الأدلة
11 paragraphs · vol. 1, p. 344
- استدل الحنفية على رأيهم بالأدلة التالية:
-
١ - قال اللَّه تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) } [محمد: ٣٣] ، فالمندوب بعد الشروع به صار عملًا يستحق صاحبه الثواب، فإن تركه فقد أبطل عمله وثوابه، والقرآن الكريم ينهى عن إبطال العمل، فكان إتمامه واجبًا (٣) .
- (٣)أصول السرخسي: ١ ص ١١٥.
-
٢ - قياس الشروع في المندوب على النذر بطريق الأولى، وذلك أن النذر التزام قولي، والناذر قبل النذر مخير بين الالتزام وعدمه، وبعد الكلام أصبح النذر واجبًا، وكذا المندوب، فالمكلف قبل الشروع مخير بين الفعل وعدمه، وبعد الشروع ينقلب إلى واجب بالأولى، لأن الفعل
vol. 1, p. 345أقوى من القول (١) .
- (١)كشف الأسرار: ٢ ص ٦٣٤، أصول السرخسي: ١ ص ١١٦.
-
ويعترض على الاستدلال بأنه قياس مع الفارق، لأن الناذر التزم الوجوب قولًا، وألزم نفسه به لولايته عليها، وأما الشروع فليس بالتزام يل هو أداء بعض المندوب بنية النفل، وليس بنية الوجوب أو الالتزام به (٢) .
- (٢)انظر تفصيل هذا الاعتراض والأمثلة عليه في كشف الأسرار: ٢ ص ٦٣٢.
-
٣ - إن الشروع بالمندوب يجعله حقًّا للَّه، وحقوق اللَّه تعالى يجب صيانتها والحفاظ عليها، وطريق صيانة المندوب هو بإلزام المكلف بالباقي أو بقضائه بعد ذلك احتياطًا في العبادات (٣) .
- (٣)كشف الأسرار: ٢ ص ٦٣٣، التلويح: ٣ ص ٧٩، أصول السرخسي: ١ ص ١١٥.
- واستدل الشافعية على رأيهم بما يلي:
-
١ - إن المندوب يجوز للمكلف أن يتركه في البدء، فكذلك بعد الشروع به يجوز له تركه، والمكلف مخير بين الاستمرار في الفعل وبين تركه، فالمندوب لا يتغير بالشروع، لأن حقيقة الشيء لا تتغير بالشروع، وأن المندوب يبقى بعد الشروع مندوبًا بدليل أنه يتأدى بنية النفل، وأن إتمام المندوب لا يعتبر إسقاطًا لواجب بل هو أداء لنفل (٤) .
- (٤)حاشية البناني: ١ ص ٩٢، كشف الأسرار: ٢ ص ٦٣٢، التلويح: ٣ ص ٧٩.
-
٢ - قياس الصلاة والصيام على الصدقة، وذلك أن الانسان إذا أخرج عشرة دراهم للتصدق بها، فتصدق بدرهم فقط، فهو في الخيار في الباقي، ولا يجب عليه التصدق بالعشرة، وكذا الصلاة والصوم نفلًا، إذا شرع بهما المكلف فلا ينقلب الباقي إلى واجب (٥) .
- (٥)كشف الأسرار: ٢ ص ٦٣٢.
-
٣ - قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام
vol. 1, p. 346وإن شاء أفطر " (١) ، وهو نص صريح في حكم المندوب بعد الشروع به، وأن إتمامه عائد إلى المكلف إن شاء استمر، وإن شاء ترك ولا شيء عليه.
- (١)رواه أبو داود والترمذي وأحمد والحاكم عن أم هانئ، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، انظر: سنن أبي داود: ١ ص ٥٧٢، سنن الترمذي: ٣ ص ٨١، كشف الخفا: ٢ ص ٢٦، الفتح الكبير: ٢ ص ٢٠٠، مسند أحمد: ٦/ ٣٤١.
-
ويظهر من الأدلة ترجيح قول الشافعية لقوة استدلالهم في الحديث الشريف، وأنه نص صريح واضح في موضوع النزاع، وأن هذا الحديث خاص في المسألة، ويرد استدلال الحنفية بالآية {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: ٣٣] ، لأنها عامة وتنصرف للأعمال الواجبة جمعًا بين الأدلة، ويتأكد بقاء حكم المندوب على حاله بسبب ورود الحديث، فقد جاء فيه عن أم هانئ رضي اللَّه عنها أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها، فدعا بشراب فشرب، ثم ناولها فشربت، فقالت: يا رسول اللَّه، أما إني كنت صائمة، فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "الصائم المتطوع أمين نفسه "، وفي رواية: " أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر ".
-
وروى أبو داود والترمذي حديثًا آخر وفيه: "ثم ناوله أم هانئ فشربت منه، فقالت: يا رسول اللَّه، لقد أفطرت وكنت صائمة، فقال لها: أكنت تقضين شيئًا؟ فقالت: لا، قال: "فلا يضرك إن كان تطوعًا" (٢) .
- (٢)سنن أبي داود: ١ ص ٥٧٢، سنن الترمذي: ٣ ص ٨١.