يج - مقاصد أحكام التبرعات

21 paragraphs · vol. 3, p. 505

  1. عقود التبرعات قائمة على أساس المواساة بين أفراد الأمة الخادمة لمعنى الأخوة. فهي مصلحة حاجية جليلة، وأثرُ خُلق إسلامي جميل. فبها حصلت مساعفة المعوزين، وإغناء المقترين، وإقامة الجمّ من مصالح المسلمين.

    vol. 3, p. 505
  2. وليس الذي نعمد إليه بالبحث في كتابنا هذا هو مطلق العطايا والتبرعات التي تسخو بها أيدي أولي الفضل فتضعها في أيدي العفاة، أو تتلطف بها إلى الأحبة والأقارب من صدقات يومية وعطايا موسمية. فإن تلك التبرّعات لا تتبعها نفوس أصحاب الحقوق. وهي من جملة النفقات التي جرت بها عوائد كل الناس في أحوالهم وتصرفاتهم الخاصة. وقد دخلت تلك الترغيبات الدينية وألحقت بالقربات. وإنما الذي نريده هنا هو التبرعات المقصود منها التمليك

    vol. 3, p. 506والإغناء وإقامة المصالح المهمة الكائنة في الغالب بأموال يتنافس في مثلها المتنافسون، ويتشاكس في الاختصاص بها المتشاكسون.

  3. فالصدقة والهبة والعارية قد تكون من الشقّ الأول داخلة في عداد النفقات، وقد تكون من الشقّ الثاني إذا كان المتبرع به ريعاً أو عقاراً أو مالاً عظيماً. والحبس والعمرى والوصية والعتق لا تقع إلا في الشقّ الثاني، فتكون غنى وتمليكاً سواء كانت لأشخاص معينين أم لأصحاب أوصاف مقصودة بالنفع أو مصالح عامة للأمة. كما يعطى لطلبة العلم والفقراء وأهل الخير والعبادة وإقامة الحصون وسدّ الثغور وتجهيز الجيوش ومداواة المرضى. فهذه تبتدئ ابتداء شبيهاً بالقربات، يدفع المرءَ إليها حبُّه الخير وسخاء نفسه بالفضل، ثم هو يعزم عزمه ويُلزم نفسَه فتصير تلك القرباتُ إلى انتقال حق المتبرع بها إلى المتبرع عليه، فتأخذ حكم الحقوق التي يتشاحُّ الناسُ في اقتنائها وانتزاعها وفي استبقائها ومنعها. فربّما عرضت ندامة المتبرّع أو كراهة وارثه أو حاجره، وربما أفرط المتبرع عليه في تجاوز حدّ ما خُوّل له. فكانت بسبب هذا العارض الكثير التطرق إليها جديرة بتسليط قواعد الحقوق ومقاصد التشريع عليها. وقد نجد في استقراء الأدلة الشرعية منبعاً ليس بقليل يرشدنا إلى مقاصد الشريعة من عقود التبرعات.

  4. المقصد الأول: التكثير منها لما فيها من المصالح العامة والخاصة. وإذ قد كان شحّ النفوس حائلاً دون تحصيل كثير منها، دلّت أدلة الشريعة على الترغيب فيها، فجعلت من العمل غير المنقطع ثوابه بعد الموت. ففي الحديث الصحيح: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ... " (١) إلخ.

  5. والصدقات الجارية والأوقاف التي في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه ومن أصحابه كثيرة، منها: صدقة عمر، وقد أشار عليه بها رسول الله عليه الصلاة والسلام (١) . وكذلك صدقة أبي طلحة الأنصاري، فإنها كانت بإشارة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (٢) . وصدقة عثمان ببئر رومة، قال

    vol. 3, p. 508رسول الله: "من يشتري بئر رومة فيكون دلوُه فيها كدلاء المسلمين" (١) فاشتراها عثمان وتصدّق بها للمسلمين. وتصدّق سعد بن عبادة بمخراف له عن أمه تُوفّيت (٢) . وكانت هذه الصدقات أوقافاً ينتفع

    vol. 3, p. 509المسلمون بثمرتها على تفصيل في شروطها. فلا شبهة في أن مقاصد الشريعة إكثار هذه العقود.

    vol. 3, p. 507
  6. فكيف يقول شريح (١) * بحظر التحبيس؟ ! وقد قال مالك لمّا أُخبر بمقالة شريح: "رحم الله شريحاً تكلّم ببلاده ولم يَرِد المدينة فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين بعدهم وما حبّسوا من أموالهم. وهذه صدقات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعُ حوائط. وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خَبراً" (٢) .

  7. المقصد الثاني: أن تكون التبرعات صادرة عن طيب نفس لا يخالجه تردّد, لأنها من المعروف والسخاء، ولأن فيها إخراج جزء من المال المحبوب بدون عوض يخلفه. فتمحّض أن يكون قصد المتبرع النفعَ العام والثوابَ الجزيلَ. ولذلك كان من مقصد الشارع فيها أن تصدر عن أصحابها صدوراً من شأنه أن لا تعقبَه ندامة حتى لا يجيء ضر للمحسن من جراء إحسانه فيحذر الناس فعل المعروف، إذ لا ينبغي أن يأتي الخير بالشر كما أشار إليه قول الله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} (٣) . فطيب النفس المقصود في التبرّعات أخص من طيب النفس المقرّر في المعاوضات.

