المطلب الأول في السبب

49 paragraphs · vol. 1, p. 391

Page 1 of 2

  1. [تعريف السبب]

    vol. 1, p. 391
  2. السبب في اللغة: عبارة عما يمكن التوصل به إلى مقصود ما، ومنه سمي الطريق سببًا، وسمي الحبل سببًا (١) .

    1. (١)قال الجوهري: "السبب: الحبل، وكل شيء يتوصل به إلى أمر آخر"، (الصحاح: ١ ص ١٤٥)، وانظر: المصباح المنير: ١ ص ٣٥٦، القاموس المحيط: ١ ص ٨١.
  3. وفي الاصطلاح: عرفه الآمدي بأنه: الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفًا لحكم شرعي (٢) .

    1. (٢)الإحكام، له: ١ ص ١٨١، وانظر: أصول السرخسي: ٢ ص ٣٠١.
  4. فالوصف هو المعنى، والظاهر هو المعلوم ضد الخفي، والمنضبط هو المحدد بأن لا يختلف باختلاف الأشخاص أو الأحوال، بخلاف الحكمة وهي الباعث على شرع الأحكام لمصلحة العباد، من جلب نفع أو دفع ضرر، والدليل السمعي هو ما كان في الكتاب والسنة، وكونه معرفًا لحكم شرعي أي علامة على الحكم الشرعي من غير تأثير فيه.

  5. فالسبب هو المعنى الظاهر المعلوم المحدد الذي ثبت بالكتاب والسنة أنه علامة على وجود الحكم، أو هو ما ارتبط به غيره وجودًا وعدمًا.

  6. وحقيقة السبب أن الشارع جعل وجوده علامة على وجود مسببه وهو الحكم، وجعل تخلفه وانتفاءه علامة على تخلف وانتفاء ذلك الحكم، أي: إن الشارع ربط وجود المسبب بوجود السبب، وعدمه بعدمه، ويلزم من وجود السبب وجود المسبب، ومن عدم السبب عدم المسبب (١) .

    1. (١)التلويح على التوضيح: ٣ ص ١٠٢، إرشاد الفحول: ص ٦، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٧، مصادر التشريع الإسلامي، صالح: ٥٥١، مباحث الحكم: ص ١٣٥.
    vol. 1, p. 392
  7. مثاله: جعل الزنا سببًا لوجوب الحد، لأن الزنا لا يوجب الحد بذاته، وإنما بجعل الشارع له، وزوال الشمس سبب في وجوب الظهر، وغروب الشمس سبب في وجوب المغرب، وطلوع الفجر سبب في وجوب الصبح.

  8. ويعرف السبب بإضافة الحكم إليه كحد الزنا، فالحد حكم شرعي أضيف إلى الزنا، فعرفنا أن الزنا هو السبب، مثل صلاة المغرب، فالصلاة حكم شرعي أضيف إلى المغرب، فعرفنا أن الغروب هو السبب (٢) .

    1. (٢)هذا هو السبب الظاهر عند المتأخرين، ويرى المتقدمون أن السبب للعبادات مثلًا ليس الوقت وغيره وإنما نعم اللَّه الكثيرة علينا هي سبب العبادة.
  9. ويبدو من التعريف السابق أن السبب لا يكون سببًا إلا بجعل الشارع له سببًا، لأنه سبب لحكم تكليفي، والتكليف من اللَّه تعالى الذي يكلف المرء بالحكم، ويضع السبب الذي يرتبط به الحكم، وهذه الأسباب ليست مؤثرة بذاتها في وجود الأحكام، بل هي علامة وأمارة لظهورها ووجودها ومعرفة لها عند جمهور العلماء، فالسبب وسيلة وصلة، كالحبل في إخراج الماء من البئر (٣) ، ولذا عرف الإمام الغزالي السبب

    vol. 1, p. 393فقال: هو ما يحصل الشيء عنده لا به (١) ، ويقول الشاطبي رحمه اللَّه: إن السبب غير فاعل بنفسه، وإنما وقع المسبب عنده لا به (٢) ، قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) } [الصافات: ٩٦] ، وقال تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) } [الزمر: ٦٢] ، وقال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: ٣٠] ، وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) } [الشمس: ٧ - ٨] .

