أنواع النسخ
27 paragraphs · vol. 2, p. 245
- ينقسم النسخ عدة أقسام باعتبارات متعددة، أهمها أربعة:
-
التقسيم الأول: أنواع النسخ باعتبار البدل في الدليل الناسخ:
- ينقسم النسخ باعتبار البدل إلى ثلاثة أنواع، وهي:
-
١ - النسخ إلى الأخف: وهو نسخ الحكم الأغلظ إلى حكم أخف منه،
vol. 2, p. 246مثل نسخ العدّة للمتوفى عنها زوجها من الحول الكامل إلى أربعة أشهر وعشر، ونسخ الحكم بوجوب مصابرة العشرين من المسلمين لمائتين من الكفار، والمائة لألف في الآية السابقة {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) } [الأنفال: ٦٥] ، إلى مصابرة المائة بمائتين، والألف من المسلمين لألفين من الكفار {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦) } [الأنفال: ٦٦] ، فأوجب مصابرة الضعف فقط، وهو أخف من الأول.
-
٢ - النسخ إلى المساوي: وهو نسخ الحكم إلى حكم آخر يساويه في التخفيف والتغليظ، كنسخ استقبال بيت المقدس بالكعبة.
-
وهذان النوعان متفق عليهما.
-
٣ - النسخ إلى الأثقل: وهو أن ينسخ الحكم إلى حكم آخر أثقل منه على المكلف، أو أشد منه، أو أغلظ، وهذا مختلف فيه.
-
فقال الجمهور بجوازه (١) كالعكس؛ لأن التكليف يرد على حسب ما يعلم اللَّه تعالى من المصالح للمكلف، وقد تكون المصلحة تارة في الأخف، وتارة في الثقل، والدليل على جوازه وقوعه فعلًا في الشرع، مثل الكف عن الكفار كان واجبًا بقوله تعالى: {وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: ٤٨] ، ثم نسخ بإيجاب القتال، وهو أثقل، أي: أكثر مشقة، ولكنه فيه مصلحة أعظم
vol. 2, p. 247بالشهادة والدعوة إلى الإسلام، وحماية الدين والأنفس والأعراض والأموال، ومثل نسخ الإمساك في البيوت للمرأة، والتعنيف للرجل في الزنا بالجلد والرجم (١) ، ومثل نسخ وجوب صوم عاشوراء بصوم رمضان (٢) ، ومثل نسخ التخيير الذي كان في أول الإسلام بين الصوم والفدية بالمال بفرضية الصيام على قول (٣) ، ومثل نسخ تحليل الخمر بتحريمها، ونسخ نكاح المتعة بعد تجويزها على القول بأن ذلك نسخ.
- (١)نسب بعض العلماء للشافعي بالمنع استنادًا إلى عبارته في "الرسالة": "إنَّ اللَّه فرض فرائض أثبتها، وأخرى نسخها رحمة وتخفيفًا لعباده" قال ابن برهان وغيره: وهذا الفهم ليس بصحيح؛ لأن عبارة الشافعي تطلق على اكثر من النسخ، وأنه لم يقصد ذلك، وإنما ذكره في الفرائض مما لم يلزم فأسقط، وقال الزركشي رحمه اللَّه تعالى: "وليس في ذلك عن الشافعي شيء نقطع به، والظاهر أنه إنما أشار به إلى وجه الحكمة في النسخ، والصحيح الجواز؛ لأن النسخ للابتلاء، وقد يكون لمصلحة، تارة في النقل إلى ما هو أخف، وتارة أشق" (البحر المحيط ٤/ ٩٦).
- (١)انظر: الفصول (٣/ ٧).
- (٢)إن القول بوجوب صوم عاشوراء في أول الإسلام هو قول أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى، وأنه كان واجبًا، ولكن الشافعي وأحمد وغيرهما يقولون: إنه لم يكن واجبًا، وإنما كان متأكد الاستحباب (انظر: شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٥٠) والمراجع المشار إليها فيه كمرقاة المفاتيح (٢/ ٥٥١)، المجموع شرح المهذب (٦/ ٣٦٣)، المغني لابن قدامة (٣/ ١٠٤).