  8. ومعنى ذلك أن تكون مهلة لزوم عقد التبرّع عقب العزم عليه وإنشائه أوسع من مهلة انعقاد عقود المعاوضة ولزومها.

  9. وقد علمنا ذلك من أدلة في السنّة، ومن كلام علماء الأمة. ففي الحديث الصحيح: "أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تأمل الغناء وتخشى الفقر، ولا تترك حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا" (١) . وهذه الحالة تقتضي التأمل والعزم دون التردد إلى وقت المضيق. ويتحقق حصول مهلة النظر بأحد أمرين هما التحويز والإشهاد.

    vol. 3, p. 510
  10. وقد كان اشتراط الحوز في التبرّعات ناظراً إلى هذا المقصد، بحيث لا يعتبر انعقاد عقد التبرع إلا بعد التحويز دون عقود المعاوضات. ولذلك كان حدوث مرض الموت قبل تحويز العطية مُفيتاً لها وناقلاً إياها إلى حكم الوصية. ففي الموطأ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إن أبا بكر الصديق كان نحلها جادّ (٢) * عشرين وسقاً من ماله بالغابة. فلما حضرته الوفاة قال: والله يا بُنية ما من الناس [أحد] أحبُّ إليَّ غنى بعدي منك، ولا أعزُّ عليّ فقرًا بعدي منك. وإني كنت نحلتكِ جادّ عشرين وسقاً فلو كنت جدَدْتيه واحتزْتيه كان لك. وإنما هو اليوم مال وارِث [وإنما هما أخواك

    vol. 3, p. 511وأختاك] فاقتسموه على كتاب الله " (١) .

  11. وأمّا الإشهاد بالعطية فهو قائم مقام الحوز في أصل الانعقاد، وبذلك قال مالك: وأراه مأخوذاً من حديث النعمان بن بشير في الصحيحين: أن النعمان بن بشير قال: إن أباه بشيراً أعطاه عطية، فقالت أمه عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أعطيت ابني من عمرة بنت رواحة عطية فأمرتني أن أشهدك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أأعطيت سائر ولدك مثل هذا "؟ قال: لا، قال: " فاتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم" قال: فرجع فردَّ عطيته (٢) . فهو دليل بيَّن على أنها اعتبرت غير منعقدة قبل الإشهاد، ودليل بيِّن على أن الإشهاد في العطايا كان من المتعارف عندهم، فلذلك شرطت عَمْرة أن يكون الإشهاد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

  12. ومعلوم أن المتبرع قد يخشى تأخّر الحوز، فهو يعمد إلى الإشهاد ثم يتبعه بالحوز. وهذا عندنا كاف في تحقق التبرع. فيصير المتبرَّع عليه مالكاً لِمَا تبرَّع به المتبرِّع، وله حق مطالبته بالتحويز عند المالكية (٣) . وقد قال كثير من العلماء - منهم: الشافعي وأبو حنيفة -

    vol. 3, p. 512بأن الحوز شرطُ صحّة انعقاد التبرع، بحيث لا يلزم الوفاء بالتبرع إذا لم يحصل الحوز. ففي هذا توسعة على فاعل المعروف حتى ينضمَّ تنجيزُه إلى قوله. والحنفية قائلون بجواز الرجوع في الهبة بعد الحوز إلا في سبع صور وهو من هذا القبيل (١) .

  13. وأما الذين قالوا بانعقاد التبرع ولزومه بمجرد القول، وفيهم: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود الظاهري، وينسب إلى أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد عاملوه معاملةَ بقية العقود، وأغضَوْا عما في ذلك من المعروف الذي لا ينبغي أن يكون مضيَّقاً فيه على أهله خشيةَ إجفال الناس عنه، فإن في ذلك تعطيلَ مصالح جمة.

  14. ولا أحسب جعل اعتصار الهبة حقاً للأب من ابنه إلا ناظراً إلى تدارك سرعة الآباء إلى عقد التبرعات لأبنائهم دون مزيد التأمل بداعي الرأفة. وتيقّن أن مال ولده مالٌ له، فإذا عرضت ندامة جعل له الشرع مندوحة للرجوع في هبته. وهو مع ذلك فيه إبقاءٌ لمعنى حقّ الأبوة بأن لا يكون الابن سبباً في التضييق على أبيه. وألحقت به الأم ما دام الأب حياً على تفصيل في ذلك محلُّه كتب الفقه.

