يب - مقاصد الشريعة في المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان

29 paragraphs · vol. 3, p. 492

  1. علمتَ ممّا قدّمناه آنفاً أن الشريعة قصدت من تشريعها في التصرّفات المالية إنتاج الثروة للأفراد ولمجموع الأمة. وقد مضى أن الثروة تتقوَّمُ من المتموَّلات، ومن العمل. فالعمل أحد أركان الثروة وآلة استخدام ركنيها الآخرين.

    vol. 3, p. 492
  2. ونريد من العمل، في مبحثنا هذا، نوعاً من أنواع جنس العمل، وهو خصوص العمل الذي يقوم به غيرُ صاحب مال في مال غيره ليُحصَّل بعمله جزءاً من إنتاج مال استعمله صاحبه لتحصيل جزء مثله معه.

  3. ولأجل كون القادرين على العمل والإنتاج يكثر فيهم من ليس بيده مال يستعين به على العمل المثمر المنتج، أو بيده مال لا يوازي مقدار مقدرته على الإنتاج، وكون كثير من أصحاب الأموال يُعجزهم العمل في أموالهم عملاً يوازي ما تستدعيه مقادير تلك الأموال من النتائج، لا سيما أصحاب الأموال الذين انجرَّت لهم الأموال من تلقاء غيرِهم بعطية أو ميراث، كان الأصلان العظيمان من أصول الثروة - وهما المال والعمل - معرَّضين للعوائق، وتعطيل الإنتاج في أحوال كثيرة. وذلك رزء على أصحابهما وعلى الأمة.

  4. فكان مما اهتدى إليه أهل العقول إيجاد طرائق تتألف فيها

    vol. 3, p. 493أموال أصحاب الأموال وأعمال المقتدرين على العمل ليحصل من مجموع ذلك إنتاج نافع للفريقين.

  5. وكان من حِكمة التشريع الإِسلامي أن لا يوصد في وجوه الفريقين سلوك الطرق المثلى من تلك الطرائق بوجه عادل مع الغضَّ عمّا يتطرق ذلك من مخالفة مّا للتشريعات التي بُنيت عليها أحكامُ المعاملات المالية في المعاوضات.

  6. إن المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان هي إجارة الأبدان، والمساقاة، والمغارسة، والقِراض، والجُعل، والمزارعة. وهي كلُّها عقودٌ على عمل المرء ببدنه وعقله، وعلى قضاء وقت من عمره في ذلك، ما عدا المغارسة، فإن فيها إحضار متموِّل قليل من جهة عاملها، وهو الأعواد المغروسة إلَّا أنّها تافهة بالنسبة إلى أهمية العمل. وكذلك ما يحصل في المساقاة بقلّةٍ من إصلاح دلو وإصلاح الحوض.

  7. فهذه العقود لا تخلو من غرر لعسر انضباط مقادير العمل المتعاقد عليه، وعسر معرفة العامل ما ينجر إليه من الربح من جراء عمله، ولعسر انضباط ما ينجر إلى صاحب المال فيها من إنتاج أو عدمه، غير أن الشريعة ألغت هذا الغرر لأن إضرار مراعاته أشدُّ من إضرار إلغائه، لِمَا في مراعاته من حرمان كثير من الأمة فوائد السعي والاكتساب. وهي أيضاً لا تخلو من إضرار يلحق العامل في أحوال كثيرة، إذا عمل عمله في المساقاة أو المزارعة فلم يثمر الشجر، أو عمل في الجُعل فلم يحصل المجاعل عليه، أو عمل في القِراض فلم يَنضّ ربح. فيكون العامل قد أضاع الوقت وتجشم مشقة العمل ولم يحصل له شيء. وقد ألغت الشريعة هذا لأن بقاء أهل العمل بطالين أشدُّ عليهم من أضرار الخيبة في بعض الأحوال.

  8. وإذ قد كان العَمَلَة في هذه العقود هم مظنّةَ الحرص على التعجل بانعقاد هذه العقود، من جراء حاجتهم إلى الارتزاق، وكونهم لا يستطيعون لذلك حيلة إلا بعمل أبدانهم، ولطالما رأيناهم يقحمون أنفسهم في التعاقد على أعمال تنوء بهم حين لم يجدوا ما يعملون فيه، فلو ضيّق عليهم الشروطَ أصحابُ الأموال الذين يمدّونهم بما يعملون هم فيه لتعطّل عليهم الارتزاق من أعمالهم، أو لأَقدموا على ذلك عند التعاقد وعجزوا عن الإيفاء بها، فتحدث بذلك الخصومات بينهم. ولكان شعور أصحاب الأموال بحاجة العَمَلَة إلى العمل مظنّةَ أن يغريَهم على الرغبة والحرص في زيادة الإنتاج لأنفسهم والإجحاف باستثمار العَمَلَة، كان مقصدُ الشريعة في هذه المعاقدات كلها الحياطة لجانب العَمَلَة لسدّ هذه الذريعة عنهم، كيلا يذهب عملهم باطلاً أو مغبوناً. ولم تر معذرة لأصحاب الأموال في هذا التضييق, لأن لهم طرائق شتى يستثمرون بها أرباح أموالهم. فهم في خيرة من استعمالها أو اكتنازها للإنفاق منها وتقتيرها، بخلاف حال العَمَلَة، فهم إن حرموا مساعدةَ أصحاب الأموال بقوا عاطلين.