- (٣)وهذا إشارة إلى قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، [البقرة: ١٨٤]، قال سلمة بن الأكوع رضي اللَّه عنه: لما أنزلت هذه الآية كان من أراد أن يفطر يفطر ويفدي، حتى نزلت {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، [البقرة: ١٨٥]، أخرجه البخاري (٤/ ١٦٣٨ رقم ٤٢٣٦) ومسلم (٨/ ٢٠ رقم ١١٤٥).
-
وخالف بعض الظاهرية وبعض الشافعية، وقالوا: لا يجوز النسخ إلى الأثقل والأغلظ والأشد، واستدلوا بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: ١٨٥] وقوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ، بالبقرة: ١٠٦]، ولما فيه من التنفير.
-
ويرد عليهم أن الناسخ والمنسوخ هما من اليسر، أو أن المراد اليسر في الآخرة، بيسر الحساب وتخفيفه، أو أن الأغلظ في الناسخ إنما هو بالنسبة إلى المنسوخ، وهو بالنسبة إلى غيره تخفيف ويسر، كما أن الخير في الآية الثانية ينطبق على أن الناسخ الأغلظ ثوابه أكثر، فهو خير من المنسوخ من هذه الحيثية (٤) .
- (٤)المستصفى (١/ ١٢٠)، الإحكام للآمدي (٣/ ١٣٧)، المعتمد (١/ ٤١٦)، المحصول (٣/ ٤٨٠)، التبصرة ص ٤٥٨، الأحكام لابن حزم (٤/ ٤٦٦)، نهاية السول (٢/ ١٧٧)، المحلي والبناني على جمع الجوامع (٢/ ٨٧)، أصول السرخسي (٢/ ٦٢)، كشف الأسرار (٣/ ١٨٧)، التلويح على التوضيح (٢/ ٣٦)، فواتح الرحموت (٢/ ٧١)، شرح تنقيح = = الفصول ص ٣٠٨، شرح العضد (٢/ ١٩٣)، المسودة ص ٢٠١، روضة الناظر ص ٨٢، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٤٩)، البحر المحيط (٤/ ٩٥)، الفصول (٢/ ٢٢٣)، العدة (٣/ ٧٨٥)، الحاوي للماوردي (٢٠/ ١٣٥)، إرشاد الفحول ص ١٨٨ (٢/ ٥٤٥ ط محققة) أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ٩٦١).
- التقسيم الثاني: أنواع النسخ باعتبار الحكم الشرعي:
-
ينقسم النسخ باعتبار حكمه الشرعي إلى خمسة أنواع، وهي:
١ - نسخ الحكم بدون بدل، وهو ما سبق بيانه في عدم اشتراط البدل، كنسخ تقديم الصدقة بين مناجاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهو نسخ نهائي بلا بدل.
-
٢ - نسخ الوجوب إلى الندب، كنسخ ثبات الواحد للعشرة إلى ثباته للاثنين، ولكن ثباته للعشرة يبقى مندوبًا، ونسخ وجوب قيام الليل فصار مندوبًا.
-
٣ - نسخ الوجوب إلى الإباحة، كترك المباشرة بالليل للصائم بعد النوم، فصار مباحًا.
-
٤ - نسخ التحريم إلى الإباحة، كنسخ تحريم زيارة القبور، وأصبحت مباحة، أو مندوبة أحيانًا، ونسخ تحريم ادّخار لحوم الأضاحي إلى إباحته.
-
٥ - نسخ التخيير بين شيئين بإسقاط أحدهما وانحتام الآخر، كالتخيير في رمضان في أول الإسلام بين الصيام والفدية على قول ذكرناه سابقًا إلى انحتام الصوم (١) .
