كا - مدى حرية التصرف عند الشريعة
30 paragraphs · vol. 3, p. 371
- vol. 3, p. 371
لمَّا تحقّق فيما مضى أن المساواة من مقاصد الشريعة الإِسلامية، لزم أن يتفرّع على ذلك أن استواء أفراد الأمة في تصرّفهم في أنفسهم مقصد أصلي من مقاصد الشريعة وذلك هو المراد بالحريّة.
-
جاء لفظ الحرية في كلام العرب مطلقاً على معنيين أحدهما ناشئ عن الآخر.
-
المعنى الأول ضد العبودية. وهي أن يكون تصرّف الشخص العاقل في شؤونه بالأصالة تصرّفاً غير متوقّف على رضا أحد آخر. وقولي: "بالأصالة" لإخراج نحوِ تصرّف السفيه سفهاً مالياً في ماله، وتصرّف الزوجين فيما يتعلّق به حقوقُ الزوجية، وتصرّف المتعاقدين بحسب ما تعاقدا عليه؛ لأن ذلك كلّه يتوقّف على رضا غير المتصرّف بتصرّفه، ولكن ذلك التوقّف ليس أصلياً بل جعلياً أوجبه المرء على نفسه بمقتضى التعاقد. فهو في التحقيق تصرّف منه في نفسه بحريّته. فهو بحريّته وضع لنفسه قيوداً لمصلحته.
-
ويقابل الحرية بهذا المعنى العبوديةُ. وهو أن يكون المتصرّف غير قادر على التصرّف أصالة إلَّا بإذن سيّده. وقد نشأ هذا الوصف - أعني العبودية - عن الغلبة والقوة في أزمنة تحكيم القوة. فكان من أجلّ مظاهره وأسبابه الأسر في الحروب والغارات. فالأسير في مدّة
vol. 3, p. 372الأسر هو العاني، ثم إذا شاء الذين أسروه إبقاء حياته جعلوه عبداً يخدمهم ولا يتصرّف إلَّا على حسب إرادتهم، وجعلوا ذلك الوصف قابلاً للنقل من يد إلى يد. فكان القوم الذين يأسِرون الأسيرَ ربّما دفعوه إلى قوم آخرين لهم معه إحن وترات ليقتلوه أو يعذّبوه بالخدمة، وربّما باعوه فانتفعوا بثمنه فصار عبداً لمن دفع فيه الثمن.
-
المعنى الثاني ناشئ عن الأول بطريقة المجاز في الاستعمال، وهو تمكّن الشخص من التصرّف في نفسه وشؤونه كما يشاء دون معارض. ويقابل هذا المعنى الضربُ على اليد، أو اعتقالُ التصرّف. وهو أن يُجعل الشخصُ الذي يسوء تصرُّفه في المال، لعجز، أو لقلة ذات يد، أو لقلة كافٍ، أو لحاجة، بمنزلة العبد في وضعه تحت نير إرادة غيره في تصرّفه، بحيث يسلب منه وصف إباء الضيم ويصير راضياً بالهون.
-
وكلا هذين المعنيين للحريَّة جاء مراداً للشريعة إذ كلاهما ناشئ عن الفطرة، وإذ كلاهما يتحقّق فيه معنى المساواة التي تقرّر أنها من مقاصد الشريعة. ولذلك قال عمر رضي الله عنه: "بم استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" (١) ، أي: فكونهم أحراراً أمرٌ فطري.
-
فأمّا المعنى الأول فإطلاقه في الشريعة مقرر مشهور. ومن قواعد الفقه قول الفقهاء: "الشارع متشوِّف للحرية" (٢) . فذلك استقراؤه
vol. 3, p. 373من تصرفات الشريعة التي دلّت على أن من أهم مقاصدها إبطالَ العبودية وتعميمَ الحرية. ولكن دأب الشريعة في رعي المصالح المشتركة وحفظ النظام وقف بها عن إبطال العبودية بوجه عام وتعويضها بالحرية، وإطلاق العبيد من ربقة العبودية، وإبطال أسباب تجدّد العبودية مع أن ذلك يخدم مقصدها. وكان ذلك التوقّفُ من أجل أن نظام المجتمعات في كل قطر قائم على نظام الرق. فكان العبيد عَمَلةً في الحقول، وخَدَمةً في المنازل والغروس، وَرُعاة في الأنعام. وكانت الإماء حلائل لسادتهن، وداياتٌ لأبنائهم. فكان الرقيق من أكبر الجماعات التي أقيم عليها النظام العائلي والاقتصادي لدى الأمم حين طرقتهم دعوة الإِسلام. فلو جاء الإِسلام بقلب ذلك النظام رأساً على عقب لانفرط عقد نظام المدنية انفراطاً، تعسَّرَ معه عودةُ انتظامه. فهذا موجب إحجام الشريعة عن إبطال الرقّ الموجود.
