يد - مقاصد أحكام القضاء والشهادة

64 paragraphs · vol. 3, p. 518

Page 1 of 2

  1. أنبأنا استقراء الشريعة من أقوالها وتصرّفاتها بأن مقصدها: أن يكون للأمة ولاةٌ يسوسون مصالحَها، ويقيمون العدل فيها، وينفذون أحكام الشريعة بينها, لأن الشريعة ما جاءت بما جاءت به من تحديد كيفيات معاملات الأمة، وتعيين الحقوق لأصحابها إلا وهي تريد تنفيذَ أحكامها وإيصالَ الحقوق إلى أربابها إن رام رائم اغتصابها منهم، وإلّا لم يحصل تمام المقصود من تشريعها, لأن الحقوق معرَّضةٌ للاغتصاب بدافع الغضب أو الشهوة، ومعرَّضةٌ لسوء الفهم وللجهل وللتناسي.

    vol. 3, p. 518
  2. وكلُّ واضِع نظام أو باعثِ سفير، أو موصٍ بعمل مّا، إلّا وهو في وقت وضع أعماله يُقدَّر حالةً يكون فيها حائلٌ حول مقصوده فيتخذ لذلك ما يراه من الحيطة.

  3. فلا جَرَم أن كان من أهم مقاصد الشريعة بعد تبليغها إقامتُها وحراستُها وتنفيذُها. ولذلك لزم إقامةُ علماء للشريعة لقصد تبليغها وإقامتها. قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} (١) . وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبني ليث حين وردوا عليه: "فارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلَّموهم" (٢) *.

  4. وتعين إقامة ولاة لأمورها، وإقامة قوة تُعين أولئك الولاة على تنفيذها. فكانت الحكومة والسلطان من لوازم الشريعة لئلا تكون في بعض الأوقات معطَّلةً. وقد أشار إلى هذا قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} (١) .

    vol. 3, p. 519
  5. والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، وأقوال رسول الله وتصرّفاته في ذلك بلغت التواتر. فقد تواتر بعثهُ الأمراء والقضاةَ للأقطار النائية. وتولّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحُكمَ بنفسه بين المسلمين في حاضرة الإِسلام المدينة. وما توجيهُ القرآن خطاباتٍ كثرةً بضمير الجماعة إلَّا مراد به خطابُ الأمة في أعمال يعلم أنها لا تتمّ وتحصل إلا بمباشرة من ينفذها، أي أن يتولى تنفيذها نفرٌ تقيمهم الأمة لتنفيذها في أشكال ومراتب مختلفة ومتفاوتة. وليس هذا الكتاب

    vol. 3, p. 520بمحل بسط الاستدلال على ذلك (١) * لأنه من علائق أصول الدين أو علم السياسة الشرعية.

  6. إن أهمّ المقاصد لتهيئة إقامة الشريعة وتنفيذها هو بثُّ علومها، وتكثيرُ علمائها وحملِتها. وذلك فرضُ كفاية على الأمة بمقدار ما يسدّ حاجتها ويكفي مهماتها في سعة أقطارها وعظمة أمصارها. وقد استودع الله هذه الأمة كتابه مشتملاً على شرائع عظيمة تأصيلاً وتفريعاً. والرسول عليه الصلاة والسلام أمرَ أمتَه في مشاهد كثيرة بأن يبلّغ الشاهد الغائب (٢) ، وحثّ من يسمع مقالته على أن يعيها ويؤديها كما سمعها (٣) . فلم يتلبَّث سلف الأمة في إكثار مصاحف القرآن في أمصار الإِسلام، ثم في تدوين سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي بلّغها عنه ثقات أمته، ثم تدوين آراء أئمة الإِسلام المعبَّر عنها بالفقه، ثم يتبع ذلك صفاتُ حملةِ الشريعة.

