المطلب الثاني في الشرط
46 paragraphs · vol. 1, p. 403
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 403
[تعريف الشرط]
-
الشرط لغة بفتحتين: العلامة، والجمع أشراط، والشرط بفتحة وسكون جمع شروط، قال الفيروزاباذي: الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه (١) .
- (١)القاموس المحيط: ٢ ص ٣٦٨، المصباح المنير: ١ ص ٤٢١.
-
وفي الاصطلاح: هو ما يتوقف وجود الحكم وجودًا شرعيًّا على وجوده، ويكون خارجًا عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم (٢) .
- (٢)الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢١، مصادر التشريع الإسلامي: ص ٥٥٣، أصول الفقه، خلاف: ص ١٣٤، أصول السرخسي: ٢ ص ٣٠٣، الحدود في الأصول، الباجي: ص ٦٠، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٥٢.
-
فالشرط وصف يتوقف عليه وجود الحكم، وحقيقته أن عدمه يستلزم عدم الحكم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم، ولا يتحقق الحكم بشكل شرعي إلا بوجود الشرط الذي وضعه الشارع له، كالوضوء شرط للصلاة، فلا توجد الصلاة بشكل شرعي إلا إذا وجد الوضوء، والوضوء
vol. 1, p. 404ليس جزءًا في الصلاة، وإذا عدم الوضوء عدمت الصلاة، ولكن إذا وجد الوضوء فلا يلزم منه وجود الصلاة، ومثل الحول شرط في وجوب الزكاة، فإذا عدم الحول لزم عدم وجوب الزكاة، ومثل حضور الشاهدين في عقد الزواج، فالشهادة شرط في الزواج، ولا يصح الزواج إلا بالشهادة، والشهادة ليست جزءًا في الزواج، وإذا فقدت الشهادة فسد الزواج، ولكن لا يلزم من وجود الشاهدين وجود الزواج، ومثل القدرة على التسليم شرط في صحة البيع، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم (١) .
- (١)إرشاد الفحول: ص ٧، تسهيل الوصول: ص ٢٥٦، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٨، مختصر ابن الحاجب: ص ٤٣، الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٧٨.
-
وشرح التعريف وبيان حقيقته يقودنا لبيان العلاقة بين الركن والشرط، وبين الشرط والسبب.
-
[العلاقة بين الركن والشرط]
-
الركن هو ما يتوقف عليه وجود الحكم، وبكون جزءًا في ماهيته، أما الشرط فهو ما يتوقف عليه وجود الحكم، ويكون خارجًا عن حقيقته وماهيته، ويظهر من هذا أن الركن والشرط يتفقان بأن كلًّا منهما يتوقف عليه وجود الحكم، وإذا نقص الركن أو الشرط بطل أو فسد الحكم.
-
ويختلفان بأن الركن جزء من الماهية، والشرط ليس جزءًا من الماهية، والمثال يوضح ذلك.
-
الركوع ركن يتوقف عليه وجود الصلاة، وهو جزء منها، وكذا السجود والقراءة والقيام، والصيغة في العقد ركن، وإذا اختل الركن بطلت الصلاة أو العقد.
-
والوضوء شرط يتوقف عليه وجود الصلاة، ولكنه خارج عن
vol. 1, p. 405الصلاة، لأنه يسبقها، وكذا طهارة الثوب والمكان والجسد، ومثله الشهود في عقد الزواج شرط فيه وخارج عن الزواج، وإذا فقد الشرط فقدت الصلاة وعقد الزواج.
-
وإذا حصل خلل في الركن كان الخلل في نفس التصرف أو العقد، ولا يتحقق وجود المسبب والماهية، وكان حكمه البطلان باتفاق العلماء، أما إذا حصل خلل في شرط من الشروط كان الخلل في وصف خارج عن الحقيقة وتكون الحقيقة والماهية موجودة، ولكن لا يترتب عليها أثرها الشرعي لانتفاء الشرط فيها، وحكمها البطلان عند جمهور العلماء كالركن، خلافًا للحنفية الذين وصفوها بالفساد الذي يترتب عليه بعض الآثار.
-
ولكن الحنفية يفرقون في أثر الفساد بين العبادات والمعاملات، فالعبادات الفاسدة لا أثر لها عندهم، ولا تسقط عن المكلف، ولا تبرأ منها الذمة، كالباطلة، ويتفقون بذلك مع الجمهور فيها، أما المعاملات الفاسدة فإنها يترتب عليها بعض الآثار عندهم، بخلاف المعاملات الباطلة فإنه لا يترتب عليها أثر شرعي (١) .
