ثانيا: حكم التقليد في الفروع العملية

8 paragraphs · vol. 2, p. 364

  1. اختلف العلماء في حكم التقليد في الفروع العملية، وهي المسائل الفقهية الجزئية على عدة أقوال، أهمها ثلاثة، وهي:

    القول الأول: التقليد غير جائز في الفروع العملية، ويجب فيها الاجتهاد على كل مكلف ليعمل بما أداه إليه اجتهاده، بحسب قدرته، وهو قول الظاهرية وبعض المعتزلة، وجماعة من الإمامية؛ لأن المسلم مأمور باتباع ما أنزل اللَّه في كتابه، والأخذ بقول رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجوز ما عدا ذلك.

    vol. 2, p. 364
  2. وهذا كلام نظري خيالي، فكلام اللَّه وكلام الرسول يحتاج إلى اجتهاد لفهم مراده ومعناه، ولا يقدر عليه كل أحد، وأن جماهير الصحابة رضي اللَّه عنهم كانوا يسألون كبار الصحابة وعلماءهم ويقتدون بهم.

  3. القول الثاني: التقليد واجب على جميع الناس بعد زمن الأئمة المجتهدين، وأن النظر والاجتهاد غير جائز، لغلق باب الاجتهاد، وعدم توفر

    vol. 2, p. 365شروطه، وهذا ثبت بطلانه في الفصل السابق.

  4. القول الثالث: التفصيل بين المجتهد والعامي، فيحرم التقليد على المجتهد؛ لأنه أهل للاجتهاد والنظر، ويجب التقليد على العامي الذي لم تتوفر فيه أهلية الاجتهاد، ولو كان عالمًا، وهو رأي أكثر أتباع المذاهب الأربعة، ومعظم المحققين (١) ، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، أهمها:

    [١ - الكتاب]

    قال اللَّه تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣) } [النحل: ٤٣] ، فهذا نص عام، ويتكرر بتكرر الشرط، وعلة الأمر بالسؤال: الجهل، فيجب السؤال في كل أمر لا يُعلم.

    1. (١)قال ابن قدامة رحمه اللَّه تعالى: "وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعًا"، الروضة، له ص ٣٨٣.
  5. [٢ - الإجماع]

  6. أجمع الصحابة والتابعون على إقرار ما يعمله العلماء في عصرهم من جواب أسئلة العوام عن حكم الحوادث والقضايا والأحكام الشرعية، وكان العوام يقلدون العلماء من غير إبداء مستند أو دليل، ولم ينكر أحد على ذلك، ولا يلزم ذلك في التوحيد والعقائد والأصول العامة؛ ليسره وقلته.

  7. [٣ - المعقول]

  8. لم يرد في الشرع إيجاب الاجتهاد أو بلوغ رتبة الاجتهاد على جميع المسلمين؛ لأن ذلك يفرض تفرغ جميع الأمة لطلب العلم والوصول إلى رتبة الاجتهاد، مما يؤدي إلى خراب الدنيا، بترك المعايش والصنائع وسائر العلوم الأخرى، وهو تكليف بما لا يطاق، ولذلك كان التخصص بالعلم الشرعي أو غيره فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، ويسأل غيرُ المتخصصين العلماء المتخصصين، ويقبلون قولهم، ويقلدونهم، ولأن العامِّي إذا اجتهد فهو أقرب للخطأ؛ لعدم أهليته.