يه - المقصد من العقوبات
16 paragraphs · vol. 3, p. 549
- vol. 3, p. 549
لقد بيّنتُ في مبحث أن الشريعة ليست بنكاية، وأن جميع تصرّفاتها تحوم حول إصلاح حال الأمة في سائر أحوالها. وأجملت القول هنالك بأن الزواجر والعقوبات والحدود ما هي إلا إصلاحٌ لحال الناس.
-
ويجب أن نبسط القول هنا في مقصد الشريعة من العقوبات، من قصاص وحدود وتعزير. وذلك أن من أكبر مقاصد الشريعة هو حفظ نظام الأمة، وليس يُحفظ نظامُها إلا بسدّ ثلمات الهرج والفتن والاعتداء. وأن ذلك لا يكون واقعاً موقعَه إلا إذا تولته الشريعة ونفذته الحكومة، وإلّا لم يزدد الناسُ بدفع الشر إلا شراً كما أشار إليه قوله تعالى: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} (١) . وقد قال الله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} إلى أن قال: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} (٢) كلاماً مسوقاً مساق الإنكار والتهديد على كل من يهمس بنفسه حب تلك الحالة، وإن كان سبب النزول خاصاً. ومن جملة حكم الجاهلية تولّي المجني عليه الانتقام، كما قال الشميذر الحارثي:
فلسنا كمن كنتم تصيبون سلّةً ... فنقبلَ ضَيماً أو نحكّم قاضيا
vol. 3, p. 550ولكنّ حكمَ السيف فينا مسلّط ... فنرضى إذا ما أصبح السيف راضيا (١)
-
فمقصد الشريعة من تشريع الحدود والقصاص والتعزير وأروش الجنايات ثلاثة أمور: تأديب الجاني، وإرضاء المجني عليه، وزجر المقتدي بالجناة.
-
فالأول وهو التأديب راجع إلى المقصد الأسمى. وهو إصلاح أفراد الأمة الذين منهم يتقوم مجموع الأمة كما قدمناه في البحث المتعلق بالمقصد العام من التشريع (٢) . وقد قال الله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} (٣) . فبإقامة العقوبة على الجاني يزول من نفسه الخبث الذي بعثه على الجناية، والذي يظن أن عمل الجناية أرسخه في نفسه إذ صار عملياً بعد أن كان نظرياً. ولذلك فرعّ الله تعالى على إقامة الحد قولَه: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ} (٤) .
-
وأعلى التأديب الحدودُ, لأنّها مجعولة لجنايات عظيمة. وقد قصدت الشريعةُ من التشديد فيها انزجار الناس وإزالة خبث الجاني. ولذلك متى تبيّن أن الجناية كانت خطأ لم يثبت فيها الحد. ومتى ظهرت شبهةٌ للجاني فقد التحقت بالخطأ فتسقط الحدود بالشبهات. ثم إذا ظهر في الخطأ شيء من التفريط في أخذ الحذر يؤدَّب المفرّطُ بما يفرض من الأدب لمثله.
-
وأما إرضاء المجني عليه فلأن في طبيعة النفوس الحنَق على من
vol. 3, p. 551يعتدي عليها عمداً، والغضبَ ممن يعتدي خطأ. فتندفع إلى الانتقام، وهو انتقام لا يكون عادلاً أبداً, لأنه صادر عن حنق وغضب تختل معهما الرويّة، وينحجب بهما نور العدل. فإن وجد المجنيُّ عليه أو أنصارهُ مقدرةً على الانتقام لم يتأخروا عنه، وإن لم يجدوها طوَوا كشحاً على غيظٍ حتى إذا وجدوا مكنة بادروا إلى الفتك. كما قال الله تعالى: {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} (١) ، فلا تكاد تنتهي الثارات والجنايات ولا يستقر حالُ نظام للأمة. فكان من مقاصد الشريعة أن تتولّى هي هذه الترضيةَ، وتجعل حداً لإبطال الثارات القديمة. ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة حجة الوداع: "وإن دماء الجاهلية موضوعة" (٢) .
