ط - مقاصد التصرفات المالية
30 paragraphs · vol. 3, p. 452
- vol. 3, p. 452
ما يُظَنُّ بشريعة جاءت لحفظ نظام الأمة وتقوية شوكتها وعزتها إلَّا أن يكون لثروة الأمة في نظرها المكان السامي من الاعتبار والاهتمام. وإذا استقرينا أدلة الشريعة من القرآن والسنة الدالة على العناية بمال الأمة وثروتها، والمشيرة إلى أن به قِوامَ أعمالها وقضاءَ نوائبها، نجد من ذلك أدلة كثيرة تفيدنا كثرتُها يقينًا بأن للمال في نظر الشريعة حظاً لا يستهان به.
-
وما عَدُّ زكاة الأموال ثالثةً لقواعد الإِسلام وجعلُها شعارَ المسلمين، وجعلُ انتفائها شعارَ المشركين في نحو قوله تعالى: {يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (١) ، ونحو قوله: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (٢) * إلَّا تنبيه على ما للمال من القيام بمصالح الأمة اكتساباً وإنفاقاً.
وقال الله تعالى في معرض الامتنان: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} (٣) .
vol. 3, p. 453وقال في معرض المواساة بالمال ثناءً وتحريضاً: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (١) ، {أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ} (٢) ، وقال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} (٣) ، وقال: {وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا} (٤) ، وقال: {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} (٥) ، وقال: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} (٦) ، وقال: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} (٧) أي: يسافرون في التجارة، وقال: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} (٨) أي تتّجروا في أشهر الحج، وقال: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا} (٩) .
-
ونبّه على ما في المال من قضاء نوائب الأمة فقال: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (١٠) ، وقال: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (١١) .
vol. 3, p. 454وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا المال خَضِرةٌ حُلوة (١) *، ونعم عون الرجل الصالح هو ما أطعم منه الفقير" الحديث. وقال: "إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا. وأشار بيده إلى البذل" (٢) ، وقال: "ما يَنقِمُ ابن جميل إلَّا أنه كان فقيراً فأغناه الله" (٣) . وفي صحيح مسلم: أن أناساً من أصحاب
vol. 3, p. 455رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور (١) * يُصلُّون كما نصلّي ويصومون كما نصوم، ويتصدّقون بفضول أموالهم، قال: "أوليس قد جعل الله لكم ما تصدّقون به؟ إن لكم بكل تسبيحة صدقة" ... إلى أن قال: فرجع الفقراء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثل ما فعلنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" (٢) .
-
وفي الحديث: "إن لله ملَكاً يدعو: اللهم أعط منفقاً خلفًا ومُمسكاً تلفاً" (٣) . فحرض على الإنفاق بوعد الخَلف للمال، وحذّر
vol. 3, p. 456من الإمساك بوعيد التلف. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن مالك: "أمسك بعض مالك فهو خير لك" (١) . وقال لسعد بن أبي وقاص: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس" (٢) إلى غير ذلك من أدلة طافحة.
-
وإنما أَفَضْتُ في ذكر الأدلة لإزالة ما خامر نفوسَ كثير من أهل العلم من توهم أن المال ليس منظوراً إليه بعين الشريعة إلا إغضاءً، وأنه غير لاق من معاملتها إلا رفضاً.
-
لكن الجانب الروحاني من الشريعة المنبّه على جعل انصراف الهمّة إلى الفضائل النفسانيّة والكمالات الخُلقيّة في الدرجة الأولى. والداعي الشيطاني العارض غالباً للمستدرجين من أهل الثروة والمال بوضع ذلك في أساليب كفران نعمة الرزّاق دون وضعها في مواضع
vol. 3, p. 457شكره، قد صرَفا أقوال الشريعة عن الصراحة في الحث على اكتساب المال، وفي بيان محاسن اكتسابه لِمَن أقام نفسه في مقام السعي والكد، لكيلا ينضم حثُّها إلى ما في داعية النفوس من الحرص على المال.
-
تلك الداعية التي أشار إليها قوله تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} (١) ، وقوله: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} الآية (٢) حذاراً من أن يحصل من اجتماع الداعيتين تكالب الأمة على اكتساب المال والافتتان به، مُعرضين عما خلا ذلك من أسباب الكمال. قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} (٣) وقال: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى} (٤) .
-
وفي الحديث الصحيح: "أخاف عليكم أن تنافسوا فيها كما تنافس الذين من قبلكم فتُهْلِكَكُم كما أهلكتهم" (٥) فشبه التنافسَ
vol. 3, p. 458المحذور بتنافس الذين من قبلنا، وهو التنافس الذي تتمحض له الأمة فتنصرف عن التنافس في الفضائل والأخلاق الحميدة. وربما دحضت كثيراً من صفات الكمال سعياً وراء جلب المال.