- (١)الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ١٥٢، أصول الفقه، خلاف: ١٣٥، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٥٨، أصول الفقه، الخضري: ص ٦٦، المدخل الفقهي العام: ١ ص ٢٨٧.
-
[العلاقة بين السبب والشرط]
-
إن الشروط الشرعية تكمل السبب، وتجعل أثره يترتب عليه، وهو المسبب، وإذا وجد السبب ولم يتوفر الشرط فلا يوجد المسبب، فالسبب يلزم منه وجود المسبب عند تحقق الشرط وانتفاء المانع، وإذا لم يتحقق الشرط فلا أثر له، مثل القتل سبب لإيجاب القصاص، إذا تحقق شرطه وهو العمد والعدوان، وعقد الزواج سبب لحل الاستمتاع
vol. 1, p. 406عند تحقق الشرط وهو حضور الشاهدين، والنصاب سبب لوجوب الزكاة عند تحقق الشرط، وهو حولان الحول، وهكذا فإنه لو صح وقوع المشروط بدون شرطه لم يكن شرطًا فيه، وقد فرض كذلك أنه شرط.
-
ويتفرع عن هذا الأصل خلاف فقهي بين المذاهب، وهو هل يوجد الحكم بوجود سببه مع عدم الشرط أو تأخره، أم لا؟، وذلك أن الحكم يتوقف على وجود السبب وتحقق الشرط، فإن وجد السبب فقط فهل يصح أن يقع الحكم بدون الشرط أم لا يصح؟
-
ذهب بعض الفقهاء إلى مراعاة السبب ووقوع المسبب عليه دون توقفه على الشرط، وذهب آخرون إلى توقف الحكم على تحقق الشرط، مراعاة لأثر الشرط، وإن اختفاء الشرط مانع للسبب من تأثيره في وجود المسبب، وتطبيق القواعد يرجح القول الثاني، والقول الأول يعتمد على النصوص في الحديث، فجعلوا ذلك استثناء من القاعدة العامة، والأمثلة الفقهية توضح ذلك، مثل الاختلاف في جواز تعجيل الزكاة عند الحنفية والشافعية، فالنصاب سبب في وجوب الزكاة، والحول شرط له، فعلى القول الأول يجوز تعجيل الزكاة قبل تحقق الشرط، وعلى القول الثاني لا يجوز تعجيل الزكاة إلا بعد حولان الحول على النصاب، ومثل تعجيل الكفارة قبل الحنث عند الشافعية، كمن حلف يمينًا على إثم مثلًا، فاليمين سبب الكفارة، والحنث شرطها، فعلى القول الأول يجوز تقديم الكفارة ثم الحنث في اليمين، واستدلوا بما رواه مسلم عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "واللَّه، إن شاء اللَّه، لا أحلف على يمين ثم أرى خيرًا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" (١) ، وعلى القول الثاني لا يجوز، ومثل العفو عن القاتل
vol. 1, p. 407من القتيل، لأن الضرب المؤدي إلى الموت سبب في القصاص أو الدية، والزهوق شرط، ويجوز العفو من القتيل قبل زهوق روحه باتفاق، وتفصيل الأدلة والآراء في كتب الفقه (١) .
- (١)رواه مسلم وغيره عن أبي موسى الأشعري في كتاب الأيمان.
- (١)الموافقات: ١ ص ١٨٢، ١٨٩، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٤٢.
-
ويتفق الشرط والسبب في حالة العدم، فإذا عدم السبب عدم المسبب، وإذا عدم الشرط عدم المشروط، ويختلفان في حالة الوجود، فإذا وجد الشرط فلا يلزم منه وجود الحكم، كالوضوء لا يلزم من وجوده وجوب إقامة الصلاة، ولا يلزم من وجود الشاهدين وجود النكاح، أما السبب فيلزم من وجوده وجود الحكم، فإذا وجد الوقت وجبت الصلاة ووجب الصيام (٢) .
- (٢)المراجع السابقة قبل هامشين، وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٥، إرشاد الفحول: ص ٧، الموافقات: ١ ص ١٧٨.
