ج - طرق إثبات المقاصد الشرعية

28 paragraphs · vol. 3, p. 52

  1. أحسبك قد وثقت ممّا قرّرته لك آنفاً بأنّ للشريعة مقاصد من التشريع بأدلة حَصل لك العلمُ بها تَحقّق الغرض على وجه الإجمال. فتطلّعتَ الآن إلى معرفة الطرق التي نستطيع أن نبلغ بها إلى إثبات أعيان المقاصد الشرعية في مختلف التشريعات. وكيف نصل إلى الاستدلال على تعيين مقصدٍ ما من تلك المقاصد استدلالًا يجعله بعد استنباطه محل وفاق بين المتفقّهين سواء في ذلك من استنبطه ومن بلغه، فيكون ذلك باباً لحصول الوفاق في مدارك المجتهدين أو التوفيق بين المختلفين من المقلدين.

    vol. 3, p. 52
  2. فاعلم أننا لسنا بسبيل أن نستدل على إثبات المقاصد الشرعية المتنوّعة بالأدلة المتعارفة التي ألفنا الخوضَ فيها في علم أصول الفقه، وفي مسائل أدلة الفقه، وفي مسائل الخلاف، لأن وجود القطع والظن القريب منه بين تلك الأدلة مفقود أو نادر، لأن تلك الأدلة إن كانت من القرآن وهو متواتر اللفظ فمعظم أدلته ظواهر. وفي القرآن أدلة على مقاصد الشريعة قريبة من النصوص سنذكرها في تقسيمها الآتي. وإن كانت الأدلة من السنة فهي كلها أخبار آحاد، وهي لا تفيد القطع ولا الظن القريب منه (١) . ولذلك قد كان القرآن بين يدي جميع المجتهدين فلم

    vol. 3, p. 53يتّفقوا على الأحكام التي استنبطوها منه، ولو مع ظهور بعضها دون الآخر. فقد قال الله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (١) قال مالك في الموطأ: "هو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته" (٢) ، أي لأنهما اللذان يعقدان نكاح ولاياهما. وقال الشافعي: "هو الزوج" (٣)

  3. وجعل معنى كون عقدة النكاح بيده: أن بيده حلّها بالطلاق.

    vol. 3, p. 54
  4. فعلينا أن نرسم طرائق الاستدلال على مقاصد الشريعة بما بلغنا إليه بالتأمل، وبالرجوع إلى كلام أساطين العلماء.

  5. ويجب أن يكون الرائدُ الأعظم للفقيه في هذا المسلك هو الإنصافَ، ونبذَ التعصب لبادئ الرأي، أو لسابق الاجتهاد، أو لقول إمام، أو أستاذ. فلا يكون حال الفقيه في هذا العلم كحال صاحب ابن عرفة (١) الذي قال في حق ابن عرفة: "ما خالفته في حياته فلا

    vol. 3, p. 55أخالفه بعد وفاته" (١) ، بحيث إذا انتظم الدليلُ على إثبات مقصد شرعي وجب على المتجادلين فيه أن يستقبلوا قبلة الإنصاف، وينبذوا الاحتمالات الضعاف.

  6. الطريق الأول: وهو أعظمها، استقراء الشريعة في تصرفاتها، وهو على نوعين:

    أعظمهما: استقراء الأحكام المعروفة عللُها، الآئل إلى استقراء تلك العلل المثبتة بطرق مسالك العلة، فإن باستقراء العلل حصولَ العلم بمقاصد الشريعة بسهولة، لأننا إذا استقرينا عللاً كثيرة متماثلة في كونها ضابطاً لحكمة متّحدة أمكن أن نستخلص منها حكمةً واحدة، فنجزم بأنها مقصد شرعي، كما يُستَنتج من استقراء الجزئيات تحصيلُ مفهوم كلّي حسب قواعد المنطق.

    vol. 3, p. 56
  7. مثاله: أننا إذا علمنا علّة النهي عن المزابنة الثابتة بمسلك الإيماء في قول رسول الله، عليه الصلاة والسلام، في الحديث الصحيح لمن سأله عن بيع التمر بالرطب: "أينقص الرُّطَبُ إذا جفّ؟ " قال: نعم، قال: "فلا إذن" (١) . فحصل لنا أنّ علة تحريم المزابنة، هي: الجهل بمقدار أحد العوضين، وهو الرُّطَب منهما المبيعُ باليابس.

  8. وإذا علمنا النهي عن بيع الجزاف بالمكيل (٢) ، وعلمنا أن

    vol. 3, p. 57علّته جهل أحد العوضين بطريق استنباط العلة.