-
لذلك اقتنعت الشريعةُ في هذا الشأن بأن لم تنهَ الناسَ عن اكتساب المال من وجوهه المعروفة، وبأن بيَّنت ما في وجوه صرفه من المصالح والمفاسد رغبةً ورهبة، وبأن لم تغبن أصحاب الأموال ما يحصل لهم من الفضائل والدرجات بسبب أموالهم إن هم أنفقوها في مصارفها النافعة. قال الله تعالى: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (١) ، وقال: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (٢) . وفي الحديث: "ما زُكّي فليس بِكَنْز أو ما أُدِيَ زكاتُه فليس بكنز" (٣) . وقال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (٤) .
-
وقد أجمع الصحابة في عهد عثمان بن عفان على مخالفة أبي ذر
vol. 3, p. 459في دعوته الناس إلى الانكفاف عن جمع المال، وإنبائه إياهم بأن ما جمعوه يكون وبالاً عليهم في الآخرة، إذ كان يجهر بذلك في دمشق ويقول: "بشّر الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاوٍ من نار تكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم" (١) ، ويقرأ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} (٢) الآية. فقال له معاوية بن أبي سفيان أمير الشام: ذلك نازل في أهل الكتاب لا فينا، وما أدّي زكاته فليس بكنز. فيأبى أبو ذر أن ينكفّ عن مقالته حتى شكاه معاوية إلى عثمان، فكتب إليه عثمان أن يرجع إلى المدينة، ثم تكاثر الناس عليه فاختار العزلة في الرَّبَذَة (٣) *.
-
هذا وقد تقرر عند علمائنا أن حفظَ الأموال من قواعد كليات الشريعة الراجعة إلى قسم الضروري. ويُؤخذُ من كلامهم أن نظام نماء الأموال وطرق دورانها هو معظم مسائل الحاجيات كالبيع
vol. 3, p. 460والإجارة والسَّلَم. وقد ألمعنا إلى قاعدة حفظ الأموال ونمائها في مبحث أنواع المصلحة المقصودة من التشريع (١) ، وأما تفصيل ذلك فموضعه مبحثنا هذا.
-
وقد أشرت في المبحث المتقدم [إلى] أن المقصد الأهم هو حفظ مال الأمة وتوفيره لها، وأن مال الأمة كان كُلًّا مجموعياً فحصول حفظه يكون بضبط أساليب إدارة عمومه، وبضبط أساليب حفظ أموال الأفراد وأساليب إدارتها. فإن حفظ المجموع يتوقّف على حفظ جزئياته، وإن معظم قواعد التشريع المالي متعلقة بحفظ أموال الأفراد وآئلة إلى حفظ مال الأمة, لأن منفعة المال الخاص عائدة إلى المنفعة العامة لثروة الأمة.
-
فالأموال المداولة بأيدي الأفراد تعود منافعُها على أصحابها وعلى الأمة كلَّها, لعدم انحصار الفوائد المنجرَّة إلى المنتفعين بدوالها. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} (٢) . فالخطاب للأمة أو لولاة الأمور منها. وأضاف الأموالَ إلى ضمير غير مالكيها لأن مالكيها هنا هم السفهاء المنهي عن إيتائهم إياها. وقوله: {الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} يزيد الضميرَ وضوحاً ويزيد الغرضَ تبياناً، إذ وَصَفَ الأموال بأنها مجعولة قيامًا لأمور الأمة (٣) *.
- vol. 3, p. 461
فالمال الذي يدال بين الأمة ينظر إليه على وجه الجملة وعلى وجه التفصيل. فهو على وجه الجملة حقٌّ للأمة عائد عليها بالغنى عن الغير. فمن شأن الشريعة أن تضبط نظام إدارته بأسلوب يحفظه مُوزَّعاً بين الأمة بقدر المستطاع، وتعين على نمائه في نفسه أو بأعواضه بقطع النظر عن كون المنتفع به مباشرة أفراداً خاصة أو طوائف أو جماعات صغرى أو كبرى. ويُنظر إليه على وجه التفصيل باعتبار كل جزء منه حقاً راجعاً لمكتسبه ومعالجه من أفراد أو طوائف أو جماعات معيّنة أو غير معيّنة، أو حقّاً لمن ينتقل إليه من مكتسبه. وهو بهذا النظر ينقسم إلى مال خاص بآحاد وجماعات معيّنة، وإلى مال مرصود لإقامة مصالح طوائف من الأمة غير معيّنين.