- (١)البحر المحيط (٤/ ٩٧)، الحاوي الكبير للماوردي (٢٠/ ١٣٥).
- التقسيم الثالث: أنواع النسخ باعتبار قوة الدليل الناسخ:
-
ينقسم النسخ باعتبار قوة الدليل الناسخ إلى ثلاثة أنواع، وهي:
١ - الناسخ والمنسوخ متساويان في القوة؛ وذلك كنسخ القرآن بالقرآن، ونسخ الحديث المتواتر بالحديث المتواتر، ونسخ خبر الآحاد بخبر الآحاد، وهذا باتفاق، وسوف نفصل ذلك في الحالات.
-
أما الإجماع فلا يُنسخ بالإجماع، والقياس لا يُنسخ بالقياس عند جماهير العلماء.
- vol. 2, p. 249
٢ - الناسخ أقوى من المنسوخ: يجوز نسخ الآحاد بالمتواتر، ويجوز نسخ السنة بالقرآن عند الجمهور خلافًا للشافعي رحمه اللَّه تعالى؛ لأنه ينكر نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن كما سنبين.
-
٣ - الناسخ أضعف من المنسوخ: لا يصح النسخ بالأضعف في الجملة، أما في التفصيل فقال بعض العلماء بصحته ووقوعه، كنسخ الخبر المتواتر بالحديث المشهور عند الحنفية، ونسني القرآن بالسنة، ونسخ المتواتر بالآحاد عند الأكثرين (١) ، وسنذكر تفصيل ذلك مع الأمثلة.
- (١)الرسالة ص ١٠٦، المستصفى (١/ ١٢٤)، المعتمد (١/ ٤٢٢)، البرهان (٢/ ١٣٠٧)، الإحكام للآمدي (٣/ ١٤٦)، الإحكام لابن حزم (٤/ ٤٧٧)، المحصول (٣/ ٤٩٥)، البحر المحيط (٤/ ١٠٨)، الفصول (٢/ ٣٢٣، ٣٤٢)، أصول السرخسي (٢/ ٦٧)، كشف الأسرار (٣/ ١٧٥)، فواتح الرحموت (٢/ ٧٦)، شرح تنقيح الفصول ص ٣١١، العدة (٢/ ٨٠٢)، المسودة ص ٢٠٥، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٥٩)، نهاية السول (٢/ ١٨١)، إرشاد الفحول ص ١٩٠، (٢/ ٥٥٣ ط محققة)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي ٢/ ٩٦٣، أصول الأحكام ص ٣٥٤.
- التقسيم الرابع: أنواع النسخ بالنسبة للتلاوة والحكم:
-
ينقسم نسخ القرآن بالقرآن باعتبار التلاوة والحكم بحسب كيفية وقوع النسخ، إلى ثلاثة أنواع، وهي:
١ - نسخ التلاوة والحكم: يجوز نسخ تلاوة آية ونسخ حكمها معًا، ودليله نسخ صحف إبراهيم ومن تقدم من الرسل عليهم السلام، فكانت نازلة تقرأ ويعمل بها، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) } [الشعراء: ١٩٦] ، وقال تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: ١٨ - ١٩] ، وقال تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: ٣٦ - ٣٧] ، ثم نسخت ولم يبق منها شيء في أيدينا لا تلاوة ولا عملًا، فيدل على انتساخ التلاوة والحكم معًا.
-
ومثاله في شرعنا ما روته عائشة رضي اللَّه عنها قالت: "كان فيما أنزل من
vol. 2, p. 250القرآن: (عشر رضعات معلومات مُحَرِّمات) ثم نُسِخْنَ بخمس معلومات " (١) ، فلم يبق هذا اللفظ في القرآن تلاوة، ونسخ حكم العشر، ولذلك يجوز للمحدث مسُّ ما نسخ لفظه، ويجوز للجنب والحائض قراءته (٢) .