    وقال البخاري في صحيحه: "قال مالك: العريّة أن يُعْرِيَ الرجلُ الرجلَ نخلةً ثم يتأذّى بدخوله عليه. فرُخِّص له أن يشتريَها منه بتمر" (١) اهـ.

    vol. 3, p. 513
  15. [وهكذا] فَهِمْنا أن الشريعة حريصةٌ على دفع الأذى عن المحسنِ أن ينْجر له من إحسانه، لكيلا يكره الناسُ فعلَ المعروف.

  16. المقصد الثالث: التوسع في وسائل انعقادها حسب رغبة المتبرّعين. ووجه هذا المقصد أن التبرّع بالمال عزيزٌ على النفس. فالباعث عليه أريحية دينية، ودافع خلقي عظيم. وهو مع ذلك لا يسلم من مجاذبة شحّ النفوس تلك الأريحية. وذلك الدافع في خطرات كثيرة أقواها ما ذكره الله تعالى بقوله: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} (٢) . وقد تبيّن ترغيبُ الشريعة فيها في المقصد الأول. ففي التوسع في كيفيات انعقادها خدمة للمقصد الأول.

  17. ولأجل هذا المعنى أباحت الشريعة تعليقَ العطيّة على حصول موت المعطي بالوصية وبالتدبير، مع أن ذلك مناف لأصل التصرّف في المال لأن المرء إنما يتصرّف في ماله مدة حياته. ومن أجل

    vol. 3, p. 514ذلك أعملت شروط المتبرّعين في مصارف تبرّعاتهم، من تعميم وتخصيص وتأجيل وتأبيد وسائر الشروط ما لم تكن منافية لمقصد أعلى، فإن الجمع بين المقاصد هو غرض التشريع. وإن كانت تفوت بذلك بعض جزئيات من المقصد الواحد فإنها لا يُعبأُ بفواتها.

  18. والذي رجّحه نظارُ المالكية في شأن الشروط في الحبس والهبة والصّدقة إمضاؤها، مثل اشتراط الاعتصار في الصدقة والهبة (١) . وكذلك مسألة اشتراط المتصدِّق أو الواهب أن لا يبيع ولا يهب (٢) . وقد اختلف فيها أئمة المذهب على أقوال خمسة استقصاها ابن راشد القفصي في الفائق (٣) ، ورجّح منها القول بمضي الشرط وبكون الصدقة والهبة

    vol. 3, p. 515بمنزلة الحبس (١) . وهذا الأصل الذي أصّلناه هنا يوضّح ترجيحه بخلاف

    vol. 3, p. 516المعاوضات. فأما اشتراط عدم التحويز فسيجيء القولُ فيه عقب هذا.

  19. المقصد الرابع: أن لا يُجعل التبرع ذريعة إلى إضاعة مال الغير من حق وارث أو دائن. وقد كانت الوصايا في الجاهلية قائمةً مقام المواريث، وكانوا يميلون بها إلى حرمان قراباتهم وإعطائها كبراء القوم لحبّ المحمدة والسمعة. قال القاضي إسماعيل بن إسحاق (١) : "لم يكن أهل الجاهلية يعطون الزوجة مثل ما نعطيها ولا يعطون البنات ما نعطيهن، وربما لم تكن لهن مواريث معلومة يعملون عليها" .

  20. فلما أمر الله بالوصية للوالدين والأقربين ثم شرع المواريث كان خيال الوصية الجاهلية لم يزل يتردّد في نفوسهم. فمن أجل ذلك قصرت الوصية على غير الوارث وجعلت في خاصة ثلث المال. كما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: "الثلث والثلث كثير. إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس" (٢) . وقد مضى آنفاً قول أبي بكر لعائشة: "وإنما هو

    vol. 3, p. 517الآن مالُ وارث" (١) . فعلمنا أن كثيراً من الناس يجعلون الوصية والتبرع وسيلةً إلى تغيير المواريث أو رزية لمال داين، ظنًّا أن ذلك يحللهم من إثمها لأنهم غيروا معروفاً بمعروف. فكان من سدّ هذه الذريعة لزوم كون صورة التبرع بعيدة عن هذا القصد. ولم يقع الاكتفاء بالإشهاد في دفع هذه التهمة لظهور أنه غير مقنع، لكثرة احتمال أن يتواطأ المتبرِّع والمتبرَّع عليه على الإشهاد مع إبقاء الشيء المعطى في تصرّف المتبرع لحرمان الوارث والدائن. فللحوز في هذا المقصد أثر غير أثره المذكور في المقصد الثاني. ومن هنا أيضاً يعلم أن المروي عن مالك وهو بطلان الحبس المجعول فيه التحبيس على البنين دون البنات لأنه من فعل الجاهليّة هو أرجح من حيث الأدلة، وإن كان المعمول به بين علماء المالكية مضيَّه بكراهة أو حرمة أخذاً برواية المغيرة عن مالك (٢) .

  21. ومن أجل هذا منع المريض مرضاً مخوفاً من التبرع ولم يمنع من المعاوضة بالبيع ونحوه؛ لأن في البيع أخذ عوض بخلاف التبرع، فالتهمة في تبرع المريض قائمة.