  9. وإذا علمنا إباحة القيام بالغبن، وعلمنا أن علّته نفي الخديعة بين الأُمة بنصّ قول الرسول، عليه السلام، للرجل - الذي قال له: إني أخدع في البيوع -: "إذا بايعتَ فقُل لا خِلابة" (١) .

  10. إذا علمنا هذه العلل كلها استخلصنا منها مقصداً واحداً، وهو: إبطال الغرر في المعاوضات. فلم يبق خلاف في أن كل تعاوض اشتمل على خطر أو غرر في ثمن، أو مثمن أو أجل فهو تعاوض باطل.

  11. ومثال آخر: وهو أننا نعلم النهيَ عن أن يخطب المسلم على

    vol. 3, p. 58خِطبة مسلم آخر (١) ، والنهيَ عن أن يسوم على سومه (٢) ، ونعلم أن

    vol. 3, p. 59علّة ذلك هو ما في ذلك من الوحشة التي تنشأ عن السعي في الحرمان من منفعة مبتغاة، فنستخلص من ذلك مقصداً هو: دوام الأخوة بين المسلمين، فنستخدم ذلك المقصد لإثبات الجزم بانتفاء حرمة الخطبة بعد الخطبة والسوم بعد السوم، إذا كان الخاطبُ الأول والسائمُ الأول قد أعرضا عما رغبا فيه.

  12. النوع الثاني من هذا الطريق: استقراء أدلة أحكام اشتركت في علّة، بحيث يحصل لنا اليقين بأن تلك العلّة مقصدٌ مرادٌ للشارع.

  13. مثاله: النهي عن بيع الطعام قبل قبضه (١) ، علته طلب رواج الطعام في الأسواق.

  14. والنهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئةً (١) إذا حمل على إطلاقه

    vol. 3, p. 61عند الجمهور، علّتهُ أن لا يبقى الطعامُ في الذمة فيفوت رواجه.

    vol. 3, p. 60
  15. والنهي عن الاحتكار في الطعام لحديث مسلم عن معمر مرفوعاً: "من احتكر طعاماً فهو خاطئ" (١) ، علته إقلال الطعام من الأسواق.

  16. فبهذا الاستقراء يحصل العلمُ بأن رواج الطعام وتيسيرَ تناوله مقصد من مقاصد الشريعة. فنعمد إلى هذا المقصد فنجعله أصلاً ونقول: إن الرواج إنما يكون بصور من المعاوضات، والإقلالَ إنما يكون بصور من المعاوضات، إذ الناس لا يتركون التبايع. فما عدا المعاوضات لا يُخشى معه عدم رواج الطعام. ولذلك قلنا: تجوز الشركة والتولية والإقالة في الطعام قبل قبضه. ومن هذا القبيل كثرة الأمر بعتق الرقاب الذي دلَّنا على أن من مقاصد الشريعة حصول الحرية.

  17. الطريق الثاني: أدلة القرآن الواضحةُ الدلالة التي يضعف احتمال أن يكون المراد منها غير ما هو ظاهرها بحسب الاستعمال العربي، بحيث لا يَشُك في المراد منها إلّا من شاء أن يُدخِل على نفسه شكًّا لا يعتدّ به. ألا ترى أنا نجزم بأن معنى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} (١) : أن الله أوجبه. ولو قال أحد: إن ظاهر هذا اللفظ أن الصيام مكتوب في الورق لجاء خطأً من القول. فالقرآن لكونه متواترَ اللفظ قطعيَّهُ يحصل اليقين بنسبة ما يحتوي عليه إلى الشارع تعالى، ولكنه لكونه ظنّيّ الدلالة يحتاج إلى دلالة واضحة يضعف تطرق احتمال معنى ثانٍ إليها.

    vol. 3, p. 62
  18. فإذا انضمَّ إلى قطعيّة المتن قوّة ظَنّ الدلالة تَسَنّى لنا أخذُ مقصد شرعي منه يرفع الخلافَ عند الجدل في الفقه، مثل ما يؤخذ من قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (٢) ، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (٣) ، وقوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (٤) ، وقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} (٥) ، وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (٦) ، {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (٧) . ففي كلّ آية من هذه الآيات تصريح بمقصد شرعي أو تنبيه على مقصد.