  7. وتعين لتحقيق تنفيذ الشريعة إيقاعُ حرمتها في نفوس الأمة. وإن يقين الأمة بسداد شريعتها تجعل طاعتَها منبعثة عن اختيار. وأعظم الشرائع في يقين أمتها بسدادها شريعة الإِسلام، إذ قد قامت الأدلة القاطعة على أنها معصومة لأنها مستندة إلى الوحي. ولذلك لم يزل علماء الأمة حريصين على إرجاع القوانين إلى أدلة الكتاب والسنة. قال الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا

    vol. 3, p. 521قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (١) . وهذا خاصٌّ بحكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يعطي مراتبَ متفاوتة لمن دون الرسول على حسب قرب حكمه من حكم الرسول عليه الصلاة والسلام. ولذلك رجّح علماؤنا أن يصرح القاضي في حكمه بمستنده فيه تحقيقاً لمعنى نفي الحرج من الحكم الشرعي بقدر الإمكان (٢) .

  8. وليس بنا أن نتعرض هنا إلى مقاصد الشريعة في تبليغها وحراستها, ولا في شروط الخلفاء والأمراء وولاة الأمور من أهل الحل والعقد وقوّاد الأجناد القائمين لذلك، فإن ذلك أيضاً خارج عن

    vol. 3, p. 522غرضنا من هذا الكتاب، ولكنّنا سنخص بحثنا هذا بمقاصد الشريعة من أحوال المنوط بهم تنفيذُها في خصوص إيصال الحقوق إلى أصحابها على نحو ما رسمته الشريعة تأصيلاً وتفريعاً. وهؤلاء هم القضاةُ، وأهلُ شوراهم، وأعوانُهم، وما تتألف منه طرق أقضياتهم وهي البينات والرسوم.

  9. وقد بين القرافي في الفرق الثالث والعشرين والمائتين: "أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرّف إلا لجلب مصلحة أو درء مفسدة فيكون الأئمةُ والولاةُ معزولين عما ليس بأحسن وما ليس فيه بذل الجهد. والمرجوح أبداً ليس بأحسن وليس الأخذ به بذلاً للاجتهاد" (١) اهـ.

  10. وأقول: ورد في حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أخذ عليه البيعة شرط عليه: "النصح لكل مسلم" (٢) .

  11. وبيَّن القرافي الفرق السادس والتسعين أنه يجب أن يقدَّم في كل ولاية من هو أقومُ بمصالحها على من هو دونه، واستدل على ذلك بأدلة بيَّنة لا حاجة إلى جلبها هنا (٣) .

  12. ومقصد الشريعة من نظام هيئة القضاء كلَّها على الجملة أن يشتمل على ما فيه إعانةٌ على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي. وذلك مأخوذ من حديث الموطأ:

    "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنما أنا بشر وإنّكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض، فأقضيَ له على نحو ما أسمع. فمن قضيت له بحقّ أخيه فلا يأخذْه، فإنّما أقتطع له قطعة من نار" (١) .

    vol. 3, p. 523
  13. ففي هذا الحديث دلالة على أن طرق إظهار الحق مختلفة، وأن تلقّي القاضي لأساليب المرافعة أحسنُه ما أعانه على تَبيُّن الحق، وأن القاضي إنما يقضي بحسب ما يبدو له من الأدلة والحجج، وأن على الخصوم إبداءَ ما يوضّح حقوقهم، وأن التّحيّل على الباطل ضلال وملقٍ في النار. وفي حديث الموطأ أيضاً (٢) *: "أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أحدهما: اقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله. وقال الآخر وكان أفقهَهما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم. فقال رسول الله: تكلم" الحديث.

  14. وروى الترمذي وأبو داود عن علي: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى

    vol. 3, p. 524اليمن قاضياً فقال له: "إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تَقضِيَنَّ حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت كلام الأول فإنه أحرى أن يتبيّنَ لك القضاء" (١) .