-
وأما إحجامها عن إبطال تجدّد سبب الاسترقاق الذي هو الأسر في الحروب، فلأن الأمم التي سبقت ظهور الإِسلام قد تمتّعت باسترقاق من وقع في أسرها وخضع إلى قوتها. وكان من أكبر مقاصد سياسة الإِسلام إيقافُ غُلواء تلك الأمم والانتصافُ للضعفاء من الأقوياء. وذلك ببسط جناح سلطة الإِسلام على العالم، وبانتشار أتباعه في الأقطار. فلو أن الأمم التي استقرّت لها سيادة العالم من قبلُ أمِنت عواقب الحروب الإِسلامية، وأخطرُ تلك العواقب في نفوس الأمم السائدة هو الأسر والاستعباد والسبي، لما تردّدت الأمم
vol. 3, p. 374من العرب وغيرِهم في التصميم على رفض إجابة الدعوة الإِسلامية اتكالاً على الكثرة والقوة، وأمنا من وصمة الأسر والاستعباد. كما قال صفوان بن أمية (١) في مثله: "لأَنْ تَرُبْني قريشٌ خير من أن ترُبْني هوازن" (٢) . وكما قال النابغة:
حذاراً على أن لا تُنال مقادتي ... ولا نِسْوَتي حتَّى يَمُتْنَ حرائرا (٣)
-
فنظر الإِسلام إلى طريق الجمع بين مقصديه نشر الحرية وحفظ نظام العالم بأن سلط عوامل الحرية على عوامل العبودية مقاومة لها بتقليلها وعلاجاً للباقي منها. وذلك بإبطال أسباب كثيرة من أسباب الاسترقاق، وقصره على سبب الأسر خاصة. فأبطل الاسترقاقَ
vol. 3, p. 375الاختياري وهو بيعُ المرءِ نفسَه، أو بيعُ كبير العائلة بعضَ أبنائها. وقد كان ذلك شائعاً في الشرائع. وأبطل الاسترقاق لأجل الجناية بأن يحكم على الجاني ببقائه عبداً للمجني عليه. وقد حكى القرآن عن حالة مصر: {قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ} (١) ، ثم قال: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} (٢) .
-
وأبطل الاسترقاق في الدَّين الذي كان شرعاً للرومان، وكان أيضاً من شريعة سُولون (٣) في اليونان من قبل. وأبطل الاسترقاق في الفتن والحروب الداخلية الواقعة بين المسلمين. وأبطل استرقاق السائبة كما استرقّت السيارة يوسفَ إذ وجدوه.
-
ثم إن الإِسلام التفت إلى علاج الرق الموجود والذي يوجد، بروافع ترفع ضرر الرق. وذلك بتقليله بتكثير أسباب رفعه، وبتخفيف آثار حالته. وذلك بتعديل تصرف المالكين في عبيدهم الذي كان غالبه معنتاً.
-
فمن الأول، وهو تكثير أسباب رفعه: جعل بعض مصارف الزكاة في شراء العبيد وعتقهم بنص قوله تعالى: {وَفِي الرِّقَابِ} (٤) ،
vol. 3, p. 376وجعل العتق من وجوه الكفارات الواجبة في قتل الخطأ (١) ، وفطر رمضان عمداً (٢) ، والظهار (٣) ، وحنث الأيمان (٤) . وأمره بمكاتبة العبيد إن طلبوا المكاتبة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ} (٥) أمر وجوب أو ندب على خلاف بين العلماء (٦) .
- vol. 3, p. 377
ومن أعتق جزءاً له في عبد قوّم عليه نصيب شريكه فدفعه وعتق العبد كله (١) . ومن أولد أمته صارت كالحرة فليس له بيعها ولا هبتها ولا له عليها خدمة ولا غلة، وتعتق من رأس ماله بعد وفاته (٢) .
-
والترغيب في عتق العبيد، قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} (٣) الآية. وكان الترغيب في عتق من يتنافس فيه أقوى. ففي حديث أبي ذر: "أفضل الرقاب أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها" (٤) ، وفي الحديث: "ورجل له أمة فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها
vol. 3, p. 378فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوّجها فله أجران " (١) . وأحسب أنَّ من حكمة هذا أن ما كان من العبيد بهذا الوصف يكون بقاؤه في الرق تعطيلاً لانتفاع المجتمع به انتفاعاً كاملًا، ويكون إدخاله في صنف الأحرار أفيد لهم.
