الباب الأول في الاستثناء

19 paragraphs · vol. 3, p. 25

  1. القسم الثالث فيما يقتضي تخصيص العموم والكلام في هذا القسم يقع في أطراف أربعة أحدها الأدلة المتصلة المخصصة وثانيها الأدلة المنفصلة المخصصة وثالثها بناء العام على الخاص ورابعها ما يظن أنه من مخصصات العموم وليس كذلك القول في الأدلة المتصلة وفيه أربعة أبواب الباب الأول في الاستثناء وفيه مسائل

    vol. 3, p. 27المسألة الأولى الاستثناء إخراج بعض الجملة من الجملة بلفظ إلا أو ما أقيم مقامه أو يقال ما لا يدخل في الكلام إلا لإخراج بعضه بلفظه ولا يستقل بنفسه والدليل على صحة هذا التعريف أن الذي يخرج بعض الجملة عنها إما أن يكون معنويا كدلالة العقل والقياس وهذا خارج عن هذا التعريف وإما أن يكون لفظيا وهو إما أن يكون منفصلا فيكون مستقلا بالدلالة وإلا كان لغوا وهذا أيضا خارج عن هذا الحد أو متصلا وهو إما التقييد بالصفة أو الشرط أو الاستثناء أو الغاية إما التقييد بالصفة فالذي خرج لم يتناوله لفظ التقييد بالصفة لأنك إذا قلت أكرمني بنو تميم الطوال خرج منهم القصار ولفظ الطوال

    vol. 3, p. 28لم يتناول القصار بخلاف قلولنا عن أكرمني بنو تميم إلا زيدا من فإن الخارج وهو زيد تناولته صيغة الاستثناء وهذا هو الاحتراز عن التقييد بالشرط وأما التقييد بالغاية فالغاية قد تكون داخلة كما في قوله تعالى إلى المرافق بخلاف الاستثناء فثبت أن التعريف المذكور للاستثناء منطبق عليه المسألة الثانية يجب أن يكون الاستثناء متصلا بالمستثنى منه عادة واحترزنا بقولنا

    vol. 3, p. 25
  2. عادة عما إذا طال الكلام فإن ذلك لا يمنع من اتصال الاستثناء وكذلك قطع الكلام بالنفس والسعال لا يمنع من اتصاله به وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه جوز الاستثناء المنفصل وهذه الرواية إن صحت فلعل المراد منها ما إذا نوى الاستثناء متصلا بالكلام ثم أظهر نيته بعده فإنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى فيما نواه

    vol. 3, p. 29لنا وجهان الأول لو جاز تأخير الاستثناء لما استقر شئ من العقود من الطلاق والعتاق ولم يتحقق الحنث أصلا لجواز أن يرد عليه الاستثناء فيغير حكمه الثاني نعلم بالضرورة أن من قال لوكيله اليوم بع داري من أي شخص كان ثم قال بعد غد إلا من زيد فإن أهل العرف لا يجعلون الاستثناء عائدا إلى ما تقدم احتجوا بأنه يجوز تأخير النسخ والتخصيص فكذا الاستثناء والجواب أنه يبطل بالشرط وخبر المبتدأ ثم نطالبهم بالجامع والله أعلم

    vol. 3, p. 30المسألة الثالثة استثناء الشئ من غير جنسه باطل على سبيل الحقيقة وجائز على سبيل

  3. المجاز والدليل الأول أن الاستثناء من غير الجنس الأول لو صح لصم إما من اللفظ أو من المعنى والأول باطل لأن اللفظ الدال على الشئ فقط غير داعلى ما يخالف جنس مسماه واللفظ إذا لم يدل على شئ لا يحتاج إلى صارف يصرفه عنه والثاني أيضا باطل لأنه لو جاز حمل اللفظ على المعنى المشترك بين

    vol. 3, p. 31مسما وبين المستثنى ليصح الاستثناء لجاز استثناء كل شئ من كل شئ لأن كل شيئين لا بد وأن يشتركا في بعض الوجوه فإذا حمل المستثنى على ذلك المشترك صح الاستثناء ولما علمنا أن العرب لم يصححوا استثناء كل شئ من كل شئ علمنا بطلان هذا القسم احتجوا بالقرآن والشعر والمعقول

    vol. 3, p. 32أما القرآن فخمس آيات إحداها قوله عز وجل وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ وثانيها قوله تعالى فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس وهو ما كان

  4. منهم بل كان من الجن وثالثها قوله تعالى لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ورابعها قوله تعالى مالهم به من علم إلا اتباع الظن والظن ليس من جنس العلم وخامسها قوله تعالى لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما والسلام ليس من جنس اللغو

    vol. 3, p. 33وأما الشعر فقوله وبلدة ليس بها أنيس * إلا اليعافير والا العيس في

    vol. 3, p. 34وقول النابغة وما بالدار من أحد إلا أواري * والأواري ليس من جنس الأحد وقفت فيها أصيلانا أسائلها * عيت جوابا وما بالربع من أحد إلا أوارى لأيا من أبينها * والنؤى كالحوض بالمطلومة بن الجلد

    vol. 3, p. 35وأما المعقول فهو أن الاستثناء تارة يقع عما يدل اللفظ عليه دلالة المطابقة أو التضمن وتارة عما يدل عليه دلالة الالتزام فإذا قال لفلان علي الف دينار إلا ثوبا فمعناه إلا قيمة ثوب