-
وقد كان مقصد إرضاء المجني عليه مع العدل ناظراً إلى ما في نفوس الناس من حب الانتقام. فلذا أبقت الشريعةُ حقَّ تسلّم أولياء القتيل قاتلَ صاحبهم بعد الحكم عليه من القاضي بالقتل فيقودونه بحبل في يده إلى موضع القصاص تحت نظر القضاء، وهو المسمّى بالقَوَد، ترضية لهم بصورة منزهة كما كانوا يفعلونه من الحكم عليه بأنفسهم.
-
وهذا المعنى - الذي هو إرضاءَ المجني عليه - أعظمُ في نظر الشريعة من معنى تربية الجاني، ولذلك رجّح عليه حين لم يمكن الجمعُ بينهما وهي صورة القصاص. فإن معنى إصلاح الجاني فائت فيها، ترجيحاً لإرضاء المجني عليه.
-
ولذلك لا ينبغي أن يختلف العلماء خلافهم المعروف في مسألة رضي أولياء الدّم بالصلح بالمال عن القصاص إذا كان مال الجاني
vol. 3, p. 552يفي بذلك. وكان الأرجح فيها قول أشهب: إن القاتل يجبر على دفع المال، خلافاً لابن القاسم (١) . ولذلك لم يختلفوا في أن عفو بعض الأولياء عن الدم يسقط القصاص. وهذا كله في غير القتل في الحرابة وغير الغيلة كما سنشير إليه.
-
وأما الأمر الثالث - وهو: زجر المقتدي - فهو مأخوذ من قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (٢) . قال ابن العربي في أحكام القرآن: "إن الحد يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتَّعِظ به ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبرُ به مَن بعدَه" (٣) .
-
وهو راجع إلى إصلاح مجموع الأمة، فإن التحقّق من إقامة العقاب على الجناة على قواعد معلومة يؤيس أهل الدعارة من الإقدام على إرضاء شياطين نفوسهم في ارتكاب الجنايات، فكل مظهر أَثَّرَ انزجاراً فهو عقوبة. لكنه لا يجوز أن يكون زجر العموم بغير العدل.
- vol. 3, p. 553
فلذلك كان من حكمة الشريعة أن جعلت عقوبة الجاني لزجر غيره، فلم تخرج عن العدل في ذلك. فإذا كان من شأن الشريعة إقامةُ الحدود والقصاص والعقوبات حصل انزجار الناس عن الاقتداء بالجناة. وليس عفو المجني عليه في بعض الأحوال بمفيت فائدة الانزجار لندرة وقوعه، فلا يكون عليه تعويل عند خطور خاطر الجناية بنفس مضمر الجناية. ولهذا السبب نرى الشريعة لا تعتبر العفو في الجنايات التي لا يكون فيها حقّ لأحد معيّن، مثل السرقة وشرب الخمر والزنا، فإن فيها انتهاكاً لكيان التشريع، وكذلك الحرابة. وأما قتل الغيلة فلم يقبل فيه عفو الأولياء لشناعة جنايته، وإنما قبلت توبة المحارب قبل القدرة عليه حرصاً على الأمن وحثّاً لأمثاله على الأسوة الصالحة.
-
وقد تم ما تعلق به الغرض المهمّ من إملاء مقاصد الشريعة، وعسى أن تنفتح به بصائر المتفقهين إلى مدارك أسمى، وتشتدّ به سواعد حزامتهم لأبعد مرمى. فإن التيسير من الله مساعف أجمل المقاصد، وإن الغائص المليء خليق بأن يسمو بالفرائد.
-
وكان تمام تبيضيه في ٨ شهر جمادى الأولى عام ستين وثلاثمائة وألف، بمنزلي بمرس جراح المعروف بالعبدلية. قاله محمَّد الطاهر ابن عاشور.
-
هذه مقاصد الشريعة الإِسلامية للإمام الأكبر شيخ الإِسلام محمَّد الطاهر ابن عاشور. أقام رحمه الله أصولها وأتبعها بما زانها من تحديد وتفصيل وتحقيق وتقرير. فملأ قلوب الدارسين إيماناً، وزادهم علماً وفهماً لأحكام كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. فاستنارت بها عقولنا وانشرحت بها صدورنا، ودَلَّنا المؤلَّف على ما انتظمته الشريعة من بيان للناس وهدى وحكمة كانت بها ظاهرة على ما دونها من القوانين والأحكام.
-
قل: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ
vol. 3, p. 554إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (١)