أصول الفقه.
-
النحو الثاني: البحثُ عمّا يعارض الأدلّة التي لاحت للمجتهد، والتي استكمل إعمالَ نظره في استفادة مدلولاتها، ليستيقن أن تلك الأدلة سالمةٌ مما يُبطل دلالتَها ويقضي عليها بالإلغاء والتنقيح (١) . فإذا استيقن أن الدليل سالمٌ عن المُعارِض أعمله، وإذا ألفى له معارضاً نظر في كيفية العمل بالدليلين معاً، أو رجحان أحدهما على الآخر.
-
النحو الثالث: قياسُ ما لم يرِد حكمُه في أقوال الشارع على حكمِ مَا ورد حكمُه فيه بعد أن يعرف علل التشريعات الثابتة بطريق من طرق مسالك العلة المُبيَّنةَ في أصول الفقه.
- vol. 3, p. 41
النحو الرابع: إعطاءُ حكم لفعل أو حادث حدث للناس لا يعرف حكمه فيما لاح للمجتهدين من أدلة الشريعة، ولا له نظيرٌ يقاس عليه.
-
النحو الخامس: تلقِّي بعض أحكام الشريعة الثابتة عنده تلِقِّيَ من لم يعرف عِلَلَ أحكامها ولا حكمةَ الشريعة في تشريعها. فهو يتّهم نفسه بالقصور عن إدراك حكمة الشارع منها، ويستضعف علمه في جَنْب سَعَةِ الشريعة، فيسمَّي هذا النوع بالتعبّدي.
-
فالفقيه بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة في هذه الأنحاء كلَّها.
-
أمّا في النحو الرابع فاحتياجه فيه ظاهر. وهو الكفيل بدوام أحكام الشريعة الإسلامية للعصور والأجيال التي أتت بعد عصر الشارع، والتي تأتي إلى انقضاء الدنيا. وفي هذا النحو أثبت مالك، رحمه الله، حجيّة المصالح المرسلة (١) . وفيه أيضاً قال الأئمة بمراعاة
vol. 3, p. 42الكليات الشرعية الضرورية، وألحقوا بها الحاجيّة والتحسينيّة،
vol. 3, p. 43وسَمُّوا الجميع بالمناسب، وهو مقرر في مسالك العلة من علم أصول الفقه (١) . وفي هذا النحو هرع أهلُ الرأي إلى إعمال الرأي والاستحسان. فقامت في وجوههم ضجة علماء الأثر الذين اطلعوا على أدلة من الأثرِ والعملِ، فيها أحكامُ الأحوال والحوادث التي فاتت أهلَ الرأي معرفتُها، كما أنكر مالك على شُريح قولَه بعدم صحة الحُبس (٢) . وقامت أيضاً ضجّة العلماء الجامعين بين الأثر والنظر فيما أَلْفَوه من أقوال أهل الرأي مخالفاً لما دل عليه استقراءُ مقاصد الشريعة، كما أنكر مالك على القائلين من السلف بخيار المجلس في البيع. فقال في الموطأ: "وليس لهذا عندنا حدٌّ محدود ولا أمر معمول به [فيه] " (٣) . وفسّره أصحابه بأنه أراد أن المجلس
vol. 3, p. 44لا ينضبط، وأنه ينافي مقصد الشريعة من انعقاد العقود.
-
وأما الأنحاء الثلاثة الأولى: فاحتياجه في النحو الأول منها إلى ذلك احتياجٌ مّا ليجزم بكون اللفظ منقولًا شرعاً مثلًا.
-
واحتياجُه إليه في النحو الثاني أشدّ، لأنّ باعث اهتدائه إلى البحث عن المعارِض، ثم إلى التنقيب على ذلك المعارض في مظانّه، يَقوى ويضعف بمقدار ما ينقدح في نفسه، وقتَ النظر في الدليل الذي بين يديه، من أنَّ ذلك الدليل غيرُ مناسب لأن يكون مقصوداً للشارع على عِلَّاته. فبمقدار تشكُّكِه في أن يكون ذلك الدليل كافياً لإثبات حكم الشرع فيما هو بصدده يشتد تنقيبُه على المعارض، وبمقدار ذلك التشكك يحصل له الاقتناع بانتهاء بحثه عن المعارض عند عدم العثور عليه. مثاله: ما في الصحيح: أن عبد الله بن عمر، لما بلغه قولُ عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "ألمْ تَرَيْ قَومك حين بنوا الكعبة قصُرت بهم النفقة فاقتصروا عن قواعد إبراهيم فلم يدخلوا الجَدْر في البيت؟، وهو من البيت" (١) فقال ابن عمر: "لئن كانت
vol. 3, p. 45عائشة سمعت هذا من رسول الله، ما أُرَى رسول الله ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر إلا أن البيت لم يُتمّم على قواعد إبراهيم" (١) . فعلمنا من كلامه أنه كان يرى الدليل الذي بلغه من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ترك استلام الركنين، حالّاً محل الحيرة من نفسه، وكان ينقدح في نفسه أن لدلالة ذلك الدليل موجباً لم يعلمه. فلماه سمع حديث عائشة أيقن أنه الموجِب وانثلج لذلك صدره.