-
[أنواع الشرط]
- ينقسم الشرط عدة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وهي:
- أولًا: تقسيم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب:
-
ينقسم الشرط باعتبار ارتباطه بالسبب أو المسبب إلى نوعين:
١ - الشرط المكمل للسبب: وهو الذي يكمل السبب حتى ينتج أثره في الحكم، وهو المسبب، مثل حولان الحول في وجوب الزكاة في النصاب، فالنصاب سبب لوجوب الزكاة، ولا يتحقق وجود النصاب الدال على الغنى إلا بشرط حولان الحول، فالحول شرط مكمل للنصاب، والعمد والعدوان شرطان في القتل الموجب للقصاص، فالقتل سبب، والقصاص مسبب، ولا يرتبط السبب والمسبب إلا إذا تحقق شرطا العمد والعدوان، والقدرة على تسليم المبيع شرط
vol. 1, p. 408لصحة البيع الذي هو سبب ثبوت الملك، والإحصان شرط في سببية الزنا للرجم، وهكذا، وعدم هذه الشروط يفيد عدم الأسباب.
-
٢ - الشرط المكمل للمسبب: وهو الذي يكمل المسبب وهو الحكم، فالطهارة وستر العورة شرطان يكملان الصلاة، لأن عدم الشرط يستلزم عدم الحكم (١) .
- (١)الإحكام، الآمدي: ١ ص ١٢٠، ١٢١، فواتح الرحموت: ١ ص ٦١، شرح الكوكب المنير: ١ ص ٤٥٤، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٨، وانظر تقسيم السرخسي للشرط في: أصول السرخسي: ٢ ص ٣٢٠.
- ثانيًا: تقسيم الشرط باعتبار جهة اشتراطه:
- ينقسم الشرط من حيث جهة اشتراطه إلى قسمين:
-
١ - الشرط الشرعي: وهو ما اشترطه الشارع للأحكام والتصرفات، مثل الشروط التي وردت في العبادات والمعاملات وإقامة الحدود.
-
٢ - الشرط الجَعْلي: وهو ما اشترطه المكلف، كما لو اشترطت المرأة تقديم معجل المهر كله، وكما لو اشترط المشتري نقل المبيع أو استلامه في مكان معين (٢) .
- (٢)أصول الفقه، خلاف: ص ١٣٦، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٥٩، الموافقات: ١ ص ١٩١.
-
ولا بد أن يكون الشرط الجعلي موافقًا لحكم الشرع، ومتفقًا مع مقتضى العقد أو التصرف، فإن كان منافيًا له بطل التصرف، كما لو اشترطت المرأة في عقد الزواج عدم المعاشرة، أو اشترط البائع تقييد ملكية المشتري، ولذا تتفاوت درجات الشرط الجعلي.
-
فإما أن يكون مكملًا لحكمة الشرع ومتفقًا مع مقتضى العقد، ومحققًا للغاية منه كاشتراط الكفالة أو الرهن في الدَّيْن المؤجل، وهذا
vol. 1, p. 409القسم متفق على صحته.
-
وإما أن يكون الشرط الجعلي مخالفًا لمقتضى العقد ومتعارضًا معه، وغير ملائم لمقصود المشروط فيه ولا مكمل لحكمته، كأن يشترط الزوج عدم الإنفاق على زوجته، أو أن يشترط البائع عدم انتفاع المشتري بالعين، وهذا القسم متفق على بطلانه وإلغائه.
-
وإما أن يكون شرطًا زائدًا على مقتضى العقد، وهو الذي يقترن فيزيد من التزامات أحد الطرفين، أو يقوي هذه الالتزامات، وحكم هذا النوع مختلف فيه بين المذاهب اختلافًا واسعًا، فقد أجاز هذا الاشتراط وتوسع به المذهب الحنبلي والمالكي، وضيق فيه المذهب الحنفي والشافعي (١) .
- (١)انظر أنواع الشروط الفقهية وما يتعلق فيها وآراء المذاهب في: أصول الفقه، الخضري: ص ٦٩، المدخل الفقهي العام، الأستاذ مصطفى الزرقا: ١ ص ٤٨١ وما بعدها، الموافقات: ١ ص ١٨٧، الفقه الإسلامي في أسلوبه الجديد، الدكتور وهبة الزحيلي: ١ ص ١٥٤.
- ثالثًا: تقسيم الشرط باعتبار إدراك الرابطة مع المشروط:
-
ينقسم الشرط من جهة إدراك الرابطة والعلاقة بينه وبين المشروط إلى أربعة أنواع (٢) :
١ - الشرط الشرعي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم الشرع، كالوضوء للصلاة.
- (٢)المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٨، الموافقات: ١ ص ١٨.