    1. (٣)قال بعض العلماء وهم المعتزلة: إن السبب مؤثر في الأحكام بذاته، بواسطة قوة = = أودعها اللَّه فيه، وقال بعض العلماء: إن الأسباب تؤثر في الأحكام لا بذاتها، بل بجعل اللَّه تعالى، انظر: المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٧، الموافقات: ١ ص ١٢٩، إرشاد الفحول: ص ٦، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١١٦، حاشية البناني على جمع الجوامع: ١ ص ٩٥، المستصفى: ١ ص ٩٣، نهاية السول: ١ ص ٧٣، أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ٦٧، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٤٦.
    2. (١)المستصفى، له: ١ ص ٩٤.
    3. (٢)الموافقات، له: ١ ص ١٢٩.
  10. [أنواع السبب]

  11. ينقسم السبب عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، أهمها:

    أولًا: أنواع السبب من حيث موضوعه:

  12. ينقسم السبب باعتبار موضوعه إلى قسمين:
  13. ١ - السبب الوقتي: وهو ما لا يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم، كالزوال سبب وقتي لوجوب الظهر (٣) ، لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] ، فإن الوقت سبب محض وعلامة على وجوب الصلاة، ورؤية هلال رمضان سبب وقتي لوجوب الصيام، لقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: ١٨٥] .

    1. (٣)انظر: شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٥٠.
  14. ٢ - السبب المعنوي: وهو ما يعرف له حكمة باعثة في تعريفه للحكم الشرعي، كالإسكار سبب معنوي لتحريم الخمر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل

    vol. 1, p. 394مسكر حرام" (١) ، وملك النصاب سبب معنوي لوجوب الزكاة، وكذا السرقة والزنا وقطع الطريق والقتل أسباب للعقوبات (٢) .

    1. (١)رواه مسلم وأحمد وأصحاب السنن.
    2. (٢)فواتح الرحموت: ١ ص ٦١، مناهج العقول، البدخشي: ١ ص ٦٨، مختصر ابن الحاجب: ص ٤٢، تسهيل الوصول: ٢٥٥، إرشاد الفحول: ص ٧، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٥٠.
  15. وتظهر فائدة التقسيم في جواز القياس في القسم الثاني، وعدم جوازه في القسم الأول.

  16. ثانيًا: أنواع السبب باعتبار علاقته بالمكلف:
  17. ينقسم السبب باعتبار قدرة المكلف على القيام به، وعدم قدرته إلى قسمين:

    ١ - السبب الذي هو من فعل المكلف ومقدور له: كالبيع، فهو سبب لملك المبيع والثمن، والقتل العمد سبب لوجوب القصاص، وعقد الزواج سبب لإباحة الاستمتاع بين الزوجين، وعقد الإجارة سبب لحل الانتفاع بالعين، وهذا النوع ينقسم إلى ثلاثة أقسام، هي:

    أ- سبب مأمور به شرعًا: ويجب على المكلف فعله، أو يندب له القيام به، كالنكاح، فهو سبب للتوارث، ومأمور به.

  18. ب- سبب منهي عنه: كالسرقة سبب للحد، والسرقة منهي عنها.

  19. جـ- سبب مأذون به ومباح فعله للمكلف، كجعل الذبح سببًا لحل الحيوان المذبوح، والذبح مباح (٣) .