    vol. 3, p. 494
  9. ولا يظنَّنَ أحد أن الشريعة تستبيح أموال أصحاب الأموال ليأكلها العَمَلَةُ باطلاً، ولكنّها أرادت حراسة حقوقهم من الاعتداء عليها. فذلك عدل وصلاح للفريقين كليهما.

  10. ولقد استقريت ينابيع السنة في هذه المعاملات البدنية على قلّة الآثار الواردة في ذلك (١) *، وتتبعت مرامي علماء سلف الأمة وخاصة علماء المدينة في شأنها، فاستخلصت من ذلك: أن المقاصد الشرعية فيها ثمانية.

  11. أحدها: تكثير المعاملات المنعقدة على عمل الأبدان. وهذا مدلول لاغتفار الغرر فيها. فلولا الحاجةُ إليها لما اغتفرت الشريعة فيها ما لم تغتفره في المعاملات المالية من الجانبين. وقد رجعتْ بذلك إلى قسم المصالح الحاجية. وقد أعطى الأنصارُ حوائطهم للمهاجرين على أن يَكْفُوهم العمل ولهم نصف الثمرة. وعاملَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يهودَ خيبر على أن عليهم عمل النخل، ولهم نصف الثمرة، مع العلم بأن أرض خيبر صارت للمسلمين لأنها فتحت عنوة (١) .

    vol. 3, p. 495
  12. وقد كاد أن يتفق علماء الإِسلام على مشروعية المساقاة والمزارعة (٢) .

  13. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

    vol. 3, p. 496
  14. وقال المالكية بالمغارسة وأهملها الحنفية والشافعية (١) .

    vol. 3, p. 497
  15. ولأجل هذا المقصد جَزَمنا بضعف القول بقصر المساقاة على النخيل والكروم، ورجحنا القول بجواز المساقاة في الشجر والزرع المحتاج إلى العمل على القول بتخصيصها بالشجر دون الزرع. ورجحنا ما جرى عليه العمل بالأندلس من إعطاء أرض الحبس مغارسة (٢) .

  16. الثاني: الترخيص في اشتمالها على الغرر المتعارَف في أمثالها، وهو من لوازم الأمر الأول. فقد أشرت إلى ذلك في طالعة هذا المبحث ممّا دلّ على أن الغرر لازمٌ لحقائق هذه العقود. وأحسب أن الغرر لم يُغتفر في شيء من العقود سوى العقود على أعمال الأبدان. وينبغي أن لا تغفل عن كون الغرر المغتفر هو الغرر فيما يعسر انضباطه من العمل، ومدته، واختلاف أزمانه من حَرًّ وقر. فأما ما يتيسر فيه ذلك فلا بد من ضبطه وبيانه. مثل بيان نوع العمل، ومقدار الأجر، ومقدار رأس مال القِراض، ومقدار ما للعامل من الربح في القِراض، أو من الثمرة في المساقاة، أو من الجزء في المغارسة.

    vol. 3, p. 498
  17. الثالث: التّحرّز عما يثقل على العامل في هذه العقود، لكي لا يستغل ربُّ المال اضطرارَ العامل إلى التعاقد على العمل. فينتهز ذلك للتجاوز في أرباح نفسه. ولذلك قالوا: لا يجوز أن يشترط على عامل المساقاة عمل كثير غير عمل بدنه إلا ما لا بال له كشد الحظيرة وإصلاح الضفيرة (١) *، ولا اشتراط نفقةٍ على العامل كنفقة الدواب وعبيد الحائط (٢) *. ولا يجوز أن يشترط على عامل المغارسة

    vol. 3, p. 499تكسير أرض شعراء (١) *، ولا جعل جدار للأرض المغترسة، بخلاف أن يشترط على ربّ الأرض فهو جائز ولازم.

  18. وإنما قال علماؤنا في المزارعة - إذا أعطى ربُّ الأرض لعامل المزارعة الأرضَ محترثةً -: لا يجوز أن يشترط على العامل أن يحرثها عند انتهاء مدة المزارعة ويسلمها لربها محترثةً كما وجدها، لمراعاة هذا المقصد. وهو أن يكون ربّ الأرض بعد أن حرث أرضه احتاج إلى عامل يزرعها. وأنّ العامل لولا أنّه وجدها محترثةً لَمَا تقبّلها، فيكون الشرط عليه بأن يتركها محروثةً إلجاء له.