-
فالأول من هذا النظر هو الأموال الخاصة المضافة إلى أصحابها. والثاني هو المسمّى في اصطلاح الشريعة بمال المسلمين أو مال بيت المال بمختلف موارده ومصارفه. وقد كان أصلُه موجوداً في زمن النبوءة، مثل: أموال الزكاة، ومثل: أذواد الإبل المعدودة لحمل المجاهدين، واللامة المرصودة للبس المجاهدين. وفي الحديث: "إن خالداً قد احتبس أدرعه وأعْتُدَه في سبيل الله" (١) . وكذلك ما جعل لنفع المسلمين. وفي الحديث: "من
vol. 3, p. 462يشتري بئر رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين" (١) ، فاشتراها عثمان وجعلها للمسلمين.
-
ولقصد تحصيل الاستبصار في هذا الغرض الجليل، ولندرة خوض علماء التشريع فيه خوضاً يقسّمه ويبيّنه، رأيت حقيقًا عليّ أن أشبع القول فيه وفي أساسه.
-
إن مال الأمة هو ثروتها، والثروة هي ما ينتفع به الناس آحاداً أو جماعات في جلب نافع أو دفع ضارّ، في مختلف الأحوال والأزمان والدواعي، انتفاع مباشرةٍ أو وَسَاطة.
-
فقولنا: في مختلف الأحوال والأزمنة والدواعي إشارة إلى أن الكسب لا يعد ثروة إلَّا إذا صلح للانتفاع مددًا طويلة، ليخرج الانتفاع بالأزهار والفواكه. فإنها لا تعتبر ثروة ولكن التجارة فيها تعد من لواحق الثروة.
-
وقولنا: مباشرة أو وساطة, لأن الانتفاع يكون باستعمال عين المال في حاجة صاحبه، ويكون بمبادلته لأخذ عوضه المحتاج إليه من يد آخر.
- vol. 3, p. 463
وتتقوّم هذه الصفة للمال باجتماع خمسة أمور:
- أن يكون ممكناً ادخاره.
-
- وأن يكون مرغوباً في تحصيله.
-
- وأن يكون قابلاً للتداول.
-
- وأن يكون محدود المقدار.
-
- وأن يكون مكتسباً.
-
فأما إمكان الادخار فلأن الشيء النافع الذي يُسرِعُ إليه الفساد لا يجده صاحبه عند دعاء الحاجة إليه في غالب الأوقات، بل يكون مرغماً على إسراع الانتفاع به ولو لم تكن به حاجة.
-
وأما كونُه مرغوباً في تحصيله فذلك فرعٌ عن كثرة النفع به. فالأنعام والحب والشجر في القرى ثروة، والذهب والفضة والجواهر ونفائس الآثار في الأمصار ثروة، والأنعام وأوبارها وأصوافها وأحواض المياه والمراعي وآلات الصيد في البوادي ثروة (١) *.
- vol. 3, p. 464
وأما قبول التداول، أي التعاوض به فذلك فرعٌ عن كثرة الرغبة في تحصيله. وهذا التداول يكون بالفعل، أي بنقل ذات الشيء من حوز أحد إلى حوز آخر، ويكون بالاعتبار، مثل عقود الذمم كالسَّلَم والحوالة وبيع البرنامج ومصارفة أوراق المصارف، أي: البنوك (١) *.
-
وأما كونه محدودَ المقدار فلأن الأشياءَ التي لا تنحصر مقاديرها لا يقصد الاختصاص بمقادير منها، فلا تُدَّخر، فلا تُعدّ ثروة. وذلك مثل البحار والرمال والأنهار والغابات. على أن مثل الأخيرين قد يُعدّ وسيلة ثروة باعتبار ما يحصل بهما من خصب وتشغيل. ولم يقع الاصطلاح على عدّ البحار ثروةً وإن كانت قد تسهل مواقعها لبعض الأقطار السفر فيها دون بعض آخر (٢) . وأما
vol. 3, p. 465المعادن فقد اعتبرت ثروة وإن كانت غير محدودة المقادير إلا أن المستخرج منها يكون محدود المقدار لما يستدعيه استخراجه من النفقات الجمة.
-
وأما كونه مكتسباً فأن يحصل لصاحبه، أو لمن خلفه بسعيه بأن لا يحصل له عفواً, لأن الشيء الذي يحصل عفواً لا يكون عظيم النفع كالحشيش واحتطاب الغابات وأسراب بقر الوحش وحمره بقرب منازل قبائل البادية.
-
واعلم أن من جهات توازن الأمم في السلطان على هذا العالم جهةَ الثروة، فبنسبة ثروة الأمة إلى ثروة معاصريها من الأمم تُعَدُّ الأمة في درجة مناسبة لتلك النسبة في قوتها، وحفظ كيانها، وتسديد مآربها وغناها عن الضراعة إلى غيرها.