  15. فيجب على الحاكم أن يستقصي وجوه الحجج المبيِّنة للحق بقدر ما يستطيعَ ولو بالوصول إلى حفظ بعض الحقوق دون بعض، فإنّ حفظ البعض خير من ضياع الكل.

  16. وقد حكى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن داود عليه السلام: "أنه تحاكمت إليه امرأتان في صبي تزعم كل منهما أنه ابنها فقضى به للكبرى" ، مع أن الكِبَر لا أثر له في إظهار الحق. ولكنه لما أيس من الحجة عمد إلى مرجَّح ما، حفظاً لحق المختصم فيه لا لحق المتخاصمتين كي لا يبقى الصبي بدون كافلة. ولم يتطلب داود سبيلاً لحمل إحدى المرأتين على الإقرار، لعله لأنه لا يرى الإكراه على الإقرار. وقد علم أن إحداهما مبطلة لا محالة. ونزع سليمان عليه السلام إلى طريقة الإلجاء إلى الإقرار (٢) .

  17. ولم يزل الفقهاء يضيفون إلى أحكام المرافعات ضوابطَ وشروطاً كثيرة ما كان السلف يراعونها. وأحسن طرق فقهاء الإِسلام في ذلك فيما رأيت طريقة علماء الأندلس وهي مفصلةٌ في كتب النوازل والتوثيق (١) . وأهمّ أركان نظام القضاء هو القاضي، فإنّ في صلاحه وكماله صلاحَ بقية ما يحفُّ به من الأحوال.

    vol. 3, p. 525
  18. وقد ظهر أن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغُهُ الحقوق إلى طالبيها. وذلك يعتمد أموراً: أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ غيره عليه، والعدالة.

  19. فأصالة الرأي تستدعي العقل، والتكليف، والفطنة، وسلامة الحواس. وفي الحديث: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" (٢) .

  20. وأما العلم فالمراد به العلم بالأحكام الشرعية التي يجري بها القضاءُ فيما وَلِي عليه من أنواع النوازل. وقد جاء في الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما وجه معاذاً قاضياً إلى اليمن قال له: "كيف تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد" ، قال: فبسنة رسول الله، قال: "فإن لم تجد" ، قال: أجتهد برأيي ولا آلو. رواه الترمذي وأبو داود (٣) . وقد قال مالك: "لا أرى خصال القضاء

    vol. 3, p. 526تجتمع اليوم في أحد. فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان أن يولّى العلمُ والورعُ" (١) فيتعين أن يكون القاضي أمثل العلماء الصالحين للقضاء، وبمقدار قوة علمه يزداد ترجُّحُه.

  21. وقد اختلف في اشتراط كون القاضي مجتهداً إن وجد، أي إذا اشتهر بذلك وسُلّمت له مرتبة الاجتهاد من طائفة علماء عصره. وعندي أن العالِم المقلد لمذهب مجتهد مشهور، العالِمَ بالأدلة لا يقصر في استحقاق القضاء عن المجتهد، لا سيّما حين صار المسلمون مقلدين لمذاهب معلومة الصحّة مشهورة العلم. فلعل أولئك المقلدين لا يتلقون علمَ المجتهد المخالف للمذهب الذي تقلدوه. ولذلك فلا ينبغي أن يُختلَفَ في أن ولاية الفقيه المقلَّد إنما تكون للفقيه في المذهب الذي تقلده الناس الذين يقضي بينهم. وقد استمر عمل ولاة الأمصار الإِسلامية على ذلك فكانوا يولون القضاة من علماء مذاهب القوم الذين نصب القاضي فيهم. فإن كان في المصر أتباع لمذاهب كثيرة نصَبوا فيه قضاةً بعدد أتباع تلك المذاهب، ليكون ذلك مُطَمْئناً لهم لما قدمناه في باب حرمة الشريعة، على ما فيه من تشتت، ولكنهم لم يتوصلوا إلى إقناع طبقات الأمم بطريقة أخرى أقرب إلى التسليم. وليست إلَّا طريقةَ أخذ الأصلح من مجموع أقوال العلماء.