-
ومن الثاني النهي عن التشديد على العبيد في الخدمة. ففي الحديث: "لا يكلّفه من العمل ما يغلبه، فإن كلّفه فليعنه " (٢) . والأمر بكفاية مؤنتهم وكسوتهم. ففي حديث أبي ذر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " عبيدكم خولكم (٣) * إنّما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم. فمن جُعل أخوه تحت يديه فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس " (٤) . والنهي عن ضربهم الضرب الخارج عن الحد اللازم، فإذا مثل الرجل بعبده عتق عليه (٥) .
-
وفي الحديث: "النهي عن أن يقول الرجل: عبدي أو أمتي.
- vol. 3, p. 379
وليقل: فتاي وفتاتي، والنهي عن أن يقول العبد لمالكه: سيدي وربِّي. وليقل: مولاي" (١) .
-
فمن استقراء هاته التصرّفات ونحوها حَصَلَ لنا العلم بأن الشريعة قاصدة بثَّ الحرية بالمعنى الأول.
-
وأما المعنى الثاني فله مظاهرُ كثيرة هي من مقاصد الإِسلام. وهذه المظاهر تتعلق بأصول الناس في معتقداتهم وأقوالهم وأعمالهم. وبجمعها أن يكون الداخلون تحت حكم الحكومة الإِسلامية متصرفين في أحوالهم التي يخوّلهم الشرعُ التصرف فيها غيرَ وجلين ولا خائفين أحداً. ولكل ذلك قوانين وحدود حدّدتها الشريعة لا يستطيع أحد أن يحملهم على غيرها. ولذلك شدّد اللهُ النكيرَ والتقبيح على قوم أشارت إليهم آية: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (٢) ، فشمل قولُه: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} تحريمَ المباحات الذي صُدِّرت الآية بالاستفهام عنه استفهام إنكار.
- vol. 3, p. 380
فحرية الاعتقادات أسّسها الإِسلام بإبطال المعتقدات الضالة التي أَكره دعاةُ الضلالة أتباعَهم ومريديهم على اعتقادها بدون فهم ولا هدى ولا كتاب منير، وبالدعاء إلى إقامة البراهين على العقيدة الحق، ثم بالأمر بحسن مجادلة المخالفين وردهم إلى الحق بالحكمة والموعظة وأحسن الجدل، ثم بنفي الإكراه في الدين. وقد بسطتُ القول في ذلك في كتاب أصول نظام الاجتماع الإِسلامي (١) . ولولا أن من أصول الشريعة حرية الاعتقاد ما كان عقاب الزنديق الذي يسرّ الكفر ويظهر الإيمان غير مقبولة فيه التوبة إذ لا عذر له فيه.
-
وأما حرية الأقوال فهي التصريح بالرأي والاعتقاد في منطقة الإذن الشرعي. وقد أمر الله ببعضها في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (٢) ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" (٣) .
- vol. 3, p. 381
ومنها حرية العلم والتعليم والتأليف. ولقد ظهرت هذه الحرية في أجمل مظهر في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإِسلام، إذ نشر العلماء فتاواهم ومذاهبهم، واحتج كل فريق لرأيه، ولم يكن ذلك موجباً لمناوأة ولا لحزازات. وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نضّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سمعها. فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه إلى من ليس بفقيه" (١) . وهذا هو المقام الذي تحقق فيه مالك بن أنس حين قال له أبو جعفر الخليفة: إني عزمت أن أكتب كُتُبك يعني الموطأ نسخاً، ثم أبعث إلى كل مصر من الأمصار نسخة، وآمرهم أن يعملوا بما فيها ولا يتعدّوها إلى غيرها. فقال الإِمام: "لا تفعل يا أمير المؤمنين! فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم [وعملوا به ودانو له] من اختلاف أصحاب رسول الله وغيرهم، وإنّ ردهم عما اعتقدوه شديد. فدع الناس وما هم عليه [وما اختار أهل كل بلد لأنفسهم] (٢) " .
-
ولولا اعتبار حرية الأقوال لما كانت الإقرارات والعقود والالتزامات وصيغ الطلاق والوصايا مؤثّرةً آثارها. ولذلك يسلب عنها التأثير متى تحقق أنها صدرت في حالة الإكراه.
-
وأما حرية الأعمال فهي تكون في عمل المرء في خويصته، وفي عمله المتعلّق بعمل غيره. فأما الحرية الكائنة في عمل المرء في الخويصة فهي تَدْخل في تناول كل مباح. فإن الإباحة أوسع ميدان لجولان حرية العمل، إذ ليس لأحد أن يمنع المباح عن أحد، إذ لا يكون أحد أرفق بالناس من الله تعالى.
