ح - طرق انحلال هذه الأواصر الثلاث

12 paragraphs · vol. 3, p. 445

  1. قد جعلت الشريعة لكل آصرة وسيلةً إلى انحلالها إذا تبيّن فساد تلك الآصرة أو تبيّن عدم استقامة بقائها. وهي مندرجة في المقصد العام من ذلك المذكور في مقصد العقود والفسوخ. وغرضنا الآن بيان انحلال آصرة النسب والصهر، إذ ليسا بعقدين، وبيان انحلال آصرة النكاح، إذ كان معنى التعاقد فيه عارضاً غير مقصود. وكان النكاح قد وضع في منزلة أسمى من منازل العقود كما قدمناه في الكلام على آصرته. ولذلك اشتهر عند الفقهاء: "النكاح مبني على المكارمة، والبيع مبني على المكايسة" (١) .

    vol. 3, p. 445
  2. فانحلال آصرة النكاح: بالطلاق من تلقاء الزوج، وبطلاق الحاكم، وبالفسخ. والمقصد الشرعي فيه ارتكاب أخف الضرر عند تعسُّر استقامة المعاشرة، وخوف ارتباك حالة الزوجين، وتسرب ذلك

    vol. 3, p. 446إلى ارتباك حالة العائلة. فكان شرع الطلاق لحل آصرة النكاح. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} (١) .

  3. وجعل أمر الطلاق بيد الرجل من الزوجين لأنه في غالب الأحوال أحرصُ على استبقاء زوجه وأعلق بها وأنفذ نظراً في مصلحة العائلة. على أنه قد جعل للمرأة الوصول إلى الطلاق بطريق الخلع، أو بطريق الرفع إلى الحاكم إن حصل إضرار. كما جعل للمرأة أيضاً مخلصاً مما عسى أن يكون في بعض الرجال، أو في عرف بعض القبائل أو العصور من حماقة أو غلظة جلافة، أو تسرع إلى الطلاق اتباعاً لعارض الشهوات، بأن تشترط أن يكون أمر طلاقها بيدها، أو أمر الداخلة عليها بيدها، أو إن أضرَّ بها فأمرها بيدها، أو نحو ذلك.

  4. وفي الحديث الصحيح: "أحق الشروط أن يوفّى به ما استحللتم عليه الفروج" (٢) . وقد قال سعيد بن المسيب بإبطال الشروط اللاحقة

    vol. 3, p. 447لعقدة النكاح مطلقاً (١) *. وقال مالك بناء عليه: إن الشرط إذا انعقد عليه النكاح كان شرطاً باطلاً غير لازم، وإن وقع طوعاً من الزوج بعد عقدة النكاح لزم (٢) ، بناء على إلزام المرء بما التزم به، ولأنه مما يشمله لفظ الحديث (٣) *. [وهو مدرك ضعيف. وكيف يقع التطوع

    vol. 3, p. 448بمحض اختيار الزوج وقد سماه الرسول - صلى الله عليه وسلم - شرطاً، وقال إنه أحق الشروط أن يوفى به. على أنه إذا كان على الطوع كان أحق بأن لا يلزم الوفاء به من الذي اشترطته المرأة، وما تزوجت إلا على اعتباره] (١) .

  5. وأما حكم الحاكم بالطلاق أو بالفسخ فلأجل الضرر، أو لكون النكاح وقع على غير الصفة التي عيّنت له في الشرع.

  6. وانحلال آصرة النسب نيط بآصرة البنوّة لأنها أصل النسب كما قلنا، وعلى نحوها تثبت الأبوّة والأمومة ثم بقية تفاريع النسب. فإذا تقررت البنوّةُ تقرّر ما سواها وإذا انتفت انتفى.

  7. وإطلاق اسم الانحلال على إبطال آصرة النسب فيه تسامح، لأنه ليس بانحلال ما كان منعقداً، ولكنه كشف لبطلان ما كان يُظنّ أنه نسب. فأما النسب الثابت فلا يقبل انحلالاً ولا إسقاطاً.

    vol. 3, p. 449
  8. ولهذا الانحلال طريقان: أولهما اللعان، وثانيهما إثبات انتساب الولد إلى أب غير الذي ينسبه إلى نفسه أو ينسبه الناس إليه. فأمّا اللعان فأحكامه مقررة في الفقه.

  9. وقد ألغى الرسول عليه الصلاة والسلام الاعتماد في نفي النسب على عدم الشبه بالأب لأنه ليس بسبب صحيح (١) *. وقد كان العرب

    vol. 3, p. 450وكثير من الأمم يغلطون في ذلك ويبنون عليه الطعن في الأنساب جهلاً.

  10. وأما الطريق الثاني، وهو إثبات انتساب ولد إلى أب غير الذي ينتسب إليه أو ينسبه الناس إليه، فقد ابتدأ ذلك في الشريعة الإِسلامية بإبطال ما كان من التبنّي بقوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} (١) . فذلك رجع بالناس إلى ما يعلمون من إثبات أنساب الأدعياء إلى آبائهم الأصليين، مثل زيد بن حارثة (٢) ، إذ كان يدعى زيد بن محمَّد - صلى الله عليه وسلم -. ومثل سالم مولى أبي حذيفة (٣) إذ كان يدعى ابن أبي

    vol. 3, p. 451حذيفة. فكان ذلك حقاً مستمراً لكل من يجد نسباً غيرَ حقّ أن يُثبت انتسابه الحق، وينفي انتسابه غير الحق بالبينة الظاهرة أو بالإقرار الذي لا تهمةَ فيه.

  11. وقد حفظت الشريعة في هذا الطريق الثاني حق الولد المنتسب أن يدافع عن نسبه، ولذلك قال علماؤنا بأن لا تعجيز في حق إثبات النسب.

  12. وانحلال آصرة الصهر تابع لانحلال آصرة أصل منشئه على تفصيل فيه. فمنه انحلال تام مثل أخت المرأة وعمّتها وخالتها إذا انفكت عصمة تلك المرأة بموت أو طلاق، ومنه ما لا انحلال فيه مثل أم الزوجة وزوجة الأب وزوجة الابن والربائب.