  22. ومن الواجب أن يكون القاضي مستحضراً للأحكام الشرعية في المسائل الكثيرة النزول، ومقتدراً على الاطلاع على أحكام ونوادر النوازل عند دعاء الحاجة إليها بسهولة. لكونه دارساً لكتب الفقه متضلعاً بطرق الاستفادة منها. قال ابن القاسم: لا يُستقضى من ليس بفقيه (١) .

    وقال أصبغ وأشهب ومطرف وابن الماجشون: لا يصلح كون القاضي صاحبَ حديث لا فقه معه، ولا صاحبَ فقه لا حديث معه (٢) . وفي الفائق لابن راشد: قال لي قاضي مصر نفيس الدين بن شكر: (٣) تجوز تولية المتأهّل لمعرفة استخراج المسائل من مواضعها. وأيّده بأن المجتهد لا يلزمه حفظ آيات الأحكام. قال ابن راشد: "لكن لا خفاء في أن هذا تضييق على الخصوم, لأنه يطيل عليهم فصل نوازلهم حتى يفهمها القاضي. وفيه وسيلة إلى تولية الجهال" (٤) اهـ.

    vol. 3, p. 527
  23. وكلام ابن راشد هو الصواب, لأن المجتهد غير مطلوب بفصل القضاء بين الناس. فإذا ولي المجتهدُ القضاء كان الشرط فيه أضيق من شروط مطلق مجتهد. وقوله: "إنه وسيلة إلى تولية الجهال" ، هو كذلك, لأن ملكة الاستحصال لا تنضبط ولا يدرك توفّرُهَا في صاحبها إلا العلماءُ. فإذا هوي ولاةُ الجور أو الجهالة تولية أحد من الجهلة القضاء زعموا أنه وإن لم يكن عالماً فهو قادر على استخراج المسائل وهو غير قادر، أو لعله وإن كان قادراً لا يصرف همته إلى ذلك، بخلاف استحضار المسائل، فالامتحان فيه لا يخفى.

    vol. 3, p. 528
  24. ومما يرجع إلى معنى العلم المقدرةُ على فهم مراد الفقهاء ومصطلحهم. قال ابن عبد البر في الكافي: "لم يختلف العلماء بالمدينة وغيرها فيما علمت أنه لا ينبغي أن يولَّى القضاءَ إلا الموثوق به في دينه وعلمه وفهمه" (١) اهـ.

  25. ومن ذلك أيضاً المقدرة على فهم مدركات المسائل وعللها لأن ذلك أحسن منبه للقاضي حين اشتباه المسائل المتشابهة لقولهم: لا يصلح كون القاضي صاحب فقه لا حديث معه.

  26. وأما السلامة من نفوذ غيره عليه فهو مندرج في اشتراطهم في صفات القاضي الحرية. وقد تحيروا في [تعليل] اشتراط الحرية. وتحيُّرهم في تعليله دليل لنا على أن المعلول مسلم لا نزاع فيه. وأنا أعلَّلُه بأن الرق حق على العبد. فهو محكوم لمالكه لا يسعه إلا

    vol. 3, p. 529مصانعته فيصير لسيد العبد أثر في إجراء النوازل التي يباشرها عبدُه. وهذا يوميء إلى وجوب تجرد القاضي عن كل ما من شأنه أن يجعله تحت نفوذ غيره، فإن العبودية مراتب. وفي الحديث: "تعس عبد الدينار وتعس عبد الدرهم وتعس عبد القطيفة الذي إذا أُعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض" (١) . فجعل ذلك سبباً لاستعباده.

  27. ومن أجل هذا اتفق علماؤنا على تحريم الرشوة. قال الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ} (٢) .

