ب - الصفة الضابطة للمقاصد الشرعية

33 paragraphs · vol. 3, p. 165

  1. المقاصد الشرعية نوعان: معانٍ حقيقية، ومعان عرفية عامة. ويشترط في جميعها أن يكون ثابتاً ظاهراً منضبطاً مطّرداً.

    vol. 3, p. 165
  2. فأما المعاني الحقيقيّة فهي التي لها تحقّق في نفسها (١) بحيث تدرك العقولُ السليمةُ ملاءَمَتَها للمصلحة أو منافرَتَها لها، أي تكون جالبة نفعاً عاماً أو ضُراً عاماً، إدراكاً مستقلاً عن التوقّف على معرفة عادة أو قانون، كإدراك كون العدل نافعاً، وكون الاعتداء على

    vol. 3, p. 166النفوس ضاراً، وكون الأخذ على يد الظالم نافعاً لصلاح المجتمع.

  3. والتقييد بالعقول السليمة لإخراج مدركات العقول الشاذّة كمحبة الظلم في الجاهلية، كما في قول الشَّمَيذَر الحارثي من شعراء الحماسة مفتخراً:

    فلسنا كمن كنتُم تصيبون سَلَّةً ... فَنَقْبَلَ ضَيمًا أو نُحَكِّمَ قاضيا

    ولكنَّ حكمَ السيف فيكم مسلّط ... فَنَرَضَى إذا ما أصبَحَ السيفُ راضيا (١)

  4. وقول سَوَّارِ بنِ المضَرَّب السَّعدي مفتخراً:
  5. وأنّي لا أزال أخا حروب ... إذا لم أَجْنِ كُنتُ مِجَنَّ جَانِ (٢)

  6. وأما المعاني العرفية فهي المُجَرَّبات التي ألفتها نفوس الجماهير، واستحسنتها استحساناً ناشئاً عن تجربة ملاءمتها لصلاح الجمهور، كإدراك كون الإحسان معنى ينبغي تعامل الأمة به، وكإدراك كون عقوبة الجاني رادعةً إياه عن العود إلى مثل جنايته، ورادعةً غيره عن الإجرام، وكون ضدّ ذينك يؤثر ضدّ أَثَرَيهما، وإدراك كون القذارة تقتضي التطهّر.

  7. وقد اشترطتُ لهذين النوعين: الثبوت، والظهور، والانضباط، والاطراد.

  8. فالمراد بالثبوت: أن تكون تلك المعانى مجزوماً بتحقّقها أو مظنوناً ظناً قريباً من الجزم.

  9. والمراد بالظهور: الاتّضاح، بحيث لا يختلف الفقهاء في

    vol. 3, p. 167تشخيص المعنى، ولا يلتبس على معظمهم بمشابهه، مثل حفظ النسب الذي هو المقصد من مشروعية النكاح. فهو معنى ظاهر ولا يلتبس بحفظه الذي يحصل بالمخادنة أو بالإلاطة، وهي إلصاق المرأة البغيّ الحملَ الذي تَعْلَقه برجل معين ممن ضاجعوها.

  10. والمراد بالانضباط: أن يكون للمعنى حدّ معتبر لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، بحيث يكون القدر الصالح منه لِأَن يعتبر مقصداً شرعياً قدراً غير مشكَّك، مثل حفظ العقل إلى القدر الذي يخرج به العاقل عن تصرّفات العقلاء الذي هو المقصد من مشروعية التعزير بالضرب عند الإسكار (١) .

  11. والمراد بالاِطِّراد: أن لا يكون المعنى مختلفاً باختلاف أحوال الأقطار والقبائل والأعصار، مثل وصف الإسلام، والقدرة على الإنفاق فى تحقيق مقصد الملاءمة للمعاشرة المسماة بالكفاءة المشروطة في النكاح في قول مالك وجماعة من الفقهاء (٢) ، بخلاف التماثل في الإثراء أو في القبيلة.