- (١)هذا الحديث أخرجه مسلم (١٠/ ٢٩ رقم ١٤٥٢) وأبو داود (١/ ٤٧٦) ومالك (الموطأ ص ٣٧٦) والترمذي والدارمي.
- (٢)انظر: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، لمكي بن أبي طالب ص ٤٤، ٤٥، ٦٠، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٥٧)، الحاوي للماوردي (٢٠/ ١٣٤)، والمراجع التي سترد في النوع الثالث.
-
٢ - نسخ الحكم دون التلاوة: يجوز نسخ الحكم لإنهاء العمل به، مع بقاء الآية المنسوخة تُتلى في القرآن، وبقي اللفظ، وله حكم آيات القرآن في التلاوة، مثل آية المناجاة والصدقة بين يديها، ولم يعمل بهذه الآية المنسوخة قبل نسخها إلا علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه، ومثل الاعتداد في الوفاة بالحول الذي نسخ باعتداد بأربعة أشهر وعشر، ونسخ الوصية للوالدين والأقربين بآيات الميراث، ونسخ حبس المرأة في البيت وإيذاء الرجل باللسان في حد الزنا بآية الجلد والرجم.
-
والفائدة من بقاء التلاوة لمعرفة تاريخ التشريع، والتدرج في الأحكام، وللإعجاز بنظم المنسوخ لغيره من الآيات.
-
٣ - نسخ التلاوة دون الحكم: يجوز نسخ تلاوة كلمات أنزلت في القرآن مع بقاء حكمها الذي دلت عليه الكلمات المنسوخة، ومثاله ما رواه عمر رضي اللَّه عنه أنه قال: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أو يقول قائل: لا نجدُ حدَّين في كتاب اللَّه، فلقد رجم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب اللَّه، لأثبتها (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) فإنا قد قرأناها " (٣) ، وفي رواية الصحيحين عن عمر رضي اللَّه عنه أنه قال: " كان فيما أُنزل آيةُ الرجم، فقرأناها وعقلناها، ورجم رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده" (٤) ، ولذلك أجمع العلماء على أن حد المحصن الرجم، فهذا الحكم باق، واللفظ مرتفع؛ لرجم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -
vol. 2, p. 251ماعزًا (١) ، والغامدية (٢) ، واليهوديين " (٣) ، والمنسوخ يثبت بخبر الآحاد، ولا يشترط فيه التواتر (٤) .
- (٣)هذا الحديث أخرجه مالك والشافعي وابن ماجه (٢/ ٨٥٣).
- (٤)هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
- (١)هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والإمام أحمد عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي اللَّه عنهما.
- (٢)هذا الحديث أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد عن بريدة رضي اللَّه عنه.
- (٣)حديث رجم اليهوديين أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما.
- (٤)المستصفى (١/ ١٢٣)، الإحكام للآمدي (٣/ ١٤١)، المحصول (٣/ ٤٨٣)، البحر المحيط (٤/ ٩٧، ١٠٣)، كشف الأسرار (٣/ ١٨٨)، فتح الغفار (٢/ ١٣٤)، فواتح الرحموت (٢/ ٧٣)، أصول السرخسي (٢/ ٧٨)، شرح العضد على ابن الحاجب (٢/ ١٩٤)، التلويح على التوضيح (٢/ ٣٦)، شرح تنقيح الفضول ص ٣٠٩، شرح الكوكب المنير (٣/ ٥٥٣)، المسودة ص ١٩٨، العدة (٣/ ٧٨٠)، الحاوي (٢٠/ ١٣٤)، إرشاد الفحول ص ١٨٩ (٢/ ٥٤٨ ط محققة)، روضة الناظر ص ٧٤، الفصول في الأصول (٢/ ٢٥١)، أصول الفقه الإسلامي، الزحيلي (٢/ ٩٧٨)، أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤١٤)، فتح القدير للشوكاني (١/ ٢٥٩).