  19. الطريق الثالث: السنة المتواترة. وهذا الطريق لا يوجد له مثال إلّا في حالين:

    الحال الأول: المتواتر المعنوي الحاصل من مشاهدة عموم الصحابة عملًا من النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيحصل لهم علم بتشريع في ذلك يستوي فيه جميع المشاهدين. وإلى هذا الحال يرجع قسمُ المعلوم من الدين بالضرورة، وقسمُ العمل الشرعي القريب من المعلوم ضرورة، لمثل مشروعية الصدقة الجارية المعبَّر عن بعضها بالحُبُس. وهذا العمل هو الذي عناه مالك حين بلغه: أن شريحاً يقول بعدم انعقاد الحُبُس، ويقول أن لا حَبس عن فرائض الله. فقال مالك: "رحم الله شريحاً تكلّم ببلاده - يعني الكوفة - ولم يَرِد المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين بعدَهم وما حبَّسوا من أموالهم [لا يطعن فيها طاعن] ، وهذه صدقات رسول الله سبعةُ حوائط. وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبراً" (١) اهـ. وأمثلة هذا العمل في العبادات كثيرة، ككون خطبة العيدين بعد الصلاة.

    vol. 3, p. 63
  20. الحال الثاني: تواتر عملي، يحصل لآحاد الصحابة من تكرر مشاهدة أعمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحيث يستخلص من مجموعها مقصداً شرعياً. ففي صحيح البخاري: عن الأزرق بن قيس قال: "كنا على شاطئ نهر بالأهواز، قد نضب عنه الماء. فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس، فقام يصلي وخلّى فرسه، فانطلقت الفرس. فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته. وفينا رجل له رأي فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس.

  21. فأقبل فقال: ما عنّفني أحد منذ فارقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال: إن منزلي متراخٍ، فلو صليت وتركت الفرس لم آت أهلي إلى الليل. وذكر أنه صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأى من تيسيره " (١) . فمشاهدته أفعال رسول الله - عليه السلام - المتعددة استخلص منها أن من مقاصد الشرع التيسير. فرأى أن قطع الصلاة من أجل إدراك فرسه ثم العود إلى استئناف صلاته أولى من استمراره على صلاته مع تجشّم مشقة الرجوع إلى أهله راجلاً. فهذا المقصد بالنسبة إلى أبي برزة مظنون ظناً قريباً من القطع، ولكنه بالنسبة إلى غيره - الذين يَرْوي إليهم خبرهُ - مقصد محتمل، لأنه يُتلقّى منه على وجه التقليد وحسن الظن به.

    vol. 3, p. 64
  22. ولقد جاء الشاطبي في آخر كتاب المقاصد من تأليفه الموافقات بكلام أرى من المهم إثبات خلاصته باختصار (٢) قال: "بماذا يعرف ما هو مقصود للشارع مما ليس مقصوداً له؟ والجواب: أن النظر بحسب التقسيم العقلي ثلاثة أقسام:

    أحدها: أن يقال: إن مقصد الشارع غائب عنا حتى يأتينا النص الذي يُعَرِّفُنا به. وحاصل هذا الوجه الحمل على الظاهر مطلقاً. وهو رأي الظاهرية الذين يحصرون مظان العلم بمقاصد الشارع في الظواهر والنصوص.

  23. الثاني: دعوى أن مقصد الشارع ليس في هذه الظواهر ولا ما يفهم منها، وإنما المقصود أمرٌ آخرُ وراءه. ويطّرد ذلك في جميع الشريعة حتى لا يبقى في ظاهرها متمسك تعرف منه مقاصد الشارع. وهذا رأي كل قاصد لإبطال الشريعة وهم الباطنية.

    vol. 3, p. 65
  24. الثالث: أن يقال باعتبار الأمرين جميعاً، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ولا العكس، لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض. وهذا الذي أمَّه أكثر العلماء.

  25. فنقول: إن مقصد الشارع يعرف من جهات:
  26. إحداها: مجرد الأمر والنهي الابتدائي التصريحي. فإن الأمر كان أمراً لاقتضائه الفعلَ، فوقوع الفعل عنده مقصود للشارع، وكذلك النهي في اقتضاء الكف.

  27. الثانية: اعتبار علل الأمر والنهي كالنكاح لمصلحة التناسل، والبيع لمصلحة الانتفاع بالمبيع.

  28. الثالثة: أن للشارع في شرع الأحكام مقاصد أصلية ومقاصد تابعة. فمنها منصوص عليه، ومنها مشار إليه، ومنها ما استُقرئ من المنصوص. فاستدللنا بذلك على أن كل ما لم ينص عليه مما ذلك شأنه هو مقصود للشارع". انتهى حاصل كلامه.