  12. وقد تتردّد معان بين كونها صلاحاً تارة وفساداً أخرى، أي بأن اختلّ منها وصفُ الاطراد. فهذه لا تصلح لاعتبارها مقاصدَ شرعية على الإطلاق، ولا لعدم اعتبارها كذلك، بل المقصد الشرعي فيها أن توكَلَ إلى نظر علماء الأمة وولاة أمورها الأمناء على مصالحها من أهل الحل والعقد، ليعينوا لها الوصف الجدير بالاعتبار في أحد الأحوال دون غيره. وذلك مثل القتال والمجالدة. فقد يكون ضراً إذا كان لشق عصا الأمة، وقد يكون نفعاً إذا كان للذب عن الحوزة ودفع العدو.

    vol. 3, p. 168
  13. ألا ترى أن الله تعالى قال: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا} (١) الآية، فجعل قتالهم وهو الحرابة موجباً للعقاب لأنها فساد. وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (٢) ، فأعلمنا أن هذا التقاتل ضر. فلذلك أمر البقية بالإصلاح بينهما لتنهية القتال. ثم قال تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا (أي الطائفتين) عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} (٣) ، فأمر بإيقاع قتالٍ للإصلاح. وقال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} في آيات كثيرة (٤) .

  14. فبمثل هذه المعاني بشروطها هذه يحصل اليقين بأنها مقاصد شرعية. فإن دلت أدلة شرعية على أن الشريعة اعتبرت من مقاصدها معاني اعتبارية، أو معاني عرفية خاصة احتاجت الشريعة إلى اعتبارها في مقاصدها لما تشتمل عليه من تحصيل صلاح عام أو دفع ضر كذلك، كاعتبار الرضاع سبباً لتحريم التزوج بالأخت منه ومعاملته معاملة النسب في ذلك (١) ، وكاعتبار القرشية في شرط الخليفة (٢) ،

    vol. 3, p. 170وجب على الفقيه سبرُ تلك الاعتبارات. فإن حصل له الظن في الجملة بأنها مقصودة للشارع أثبتها كمسائل فرعية قريبة من الأصول، ولا يجترئ على أن يتجاوز مواقع ورودها. وإن قوي الظنُّ بأنها مقاصد شرعية مطّردة فله حينئذ تأصيلها ومجاوزة مواقع ورودها كاعتبار الذكورة شرطاً في الولايات القضائية والإمارة بناء على العرف العام المطرد في العالم يومئذ (١) ، واعتبار التبنّي مؤثراً في جميع آثار

    vol. 3, p. 171البنوة الحقيقية في صدر الإسلام (١) قبل نسخ ذلك بآية: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} (٢) الآية.

    vol. 3, p. 169
  15. فيستخلص من هذا كله أن المقاصد الشرعية معان حقيقية لها تحقّقٌ في الخارج.

  16. وتلحق بها المعاني الاعتبارية القريبة من الحقيقية (٣) ، ومعان عرفية عامّة متحقّقة.

  17. وتلحق بها معان عرفية خاصة تقرب من المعاني العرفية العامة.

  18. فأما الأوهام، وهي المعاني التي يخترعها الوَهَمُ من نفسه دون أن تصل إليه من شيء محقق في الخارج، كتوهم كثير من الناس أن في الميت معنى يوجب الخوف منه أو النفور عنه عند الخلوة. وهذا الإدراك مركب من الفعل والانفعال لأن الذهن الواحد نجده في هذا فاعلاً ومنفعلاً معاً. فهو يفعل الاختراع ثم يدركه.

  19. وكذلك التخيّلات، وهي المعاني التي تخترعها قوةُ الخيال بمعونة الوهم بأن يركِّبها الخيال من عدّة معان محسوسة محفوظةٍ في

    vol. 3, p. 172الحافظة، كتمثيل صنف من الحوت أنه خنزير بحري (١) .

  20. فليس شيء من هذين بصالح لأن يُعدّ مقصداً شرعياً.

  21. [لأن الله تعالى قال لرسوله: {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} أي الذي ليست فيه شائبة من باطل أو فساد] (٢) .

  22. ثم إننا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيلات وتأمر بنبذها، فعلمنا أن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة، فقضينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية.

  23. ففي الموطأ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يسوق بدنة. فقال له: "اركبها" ، فقال: يا رسول الله إنها بدنة. فقال: "اركبها ويلك" في الثانية أو في الثالثة (٣) .

  24. وفي الموطأ: أن عبد الله بن عمر كَفَّنَ ابنه واقدَ بن عبد الله حين مات بالجحفة وهو مُحرِم. وقال: لولا أننا حُرُم لطيّبناه (أي ما منعهم من تطييبه إلّا أن الجماعة كلَّهم محرمون لا يجوز لهم مس الطيب) . قال مالك: "وإنما يعمل الرجل ما دام حياً. فإذا مات فقد

    vol. 3, p. 173انقضى العمل " (١) . والمقصود من ذلك نسخ الحديث الوارد أن رجلاً وَقَصَتْه ناقتُه وهو محرم فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تخمِّروا وجهه ولا تمسُّوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً " (٢) .

