د - السماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها
11 paragraphs · vol. 3, p. 188
- vol. 3, p. 188
السماحة: سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل.
-
وهي راجعة إلى معنى الاعتدال، والعدل، والتوسط. ذلك المعنى الذي نوّه به أساطين حكمائنا الذين عنوا بتوصيف أحوال النفوس والعقول، فاضلَها ودنيَّها وانتسابَ بعضها من بعض. فقد اتفقوا على أن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، أي التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، لأن ذينك الطرفين يدعو إليهما الهوى الذي حذّرنا الله منه في مواضع كثيرة، منها قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (١) ، وقوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} (٢) ، وقوله: {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} (٣) ، فإن ذلك متعلق بأهل الكتاب ابتداء، ومراد منه موعظة هذه الأمة؛ لتجتنب الأسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة وسقوطَها. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في اليهود: "لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم" (٤) .
- vol. 3, p. 189
فالتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط هو منبع الكمالات. وقد قال الله تعالى في وصف هذه الأمة أو وصف صدرها: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (١) . روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى الآية أن الوسط هو العدل أي بين طرفي الإفراط والتفريط (٢) ، وبذلك جزم المحقّقون في تفسير هذه الآية (٣) . وبه فسر أيضاً قوله تعالى: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ} (٤) أي أعلمهم وأعدلهم. وقد شاع هذا المعنى في الوسط (٥) .
وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير التابعي: "خير الأمور أوساطها" . وبعضهم يرويه حديثاً، وهو مشهور على الألسنة ولكنه ضعيف الإسناد (٦) .
-
فالسماحة السهولة المحمودة فيما يظنّ الناس التشديد فيه. ومعنى كونها محمودة أنها لا تفضي إلى ضر أو فساد. وفي الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع، سمحاً إذا اشترى، سمحاً إذ اقتضى" (٧) . وقريب منه
vol. 3, p. 190في رواية أبي هريرة (١) .
-
ووصفُ الإسلام بالسماحة ثبَتَ بأدلة القرآن والسنة. فقد قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (٢) ، وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (٣) ، وقال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} (٤) ، وقال: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (٥) .
-
وفي الحديث الصحيح عن ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أَحبُّ الدّين إلى الله الحنيفية السمحة" . رواه ابن أبي شيبة، وأخرجه البخاري في صحيحه تعليقاً، وأخرجه في الأدب المفرد مسنداً (٦) ، أي أحبُّ الأديان إلى الله دين الإسلام الذي هو الحنيفية
vol. 3, p. 191السمحة. فقد أثبت أن السماحة هي وصف الإسلام. وفيه عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الدين يسر ولن يشادّ هذا الدين أحد إلا غلبه" (١) أي كان الدين غالباً. وفي الحديث: "بعثت بالحنيفية السمحة" (٢) ، وهو ضعيف السند بهذا اللفظ، ولكنه في معنى الحديث الذي قبله.
-
واستقراء الشريعة دل على أن السماحة واليسر من مقاصد الدين.
-
وفي الحديث الصحيح - في البخاري وغيره - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث علياً ومعاذاً إلى اليمن وقال لهما: "يسِّرا ولا تعسّرا وبشّرا ولا تنّفرا" (٣) . وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "إنما بعثتم مُيسّرين ولم تبعثوا معسّرين" (٤) . وعن عائشة: "كان رسول الله ما خير بين أمرين إلّا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً" (٥) . والمراد من الإثم ما دلت الشريعة على تحريمه.
- vol. 3, p. 192
قال الشاطبي في الفصل الثاني من المسألة السابعة من نوع الموانع (١) ، وفي مواضع متكرّرة من كتابه: "إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع" (٢) ، واستدل لذلك بكثير من الأدلة التي ذكرناها آنفاً.
-
وأقول: إن حكمة السماحة في الشريعة أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة. وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة، فهي كائنة في
vol. 3, p. 193النفوس سهل عليها قبولها. ومن الفطرة النفور من الشدة والإعنات. قال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (١) . وقد أراد الله تعالى أن تكون شريعة الإسلام شريعة عامة ودائمة، فاقتضى ذلك أن يكون تنفيذها بين الأمة سهلاً. ولا يكون ذلك إلّا إذا انتفى عنها الإعنات. فكانت بسماحتها أشد ملاءمة للنفوس، لأن فيها إراحة النفوس في حالي خويصتها ومجتمعها.
-
وقد ظهر للسماحة أثر عظيم في انتشار الشريعة وطول دوامها. فعلم أن اليسر من الفطرة، لأن في فطرة الناس حب الرفق. ولذلك كره الله من المشركين تغيير خلق الله فأسنده إلى الشيطان، إذ قال عنه: {وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ} (٢) . وذلك من حيث يكون التغيير خلوًا عن المصلحة. فأما إذا كان لمعنى أدخل في الفطرة لا يصير مذموماً بل يكون محموداً، مثل: الختان، وتقليم الأظفار (٣) ، وحلق الرأس في الحج (٤) .