  28. ومن هنا يتضح ما قاله أشهب: إن من واجبات القاضي أن يكون مستخفاً بالأئمة أي مستخفّاً بتوسطاتهم في النوازل وشفاعتهم فيها، وفي إنفاذ الحق عليهم وعلى ذويهم. وليس المراد أنه مستخفٌّ بحقوق الأئمة في تقرير الطاعة العامة. وبعضهم زعم أن العبارة تحريف اللائمة (بتشديد اللام) أي أن لا يراعي لومة لائم، وهو تأويل بعيد لا يلاقي تعليق المجرور بمادة الاستخفاف.

  29. وأما العدالة فإنها الوازع عن الجور في الحكم والتقصير في تقصّي النظر في حجج الخصوم. فإن القضاء أمانة، ولذلك قرنه الله تعالى بالأمانات في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (٣) . ولذلك قال علماؤنا:

    vol. 3, p. 530العدالة شرط في صحة ولاية القضاء (١) .

  30. وقد تكلم العلماء في عزل القاضي، وتردّدت أنظارهم في ذلك بناء على اعتباره كوكيل عن الأمير من جهة، وعلى وجوب حرمة هذا المنصب في نظر الناس من جهة أخرى. وهي مسألةٌ لها مزيد تعلق بالسلامة من نفوذ غيره عليه, لأن العزلَ غضاضة عليه، وتوقّعَه ينقص من صرامته إن لم يغلبه دينه. قال المازري: إن عُلِمَ علمُ القاضي وعدالتُه ولم يقدح فيه قادح لم يعزل بالشَّكية. وسئل عن حاله بسببها سراً. ومن لم تتحقق عدالتُه في عزله بمجردها قولان. قال أصبغ: يعزل، وقال غيره: لا يعزل (٢) . قالوا: ولم يحفظ أن عمر عزل قاضياً، أي مع كونه عزل الأمراء بمجرد الشكية. عزل سعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد وشرحبيل. قلت: ولا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عزل قاضياً ولا أن أبا بكر عزل قاضياً.

    vol. 3, p. 531وقال بعض المحققين من علمائنا وأظنّه ابن عرفة: في عزل القاضي توهينٌ لحرمة المنصب، على أنه قد صار فيما بعد عصر السلف لصاحب الخطة حقٌ في بقائها، نظراً لضعف آراء وعدالة الأمراء الذين يولون القضاة (١) . وقد اصطلح بعضُ سلاطين الدولة الحفصية على أن القاضي لا يبقى في خطبة القضاء أكثر من ثلاث سنين، وهذا خطأ من التصرف (٢) .

  31. والحاصل أنه يُفهم من مقصد الشريعة أن تكون الولايةُ في مَظِنة المصلحة، وأن لا يكون العزلُ إلا لمظنَّة المفسدة, لأن جميع تصرّفات الأمراء منوطة بالمصالح كما بينه القرافي في الفرق الثالث والعشرين والمائتين، وأن حفظ حرمة المناصب الشرعية وإعانة القائمين بها على المضي في سبيلهم غيرَ وجلين ولا مغضوضين لمن أكبر المصالح (١) .

    vol. 3, p. 532
  32. وشروط رجال شورى القضاء تقارب شروط القضاة إلا أن شرط العلم فيهم أقوى ويساوون في البقية.

  33. وننقل كلامنا إلى ما كنا وَعَدنا به في آخر البحث، عن مقصد تعيين أنواع الحقوق لأصحابها، من أن بعض الحقوق قد يجعل لأمانة غير صاحبه.

  34. فاعلم أن شأن الحق أن يكون تصريفه بيد صاحبه، وقد يتعذر ذلك كالنيابات في الولايات والوكالات، لتعذر مباشرة ولاة الأمور جميع ما لهم حقُّ مباشرته، إذ قد تكثر، وقد تبعد، وقد يعرض الاشتغال بالأهم عن المهم. وقد ورد في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "واغدُ يا أنيس على زوجة هذا فإن اعترفت فارجمها" (٢) *. وفي

    vol. 3, p. 533حديث ابن عمر: "كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه، وكانوا يضربون على ذلك" (١) .