  25. وقد قيل: إن تلك خصوصية له، قد علم الله سرًّا أوجب اختصاصه بتلك المزية (٣) .

  26. والصواب عندي: أن ذلك لئلا يتلطخ محنطوه. فالنهي لأجل الأَحياء لا لأجل الميت، وجعل حرمانه من الحنوط سبباً لحشره ملبياً تنويهاً بشأن الحج، كما ورد في الشهيد، وسنذكره قريباً (٤) .

  27. وقد أبطل الإسلام أحكام التبنّي التي كانت في الجاهلية وفي صدر الإسلام لكونه أمراً وهمياً.

  28. ومن حق الفقيه مهما لاح له ما يوهم جعل الوهْم مُدْرَك حكم شرعي أن يتعمق في التأمل، عسى أن يظفر بما يزيل ذلك الوهْم، ويرى أن ثمة معنى حقيقياً هو مناط التشريع قد قارنه أمر وهمي فغطّى عليه في نظر عموم الناس، لأنهم أَلِفوا المصير إلى الأوهام.

  29. مثاله: النهي عن غسل الشهيد في الجهاد (٥) ، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشهيد: "إنه يبعث يوم القيامة ودمه يثعب، اللون لون الدم والريح ريح المسك" (٦) . فيتوهّم كثير من الناس أن علّة ترك

    vol. 3, p. 174غسله هي بقاء دمه في جروحه يبعث بها يوم القيامة. وليس كذلك، لأنه لو غسل جهلاً أو نسياناً أو عمداً لما بطلت تلك المزية، ولجعل الله له في جرحه دماً يَثْعَبُ شهادة له بين أهل المحشر. ولكن علّة النهي هي أن الناس في شغل عن التفرّغ إلى غسل موتى الجهاد. فلمّا علم الله ما يحصل من انكسار خواطر أهل الصفّ - حين إصابتهم بالجراح من بقاء جراحتهم، ومن دفنهم على تلك الحالة، وعلم انكسار خواطر أهليهم وذويهم - عوّضهم الله تلك المزية الجليلة. فالسبب في الحقيقة معكوس، أي السبب هو المسبّب والمسبّب هو السبب.

  30. وكذلك الأمر بستر العورة للذي يصلي في خلوته (١) ، فإن ذلك للحرص على عدم الاستخفاف بالعادات الصالحة تحقيقاً لمعنى المروءة وتعويداً عليها.

  31. وقد تأتي أحكام منوطة بمعان لم نجد لها متأوّلاً إلا أنّها أمور وهمية، مثل استقبال القبلة في الصلاة، ومثل التيمم، واستلام الحجر الأسود. فعلينا أن نثبتها كما هي، ونجعلها من قسم التعبّدي الذي لا يصلح للكون مقصداً شرعياً. أو نتأوّلها بما سنقول: وتأتي أحكام منوطة بما يمكن له تأويلٌ يخرجه عق الوهْم مثل طهارة الحدث، فنعالج بإمكاننا حتى نخرجه عن الكون وهْمياً. وتفصيل ذلك يجيء في القسم الثالث في المقاصد الخاصة (١) .

    vol. 3, p. 175
  32. واعلم أن الأمور الوهْمية وإن كانت لا تصلح للكون مقصداً شرعياً للتشريع، فهي صالحة لأن يستعان بها في تحقيق المقاصد الشرعية، فتكون طريقاً للدعوة والموعظة ترغيباً أو ترهيباً، كقوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا} (٢) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" (٣) .

  33. فعلى الفقيه أن يفرق بين المقامين. فلا يذهب يفَرِّع على تلك المواعظ أحكاماً فقهية، كمن توهّم أن الصائم إذا اغتاب أحداً أفطر لأنه قد أكل لحم أخيه (٤) . وقد تكون الوهْميات في أحوال نادرة مستعاناً بها على تحقيق مقصد شرعي حين يتعذر غيرها. ولعل ما ذكرناه من التيمم والاستقبال يرجع إلى ذلك، فلنتفطنْ له.