-
٢ - الشرط العقلي: وهو الشرط الذي تكون العلاقة فيه بين الشرط والمشروط ناتجة عن حكم العقل، مثل ترك ضد الواجب لحصوله، كترك الأكل شرط لصحة الصلاة، ومثل اشتراط الحياة لي، فإذا انتفت الحياة انتفى العلم، ولا يلزم من وجود الحياة وجود العلم، ومثل
vol. 1, p. 410الفهم في التكليف.
-
٣ - الشرط العادي: وهو ما تكون العلاقة بينه وبين مشروطه ناتجة عن حكم العادة والعرف، كغسل جزء من الرأس لإتمام غسل الوجه، ومثل الغذاء للحيوان أي لحياته، وملاصقة النار للجسم في الإحراق، ومقابلة الرائي للمرئي، وتوسط الجسم الشفاف في الإبصار (١) .
- (١)وهناك تقسيمات مختلفة للشرط بحثها الفقهاء في كتبهم وخاصة في عقد البيع، كالشرط المعلق والمقيد والمضاف، وشرط الانعقاد والصحة والنفاذ واللزوم، والشرط الراجع إلى خطاب التكليف، والشرط الراجع إلى خطاب الوضع، وغير ذلك، انظر المراجع السابقة في الهامش قبل السابق، والموافقات: ١ ص ١٨٥، نظرية الشروط المقترنة بالعقد، الشيخ زكي الدين شعبان.
-
٤ - الشرط اللغوي: وذلك في صيغ التعليق، مثل: إنها طالق إن خرجت من البيت، وهذا النوع له حكم السبب (٢) .
- (٢)انظر: شرح الكوكب المنير: ٢ ص ٤٥٥، شرح تنقيح الفصول: ص ٨٥، المدخل إلى مذهب أحمد: ص ٦٨، مختصر الطوفي: ص ٣٢.
-
هل يصح التكليف بالحكم مع فقدان شرطه؟
-
يبحث علماء الأصول هذه المسألة، ويعبرون عنها بأهم مثال لها، وهو "هل الكافر مخاطب بفروع الشريعة" ؟
-
وصورتها أن الشارع اعتبر الإيمان شرطًا لصحة الصلاة وغيرها من العبادات، فهل يصح التكليف بالصلاة وإيجابها على الإنسان الكافر مع عدم حصول الشرط، وهو الإيمان؟
-
اتفق العلماء على أن الكفار مخاطبون بالإيمان إجماعًا، وأنهم مخاطبون بالمعاملات، وأنها تطبق عليهم ما داموا قائمين على أرض الدولة الإسلامية، واختلف الفقهاء في تطبيق العقوبات الشرعية عليهم، كما اختلفوا في تكليفهم بالعبادات، وهو موضوع بحثنا، على قولين:
vol. 1, p. 411القول الأول: يصح التكليف مع عدم حصول الشرط، والكافر مكلف بالصلاة مع عدم الإيمان، وذلك لأن الكفر مانع من إقامة الصلاة، ولكنه لا يعتبر مانعًا من التكليف، فالكافر يتمكن من إزالة المانع وهو الكفر، ويستطيع الدخول في الإيمان ثم يقيم الصلاة، وهو رأي الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة وأكثر العراقيين من الحنفية، واستدلوا على ذلك بما يلي:
١ - القياس على الجنب والمحدث، فإنهما مأموران بالصلاة، ومكلفان فيها، بالرغم من وجود المانع من الصلاة، وهو الجنابة والحدث، وذلك لأنهما يتمكنان من إزالة المانع ثم القيام بالصلاة.
-
فوجود الجنابة والحدث لا يمنع التكليف بالصلاة، وكذلك الكفر أو عدم تحقق شرط الإيمان لا يمنع تكليف الكافر بالعبادات، فالعقيدة الباطلة منعته من الإيمان ويستطيع أن يزيلها ثم يصلي (١) .
- (١)تسهيل الوصول: ص ٢٥٧، تيسير التحرير: ٢ ص ١٤٨، وما بعدها، فواتح الرحموت: ١ ص ١٢٨، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي: ص ١٥٣، القواعد والفوائد الأصولية: ص ٤٩، الأشباه والنظائر، للسيوطي: ص ٢٥٣، والأشباه والنظائر لابن نجيم: ص ٣٢٥، شرح الكوكب المير: ١ ص ٥٠١ وما بعدها، إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك، للونشريسي: ص ٢٨٣.