    1. (٣)أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٥٤، أبحاث في علم أصول الفقه: ص ١٥٩.
  20. والسبب الذي يكون من فعل المكلف ويكون قادرًا عليه له صفتان، صفة التكليف، لأنه مقدور عليه ومطلوب من الشارع فعله لجلب

    vol. 1, p. 395المنافع ودفع المضار، ويدخل في الحكم التكليفي، وصفة الوضع، لأن الشارع رتب عليه أحكامًا أخرى، ويدخل في الحكم الوضعي، كالنكاح سبب للتوارث وحل الاستمتاع من جهة، ومندوب إليه من جهة أخرى، وذبح الحيوان سبب لحل الانتفاع، وهو مباح، والقتل سبب للقصاص، وهو حرام، والزنا سبب للحد، وهو حرام (١) .

    1. (١)أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٥٤، أصول الفقه، الخضري: ص ٦١، أصول الفقه، أبو النور: ١ ص ٦٧.
  21. ٢ - السبب الذي ليس من فعل المكلف، ولا يقدر عليه، كالزوال فهو سبب لوجوب صلاة الظهر، والقرابة سبب للإرث والولاية، والموت سبب لنقل ملكية التركة إلى الوارث (٢) ، وهذه الأسباب ليست من فعل المكلف، ولا يقدر عليها.

    1. (٢)المراجع السابقة.
  22. وهذا النوع قد يكون سببًا لحكم تكليفي كالزوال، وقد يكون سببًا لحكم وضعي كالموت، فهو سبب لنقل الملك إلى الورثة.

  23. وإن الشارع الذي وضع السبب قصد منه المسبب، لأن الأسباب ليست مقصودة لذاتها، وإنما شرعت لما ينشأ عنها من مسببات، ولأن الأحكام الشرعية إنما شرعت لجلب المصالح أو درء المفاسد، فتصبح الأحكام كذلك أسبابًا لهذه النتائج وهذه المسببات.

  24. ثالثًا: أنواع السبب باعتبار المشروعية:

  25. ينقسم السبب باعتبار المشروعية وعدمها إلى نوعين:
  26. ١ - السبب المشروع: وهو كل ما أدى إلى مصلحة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مفسدة بحسب الظاهر، كالجهاد سبب لنشر الدعوة وحماية العقيدة وتبليغ الرسالة، وإن أدى إلى مفسدة كإتلاف

    vol. 1, p. 396المال وتعريض الأنفس للقتل.

  27. وإذا ظهر أحيانًا، أو نتج عن السبب المشروع بعض المفاسد فإنها ليست ناشئة عن السبب المشروع، وإنما تنتج عن أمر آخر مرافق له (١) .

    1. (١)انظر: أمثلة توضح هذه الأمور في الموافقات: ١ ص ١٦١ وما بعدها.
  28. ٢ - السبب غير المشروع: وهو ما يؤدي إلى المفسدة في نظر الشارع، وإن اقترن به أو تضمن مصلحة بحسب الظاهر، كالنكاح الفاسد والتبني، فإنها أسباب غير مشروعة لأنها تؤدي إلى مفاسد كثيرة تضر بالفرد والمجتمع، وإن لم تظهر فورًا فإن العاقل المتبصر يدرك خطرها في المستقبل.

  29. وإن ما يظهر للمرء أحيانًا من مصالح، أو ما ينتج من منافع عن السبب الفاسد، فلا يكون من ذات السبب الممنوع، وإنما هو من أمر آخر (٢) .

    1. (٢)الموافقات: ١ ص ١٦٠، ١٦٣، مصادر التشريع الإسلامي: ص ٥٥٣.
  30. يقول الشاطبي: والمقصود أن الأسباب المشروعة لا تكون أسبابًا للمفاسد، والأسباب الممنوعة لا تكون أسبابًا للمصالح، إذ لا يصح ذلك بحال (٣) .

