الحالة الأولى: التعارض بين النصوص عند الجمهور

13 paragraphs · vol. 2, p. 416

  1. إذا تعارض نصان -بحسب الظاهر- عند المجتهد، فيجب عليه البحث والاجتهاد لدفع التعارض، وللوقوف على حقيقة المراد منهما تنزيهًا للشارع الحكيم عن التناقض في تشريعه، وذلك وفق المنهج التالي:

    [١ - الجمع بين النصين]

    vol. 2, p. 416
  2. إذا تعارض نصان بحسب الظاهر، فيعمل المجتهد للجمع، أي: للتوفيق بين النصين بوجه مقبول شرعًا، قبل الترجيح لأحدهما؛ لأنَّ العمل بالدليلين

    vol. 2, p. 417ولو من بعض الوجوه خير من العمل بأحدهما وإهمال الآخر؛ لأن الأصل في الدليلين إعمالهما، وعند الجمع بين الدليلين يزول التعارض الظاهري، وكان هذا بيانًا للمراد من النصين؛ لأنه لا تعارض في الحقيقة بينهما، حتى لو كان أحد الدليلين من السنة، والآخر من الكتاب على الأصح.

  3. ويمكن الجمع بين الدليلين والعمل بهما معًا بطرق كثيرة، كأن يكون أحدهما عامًّا والآخر خاصًّا، أو أحدهما مطلقًا والآخر مقيدًا، أو أحدهما حقيقة والآخر مجازًا، وسبق بيان ذلك في الدلالات، وكما سبق كثير من الأمثلة في طريقة الحنفية في الجمع بين النصوص.

  4. ويمكن الجمع بين الدليلين والعمل بهما معًا بالتبعيض، وذلك في حالات ثلاث:

    أ- أن يكون حكم كل من الدليلين المتعارضين قابلًا للتبعيض، فالعمل بهما متعذر، فيعمل بهما من بعض الوجوه، فيكون قد عمل بكل واحد في بعض الحكم، كوضع اليد من اثنين على دار، فتقسم بينهما.

  5. ب- أن يكون حكم كل واحد من الدليلين متعددًا، بأن يحتمل أحكامًا كثيرة، فيعمل بالدليلين، بأن يثبت بكل واحد منهما بعض الأحكام، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاةَ لجارِ المسْجد إلا في المسجد" (١) ، فإنه معارض لتقريره - صلى الله عليه وسلم - لمنْ صلى في غير المسجد مع كونه جارًا (٢) ، فهذان الحديثان يشتملان على أحكام متعددة، فالحديث الأول يحتمل نفي الصحة ونفي الكمال ونفي الفضيلة، والحديث الثاني يحتمل ذلك أيضًا، فيحمل الأول على نفي الكمال، والثاني يحمل على الصحة.

    1. (١)هذا حديث ضعيف، وقيل: صح من قول علي رضي اللَّه عنه (أسنى المطالب ص ٢٥٧).
    2. (٢)قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجلين لم يصليا معه: "إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة" وفي ذلك أحاديث أخرى، روأها أبو داود (١/ ١٣٦) والنسائي (٢/ ٨٥، ٨٦، ٨٧) وأحمد (٤/ ١٦١).
  6. جـ- أن يكون حكم كل من الدليلين عامًّا، أي: متعلقًا بأفراد كثيرة،

    vol. 2, p. 418فيجمع بينهما بأن يعمل بهما معًا بتوزيعها على الأفراد، فيتعلق حكم أحدهما بالبعض، ويتعلق حكم الآخر بالبعض الآخر، مثاله الحديث السابق "خيرُ الشهود" مع حديث "يشهدون قبل أن يُسْتشهدوا" ومثل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: ٢٣٤] ، مع قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: ٤] ، فتحمل الأولى على بعض الأفراد، وهن المتوفى عنهن أزواجهن غير الحاملات، وتحمل الثانية على الحاملات.

  7. ومثله قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: ١٨٠] ، مع قوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} إلى آخر آيات المواريث، [النساء: ١١ - ١٢، ١٧٦] ، فالآية الأولى توجب الوصية للوالدين والأقارب بالمعروف، والآية الثانية توجب للوالدين والأقارب حقًّا من التركة بوصية اللَّه تعالى، لا بوصية المورث، فهما متعارضتات ظاهرًا، ويمكن التوفيق بينهما بالجمع بأن يراد بآية سورة البقرة الوالدان والأقربون الذين منعوا من الإرث بسبب كاختلاف الدين، أو حجبوا باقرب كالإخوة بالأبناء، والجد بالأب، والآية الثانية يراد بها الوالدان والأقربون الوارثون فعلًا.

  8. [٢ - الترجيح بين الدليلين]

  9. إذا تعذر الجمع بين الدليلين فذهب الجمهور إلى العمل لترجيح أحد الدليلين على الآخر بأحد المرجحات التي سنذكرها، أو سبق بيانها عند الحنفية، ويعمل المجتهد بما اقتضاه الدليل الراجح.

  10. [٣ - النسخ]

  11. إذا تعذر الجمع بين الدليلين، أو ترجيح أحدهما، لجأ المجتهد إلى طريقة النسخ، إذا كان مدلولهما قابلًا للنسخ، وعلم تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، فيكون المتاخر ناسخًا للمتقدم، كما سبق في مبحث النسخ.

  12. [٤ - تساقط الدليلين]

  13. إذا تعذرت الوجوه السابقة في دفع التعارض من الجمع أو الترجيح أو

    vol. 2, p. 419النسخ، صار الدليلان متعارضين، فيترك العمل بهما معًا، ويبحث المجتهد عن دليل آخر، وكأن الواقعة لا نص فيها، قال الشيخ عبد الرحمن خلاف رحمه اللَّه تعالى: "وهذه صورة فرضية لا وجود لها" (١) .

    1. (١)علم أصول الفقه، له ص ٢٣٢.