  19. الرابع: أن هذه العقود لم يُعتبر لزومُ انعقادها بمجرد القول، بل جُعلت على الخيار إلى أن يقع الشروع في العمل عندنا (٢) . أما الجُعل والقِراض فباتفاق (٣) ، وأما المغارسة والمزارعة فعلى

    vol. 3, p. 500الراجح (١) . ولم يُستثنَ منها إلا المساقاة، فقالوا: لزومها بالعقد (٢) , لأن في تأخير لزومها إضراراً على الأشجار والزرع.

  20. وعندي أنه ينبغي أن تكون جميعُ العقود المشتملة على عمل البدن غيرَ لازمة بمجرد القول، بل تلزم بالشروع في العمل.

    vol. 3, p. 501
  21. وحيث كان معنى ذلك آيلاً إلى خيار العامل كان الوجه أن يُضرَب للعامل في هذه العقود آجالٌ لابتداء العمل، كشأن بيع الخيار بما ينفي المضرة عن صاحب المال، مثل إبّانَ ابتداء الخدمة في المساقاة، وإبان الحراثة في المزارعة، وإبان ابتداء الغرس لذلك العام في المغارسة، كي لا يضيع بالتأخير على صاحب المال عام كامل.

  22. الخامس: إجازة تنفيل العَمَلة في هذه العقود بمنافع زائدة على ما يقتضيه العمل بشرط دون تنفيل رب المال. فقد قال أئمتنا: يجوز أن يشترط عامل المساقاة على رب الحائط الانتفاع ببياض من الأرض لنفسه. ولا يجوز اشتراط ذلك لرب الأرض ويوجب الفسخ (١) .

  23. السادس: التعجيل بإعطاء عوض عمل العامل بدون تأخير ولا نظرة ولا تأجيل, لأن العامل مظنّة الحاجة إلى الانتفاع بعوض عمله، إذ ليس له في الغالب مؤثل مال. وفي الحديث القدسي قال الله تعالى: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة" - فذكر - "ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (٢) . وهذا صادق بتأخير إعطائه

    vol. 3, p. 502أجرَه وبحرمانه منه بالكليّة، وإن كان الثاني أشدَّ، فجعلَه كحق لله تعالى. ولذلك قال: "أنا خصمهم" أي دون صاحب الحق. وهذا تنويه عظيم بهذا الحق، وزجر شديد عن التهاون به.

  24. وفي حديث ابن عمر وجابر وأنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه" (١) *. ولذلك كان تأجيل خدمة المغارسة جائزاً تحديدُه بقدر تبلغه الأشجار أو مدّة أو إثمار، ولا يجوز أن يكون التأجيل إلى مدة تتجاوز إبان الإثمار (٢) . وهو من موجبات فساد العقد.

  25. السابع: إيجاد وسائل إتمام العمل للعامل فلا يُلزَمُ بإتمامه بنفسه.

  26. ولذلك قالوا في عامل المساقاة - إذا عجز عن الإتمام -: إنه يأتي بعامل آخر لا يضر بصاحب الحائط ولو كان دون العامل الأول في الأمانة. وإذا لم يجد من يخلفه في العمل فإن له أن يبيع حظه في الثمار إذا بدا صلاحُها، ويستأجر من يُكمِل العملَ، ويكون للعامل الأول ما فضل. وقال المالكية في عامل المغارسة: إن له أن يبيع حقَّه في العمل لآخر يقوم مقامَه (١) . وهي مسألة من غُرر مسائل الفقه المالكي.

    vol. 3, p. 503
  27. الثامن: الابتعاد عن كل شرط أو عقد يشبه استعباد العامل، بأن يبقى يعمل طول عمره أو مدة طويلة جداً بحيث لا يجد لنفسه مخرجاً، ولأجل هذا نجد علماءنا يقولون بفساد المساقاة في الشجر الذي لا ينقطع إثماره في وقت من السنة كشجر الموز وكالقضب (٢) . وكذلك ما تطول مدة إثماره لصغره كالمساقاة على وَدِيِّ النخل ونشء شجر الزيتون.

  28. وقد قال علماء إفريقية: إن تلقيحَ الشجر الذي لا يُنتفع به كجبوز الزيتون العتيق في جبل وسلات بقرب القيروان يجري مجرى المغارسة لا مجرى المساقاة.

  29. وعندي أن تأجيل مدة المساقاة في الشجر المخلف للأثمار كالموز أجلاً يحصل فيه الانتفاعُ للعامل خير من إبطال المساقاة في

    vol. 3, p. 504مثله، لِمَا علِمتَ من المقصد الأول أن تكثير هذه المعاملات مقصودٌ للشريعة. ولأجل هذا كانت المزارعة المسماة عندنا في تونس بشركة الخماس (١) * - التي كان معظم مزارعات تونس جارياً عليها - هي شركة منافية لمقصد الشريعة لا محالة، وإن كانوا يزعمون أن الضرورة دعت إليها.