- vol. 3, p. 382
ونريد بالمباح هنا المأذون فيه ولو بالعموم فيدخل المكروه. ومن تناول المباح الاحتراف بأنواع الحرف المباحة، والنزول بالمَوَاطن المأذون في نزولها، وتناول ما أبيح للناس من الماء والكلأ، والتصرف في المكاسب بالوجوه المباحة، واختيار المطاعم والملابس والمساكن، وتناول الشهوات المأذون فيها. ولذلك كان تصرف الزوجة في مالها غير موقوف على رضي زوجها على اختلاف في مقدار ذلك (١) .
-
وأما الحرية الكائنة في عمل المرء المتعلّق بعمل غيره فالأصل فيها أنها مأذون فيها، إذا لم تكن تضر بغيره. (وهذا المقام يتحقّق فيه معنى الجمع بين فرعين من مقاصد الشريعة: وهما حرية العمل الذي لا يتجاوز عاملَه، وحرية العمل الذي يؤثر في عمل غيره تأثيراً لا إضرار فيه. والإضرار يتحقّق بتعطيل حقًّ مأذونٍ فيه لمستحقه، أو إتلاف ذلك
vol. 3, p. 383الحق، ويترتب على ذلك غُرْم ما أتلفه. وفيه تفاصيل طويلة) (١) .
-
ومن حرية الأعمال المتعلقة بأعمال الغير ما يلزم المرء نفسه بموجب حرية تصرّفه من العقود والالتزامات لمصلحة يراها. فإن إلزامه نفسَهُ بها أثرٌ من آثار حرية العمل أوجب به حقاً لغيره عليه على التفصيل في العقود التي تجب بمجرد التعاقد القولي والتي لا تجب إلَّا بالشروع في العمل.
-
ثم إن للشريعة حقوقاً على أتباعها تُقيَّد حريةُ تصرّفاتِهم بقدرها، وذلك في صلاحهم في الحال أو في المستقبل. مثل إلزامهم بإقامة المصالح العامة كفروض الكفايات، أو بإقامة مصالح مَن جعلت الشريعة مصالحَهم موكولةً إلى شخص معين كنفقة القرابة. ومتى تجاوز المرء حدود حريته في هذا النوع أوقف عند الحد الشرعي بالغرم مثل ضمان التفريط، أو العقوبة بدون قبول توبة كالحرابة، أو بعد الاستتابة كالردة، وأمثلة ذلك لا تعوزك.
-
واعلم أن الاعتداء على الحرية نوع من أنواع الظلم. ولذلك لزم أن يكون تمحيص مقدار ما يخول للمرء من الحرية في نظر الشارع موكولاً إلى ولاة الأمور المنصوبين لفصل القضاء بين الناس. فلذلك كان انتصاف المعتدى عليه لنفسه بنفسه ظلماً يستحق التعزير. قال الله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (٢) . ولذلك سمّى عمرُ رضي الله عنه بعض هذا الانتصاف استعبادًا في قضية ابن عمرو بن العاص مع الذي وطئ ثوبه
vol. 3, p. 384فضربه ابن عمرو، فلما شكاه إلى عمر قال له عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً" . فإن ابن عمرو جرى عليه اعتداء خطأ بوطء ثوبه، إذ ربما اتسخ الثوب أو هلهل. ولكنه لما باشر الانتصافَ لنفسه بنفسه تجاوز عن حدِّ الحق فعامل غيرَه معاملةَ عبد له، ثم أذن عمر المعتدى عليه بأن يقتص من ولد عمرو بن العاص فضربه ضربات بمقدار ما ضربه ابن عمرو (١) . ومن أجل هذا كان السجن موكولاً للحكام. وليس لغيرهم السجن، لما فيه من التسلط على الحرية، وكذلك التغريب.
-
وقد حاطت الشريعة في كثير من تصاريفها حرية العمل بحائط سدِّ ذرائع خرم تلك الحرية. كما منعت وكالة الاضطرار، وهي توكيل المدين ربَّ الدين على بيع ونحوه عند محل الأجل (٢) ، وكما منعت
vol. 3, p. 385كثيراً من الشروط الواقعة من رب المال على العامل في القراض والمزارعة والمغارسة والمساقاة ونحو ذلك. كما سنبينه في موضعه من المقاصد الخاصة بأنواع المعاملات (١) ، وبعضُه ذُكر في مبحث سدّ الذرائع (٢) .