  35. وكما في العقود التي اؤتمن فيها الغيرُ على العمل في حق من ائتمنه. وقد يكون غير متعذر ولكن تصرّف صاحب الحق فيه يجعل الحق معرضاً للتلاشي. وقد تكونُ تلك الحقوق المؤتمنُ عليها متمحّضة لغير المُؤتمنِ عليها مثل حقوق المحاجير بالنسبة إلى أوصيائهم وآبائهم، وحقوق الولايا من النساء في النكاح بالنسبة لأوليائهن. وقد تكون مخلوطةً من حق المؤتمن ومن غيره كحقوق الأزواج بعضهم مع بعض، وحقوق القرابة من أبوّة وبنوّة، وحقوق الشركاء في الملك والتجارة كالمضاربة والارتواك (٢) والصناع.

  36. فلتيسير سير الأعمال وإقامة المصالح على الوجه الأتمَ ائتمنت

    vol. 3, p. 534الشريعةُ أحد الفريقين على إقامة تلك الحقوق لامتزاج الحقين، وتكرر استعمالها في مختلف الأزمان والأمكنة والأحوال، بحيث كان جعلها بيد أحد مَن لهم فيها حق أَوْلى من جعلها بيد ثالث أو إقامة رقباء على تنفيذها.

  37. وجعلت الشريعةُ المؤتمنَ على هذه الحقوق هو أَوْلى صاحبَيْ الحق بمباشرته لكونه أدرى باستعماله، مثل حق تربية الأبناء في الصغر للأم، وفي اليفع للأب، وحق نظام المعاشرة الزوجية بيد الرجل لأنه أقرب إلى العدل بدائع الحب والنصح، وحق إقامة المنزل للمرأة، وحق إدارة الأعمال لعامل القراض وعامل المغارسة والمساقَى والمُزارع.

  38. ثم إن هذا الائتمان بعضُه مجعولٌ من قبل الشرع إما في أصل الحق مثل الآباء في أموال أبنائهم، وإما بطريق القضاء كجعل ناظر على الوقف كما سيأتي. وبعضُه يُجعلُ من صاحب الحق كالوكالة وعقود الشركات في القراض والمساقاة والوصاية بالنظر من الآباء على أبنائهم.

  39. وكل مُؤتمَن على حقّ فتصرّفُهُ فيه منوط بالمصلحة بحسب اجتهاده المستند إلى الوسائل المعروفة في استجلاب المصالح. فليس له أن يكون في تصرّفه جباراً ولا مضياعاً. فقد قال الله تعالى للأزواج: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (١) ، وقال للأوصياء: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} (٢) . وقد بيَّن القرافي في الفرق الثالث والعشرين والمائتين: "أن كل من ولي ولاية من الخلافة إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة. فهم معزولون عن

    vol. 3, p. 535المفسدة الراجحة والمصلحة المرجوحة والمساوية ولا مفسدة فيه ولا مصلحة. ولهذا قال الشافعي: لا يبيع الوصي صاعاً بصاع لأنه لا فائدة في ذلك " (١) اهـ.

  40. فإذا بدا من المؤتمَن خللٌ في تصرفه ليس على سبيل الفلتة، رجع النظرُ إلى القضاء بجعل الحقَّ تحت يد أمين على الجانبين، مثل جعل الزوجين إذا تضارّا تحت نظر أمين وأمينة، ومثل إقامة ناظر على الوقف إذا ساء تصرفُ الموقوف عليه فيه. وكذلك إقامة المقدمين الوقتيين لمحاسبة الأوصياء ونظار الأوقاف، ووضع المتنازع فيه الموقوف تحت يد أمين.