    1. (٣)الموافقات، له: ١ ص ١٦٣.
  31. رابعًا: أنواع السبب باعتبار تأثيره في الحكم:
  32. ينقسم السبب باعتبار تأثيره في الحكم وعدمه إلى نوعين:

    ١ - السبب المؤثر في الحكم (٤) ، ويسمى علة، وهو ما يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، وحكمة باعثة لتشريعه، كالإسكار فهو سبب مؤثر في الحكم، وهو علة التحريم، والسفر سبب لجواز

    vol. 1, p. 397الإفطار، وهو علة الإفطار في رمضان، والعلة هي الوصف المنضبط الذي جعل مناطًا لحكم يناسبه.

    1. (٤)السبب المؤثر لا بذاته في الحكم، وإنما بجعل اللَّه تعالى له علامة.
  33. ٢ - السبب غير المؤثر في الحكم: وهو الذي لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة، ولا يستلزم وجود مناسبة وحكمة بينه وبين الحكم، مثل الوقت سبب لوجوب الصلاة (١) ، وهذا يتطلب منا بيان الصلة بين العلة والسبب.

    1. (١)الإحكام، الآمدي: ١ ص ١١٨، التوضيح والتلويح: ٢ ص ١٠٢، أصول الفقه، الخضري: ص ٦٠، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٥٦.
  34. [العلاقة بين العلة والسبب]

  35. العلة أو السبب أمارة على وجود الحكم، كالإسكار في الخمر أمارة على التحريم، والسفر في رمضان أمارة على جواز الإفطار، ولذا قال بعض علماء الأصول: إنهما بمعنى واحد، وقال آخرون: إنهما متغايران، وخصوا العلة بالأمارة المؤثرة التي تظهر فيها المناسبة بينها وبين الحكم، وخصوا السبب بالأمارة غير المؤثرة في الحكم.

    وقال أكثر العلماء: إن السبب أعم من العلة مطلقًا، فكل علة سبب ولا عكس، وإن السبب يشمل الأسباب التي في المعاملات والعقوبات، ويشمل العلة التي تدرس في القياس، والفرق بينهما أن الصفة التي يرتبط بها الحكم إن كانت لا يدرك تأثيرها في الحكم بالعقل، ولا تكون من صنع المكلف، كالوقت للصلاة المكتوبة، فتسمى باسم السبب، أما إذا أدرك العقل تأثير الوصف بالحكم فيسمى علة ويسمى سببًا أيضًا، فالسبب يشمل القسمين، وهو أعم من العلة كما قدمنا (٢) .

    1. (٢)المستصفى: ١ ص ٩٤، تسهيل الوصول: ص ٢٥٦، الموافقات: ١ ص ١٧٩، أصول السرخسي: ٢ ص ٣٠٢، ٣١١، الحدود في الأصول، الباجي: ص ٧٢.
  36. خامسًا: أنواع السبب باعتبار نوع المسبب:
  37. ينقسم السبب باعتبار نوع المسبب الذي يدل عليه واختلاف أثره عليه إلى قسمين.

  38. ١ - السبب لحكم تكليفي، كالوقت الذي جعله الشارع سببًا لإيجاب الصلاة في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: ٧٨] ، وظهور الهلال سبب لإيجاب الصوم في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صوموا لرؤيته" (١) .

    1. (١)هذا جزء من حديث رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد والبيهقي.
  39. ٢ - سبب لإثبات ملك أو حل أو إزالة الملك والحل، كالبيع سبب لإثبات الملك، والعتق سبب لإزالة الملك، وعقد الزواج سبب لحل المتعة بين الزوجين، والطلاق سبب لإزالة حل المتعة، وهكذا (٢) .

    1. (٢)الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ٩٩.
  40. سادسًا: أنواع السبب باعتبار مصدر العلاقة بينه وبين المسبب:

    ينقسم السبب باعتبار مصدر الرابطة والعلاقة بينه وبين المسبب إلى ثلاثة أنواع:

    ١ - السبب الشرعي: وهو السبب الذي تكون العلاقة والرابطة بينه وبين المسبب ناتجة عن حكم شرعي، كالوقت بالنسبة لوجوب الصلاة، فإنه سبب له بحكم الشرع.