ثانيا: المشقة غير المعتادة

5 paragraphs · vol. 1, p. 476

  1. وهي المشقة الخارجة عن معتاد الناس، ولا يمكن أن يداوموا على تحملها، وأن المداومة على هذه المشقة يرهق المكلف ويقطعه عن التكليف، ويناله الضرر والأذى في النفس والمال، وهذا يتنافى مع مقاصد الشريعة (٣) .

    1. (٣)أصول الفقه، خلاف: ص ١٥٣، مباحث الحكم: ص ١٩٧، أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٣٠٥، الموافقات: ٢ ص ٨٤.
    vol. 1, p. 476
  2. وهذا النوع لم يرد في التكاليف الشرعية إلا استثناء (٤) ، وإذا حصلت مثل هذه المشقة، لعارض ما، فقد شرع سبحانه وتعالى الرخصة ورغب

    vol. 1, p. 477في ترك العزيمة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه" (١) ، مثال ذلك المشقة في الصيام للمريض والحامل والعاجز والمرضع، فرخص اللَّه تعالى لهم في الإفطار، ومثل المشقة والضرر في استعمال الماء للطهارة فرخص الشارع في التيمم، وغير ذلك من الرخص التي سبق الكلام عنها في مطلب الرخصة والعزيمة، ووضع العلماء القاعدة المشهورة في ذلك "إباحة المحظورات عند الضرورات" .

    1. (٤)ورد التكليف بأمور شاقة استثناء في أحوال خاصة لمقاصد معينة وبشروط معينة، وذلك لجواز التكليف فيها لا على وجه الدوام والاستمرار من جهة، أو فيها دوام واستمرار ولكن ليست فرض عين على جميع المكلفين، إنما هي فرض كفاية على من يجاهد نفسه ويتحمل هذه المشقة، مثل الجهاد في سبيل اللَّه، ففيه مشقة شديدة تؤدي إلى القتل والموت، ولا يستطيع كل الناس تحمل هذه المشقة، فكان الجهاد فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ومثل الصبر على العذاب والقتل عند الإكراه على الكفر، وغير ذلك من العزائم الشديدة التي تتضمن مشقة كبيرة على المكلف، وهذه المشقة ليست مقصودة أيضًا، ولكن تبذل في سبيل الحفاظ على أمر هام، ولدفع ضرر أشد، انظر: أصول الفقه، أبو زهرة: ص ٣٠٦.
    2. (١)رواه أحمد والبيهقي والطبراني.
  3. كما نص الشارع على النهي عن قصد تلك المشقة، ومنع الناس من اللجوء إليها، فنهى عن صوم الوصال، وعن المثابرة في قيام الليل، والترهب للعبادة، والصيام في الشمس، والحج ماشيًا، وقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "أما واللَّه إني لأخشاكم للَّه وأتقاكم، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (٢) ، وقال عمن نذرت أن تحج ماشية: "إن اللَّه لغني عن مشيها" (٣) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن اللَّه لا يمل حتى تملوا" (٤) ، وقال: "هلك المتنطعون" (٥) ، وقال: "إن هذا الدين متينٌ فأوغل فيه برفق" (٦) ، وقال: "إن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" (٧) ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من البر الصيام في السفر" (٨) .

    1. (٢)رواه البخاري ومسلم والنسائي.
    2. (٣)رواه أحمد، وروى مثله البخاري ومسلم وأبو داود بلفظ آخر، مسند أحمد ٤/ ١٤٣.
    3. (٤)رواه البخاري ومسلم عن عائشة.
    4. (٥)رواه مسلم وأبو داود وأحمد عن ابن مسعود.
    5. (٦)رواه أحمد والبزار عن أنس وجابر.
    6. (٧)رواه البزار عن جابر.
    7. (٨)رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأحمد.
  4. كما وردت آيات كثيرة وأحاديث متعددة تؤكد رفع الحرج والعسر في التكاليف، وأن اللَّه أراد التيسير والتخفيف عنا في الأوامر والنواهي الشرعية دون أن يصيب المسلم إرهاق وإعنات منها (١) ، فقال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: ٧٨] ، وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨) } [النساء: ٢٨] ، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا مُعسرين" (٢) .

    1. (١)الموافقات: ٢ ص ٨٦، وانظر تفصيل ذلك في كتابنا "الاعتدال في التَدَيُّن".
    2. (٢)رواه البخاري ١/ ٨٩، والترمذي (الفتح الكبير ١/ ٤٣٧).
    vol. 1, p. 478
  5. والحكمة من رفع الحرج وعدم المشقة في التكاليف هو التخفيف عن العباد، والرغبة في استمرار المكلف بها، وألا يتطرأ إليه انقطاع في الطريق وبغض للعبادة، وكراهية للتكاليف، وألا تشغله التكاليف عن أعماله الأخرى وواجباته الخاصة في نفسه وأهله ومجتمعه (٣) ، ولذا ورد عن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "إن لزوجك عليك حقًّا، وإن لنفسك عليك حقًّا، وإن لربك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه" (٤) .

    1. (٣)أصول الفقه، الخضري: ص ٧٨.
    2. (٤)رواه مسلم ٩/ ١٧٥، والبخاري ٥/ ١٩٤٩، والنسائي، ومر في الصفحة السابقة.