-
وأيضاً يكون الاقتناع عند وجود المعارض سريعاً أو بطيئاً بمقدار قوّة الشك في أن يكون ذلك المعارض مناسباً للمقصد الشرعي أو غير مناسب. ألا ترى أن عمر بن الخطاب لما استأذن عليه أبو موسى الأشعري ثلاثاً فلم يجبه. فرجع أبو موسى فبعث عمر وراءه. فلما حضر عتَبَ عليه انصرافه. فذكر أبو موسى أنه: سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنّه إذا لم يؤذن للمستأذن بعد ثلاث ينصرف. فطالبه عمر بالبيّنة على ذلك وضايقه حتى جعل أبو موسى يسأل في مجلس الأنصار عمّن يشهد له بعلم بذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال له مشيخة الأنصار: لا يشهد لك إلّا أصغرنا، وهو أبو سعيد الخدري (٢) . فلما
vol. 3, p. 46شهد بذلك عند عمر اقتنع عمر، وعلم أن كثيراً من الأنصار يعلم ذلك، لأنه كان في شك قويّ أن يكون معارض أصل الاستئذان بأن يقيّد بثلاث ويرجع بعد الثلاث، لأن في ذلك بياناً للإجمال الذي في قول الله تعالى: {فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ} (١) .
-
وبعكس ذلك نجده لما تردد في أخذ الجزية من المجوس فقال له عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله يقول: "سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب" (٢) قبله ولم يطلب شهادة على ذلك لضعف شكّه في
vol. 3, p. 47المعارض. بخلاف حاله في قضية استئذان أبى موسى.
-
وأَمَّا احتياجه إليه في النحو الثالث فلأنّ القياس يعتمد إثباتَ العلل، وإثباتُ العلل قد يحتاج إلى معرفة مقاصد الشريعة كما في المناسبة (١) ، أي: تخريج المناط، وكما في تنقيح المناط (٢) ،
vol. 3, p. 48وإلغاء الفارق (١) . ألا ترى أنهم لمّا اشترطوا أن العلّة تكون ضابطاً
vol. 3, p. 49لحكمة كانوا قد أحالونا على استقراء وجوه الحكم الشرعية التي هي من المقاصد (١) .
-
وبعد هذا فالفقيه محتاج إلى معرفة مقاصد الشريعة في قبول الآثار من السنة، وفي الاعتبار بأقوال الصحابة والسلف من الفقهاء، وفي تصاريف الاستدلال. وقد أبى عمر من قبول خبر فاطمة ابنة قيس في نفقة المعتدة (٢) ، وأبت عائشة من قبول خبر ابن عمر في أن
vol. 3, p. 50الميت يعذب ببكاء أهله عليه (١) ، وقرأت قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ
vol. 3, p. 51وِزْرَ أُخْرَى} (١) .
-
وأما احتياجه إليه في النحو الخامس، فلأنّه بمقدار ما يستحصل من مقاصد الشريعة ويستكثر مما حصل في علمه منها، يقلّ بين يديه ذلك النحوُ الخامس الذي هو مظهرُ حيرة.
-
وليس كل مكلف بحاجة إلى معرفة مقاصد الشريعة، لأن معرفة مقاصد الشريعة نوع دقيق من أنواع العلم. فحقّ العامي أن يتلقّى الشريعة بدون معرفة المقصد، لأنه لا يُحسن ضبطه ولا تنزيلَه. ثم يتوسع للناس في تعريفهم المقاصد بمقدار ازدياد حظهم من العلوم الشرعية، لئلا يضعوا ما يُلقَّنون من المقاصد في غير مواضعه، فيعود بعكس المراد. وحقُّ العالم فهمُ المقاصد. والعلماء - كما قلنا - في ذلك متفاوتون على قدر القرائح والفهوم.