  5. والجواب أما قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ فجوابه أن إلا ها هنا بمعنى لكن أو يقال وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا إذا أخطأ فغلب على ظنه أنه ليس من المؤمنين إما بأن يختلط بالكفار فيطن الرجل أنه منهم أو بأن يراه من بعيد فيظنه صيدا أو حجرا وأما قوله تعالى إلا إبليس فقيل إنه كان من الملائكة ولابد من الدلالة على أن كونه من الجن ينفي كونه من الملائكة سلمنا أنه ليس من الملائكة لكن إنما حسن الاستثناء لأنه كان مأمورا بالسجود كما أن الملائكة كانوا مأمورين بذلك فكأنه قال فسجد

    vol. 3, p. 36المأمورون بالسجود إلا إبليس وأما قوله تعالى إلا أن تكون تجارة إلا اتباع الظن فقد اتفقت النحاة على أنه ليس باستثناء ثفسره البصريون بقولهم ولكن اتباع الظن والكوفيون بقولهم سوى اتباع الظن والجواب عن الشعر أن الأنيس سواء فسرناه بالمؤنس هذه أو بالمبصر أمكن إدخال اليعافير والعيس فيه

    vol. 3, p. 37وعن الثالث أنه لو صح الاستثناء من المعنى لزم صحة استثناء كل شئ من كل شئ على ما بيناه والله أعلم المسألة الرابعة

  6. أجمعوا على فساد الاستثناء المستغرق ثم من الناس من قال شرط المستثنى أن لا يكون أكثر أكثر مما بقي بل يجب أن يكون مساويا أو أقل وقال القاضي بل شرطه أن لا يكون أكثر ولا مساويا سنة بل أقل ويدل على فساد القولين أن الفقهاء أجمعوا على أن من قال لفلان علي عشرة إلا تسعة يلزمه واحد ولولا أن هذا الاستثناء صحيح لغة وشرعا وإلا لمكن كذلك ويدل على فساد اقول الثاني خاصة قوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وقال حكاية عن إبليس لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين فلو كان المستثنى أقل من المستثنى منه لزم في أتباع إبليس وفي المخلصين أن يكون كل واحد

    vol. 3, p. 38منهما أقل من الآخر وذلك محال حجة القاضي رحمه الله أن المقتضى لفساد الاستثناء قائم وما لأجله ترك العمل به في الأقل غير موجود في المساوي والأكثر فوجب أن يفسد الاستثناء في المساوي والأكثر بيان مقتضى الفساد أن الاستثناء بعد المستثنى منه إنكار بعد الإقرار وإنه غير مقبول بيان الفارق أن الشئ القليل يكون في معرض النسيان لقلة التفات النفس إليه والكثير يكون متذكرا محفوظا لكثرة التفات القلب إليه فإذا أقر بالعشرة فربما كانت تلك العشرة بنقصان شئ قليل وإن كانت تامة لكنه أدى منها شيئا قليلا ثم إنه نسي ذلك القدر لقلته فلا جرم

  7. أقر بالعشرة الكاملة ثم إنه بعد الإقرار تذكر ذلك القدر فوجب أن يكون متمكنا من استدراكه فلأجل هذا شرعنا استثناء الأقل من الأكثر ولم يوجد هذا المعنى في استثناء المثل أو الأكثر لما ذكرنا أن الكثرة مظنة الذكر وإذا ظهر الفارق بقي المقتضي سليما عن المعارض والجواب عندنا أن الاستثناء مع المستثنى منه كاللفظ الواحد الدال على ذلك

    vol. 3, p. 39القدر وعلى هذا الفرض يسقط ما ذكرتم والله أعلم المسألة الخامسة الاستثناء من الإثبات نفي ومن النفي إثبات مثال الأول قوله تعالى فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ومثال الثاني قوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك وزعم أبو حنيفة رحمه الله إن الاستثناء من النفي لا يكون إثباتا قال لأن بين الحكم بالنفي وبين الحكم بالإثبات واسطة وهي عدم الحكم فمقتضى الاستثناء بقاء المستثنى غير محكوم عليه لا بالنفي ولا بالإثبات لنا لو لم يكن الاستثناء في النفي إثباتا لما كان قولنا لا إله إلا الله موجبا ثبوت الإلهية لله جل جلاله بل كان معناه نفي الإلهية عمرو عن غيره وأما ثبوت الإلهية له فلا ولو كان كذلك لما تم الإسلام ولما كان ذلك باطلا علمنا أنه يفيد الإثبات

  8. احتج أبو حنيفة رحمه الله بقوله ص لا نكاح إلا بولي ولا

    vol. 3, p. 40صلاة إلا بطهور ولم يلزم منه تحقق النكاح عند حضور الولي ولا تحقق الصلاة عند حضور الوضوء بل يدل على عدم صحتهما عند عدم هذين الشرطين والله أعلم

    vol. 3, p. 41المسألة السادسة الاستثناآت إذا تعددت فإن كان البعض معطوفا على البعض بحرف العطف كان الكل عائدا إلى المستثنى منه كقولك لفلان عندي عشرة إلا أربعة وإلا خمسة وإن لم يكن كذلك فالاستثناء الثاني إن كان أكثر من الأول أمساويا له عاد إلى الأول كقوله لفلان علي عشرة إلا أربعة إلا خمسة وإن كان أقل من الأول كقولك لفلان علي عشرة إلا خمسة إلا أربعة فالاستثناء الثاني إما أن يكون عائدا إلى الاستثناء الأول فقط أو إلى المستثنى منه فقط أو إليهما معا أولاإلى أحد منهما والأول هو الحق والثاني باطل لأن القريب إن لم يكن أولى من البعيد فلا أقل من المساواة والثالث أيضا باطل لوجهين أحدهما أن المستثنى منه مع الاستثناء ألأول لا بد وأن يكون أحدهما نفيا

  9. والآخر إثباتا فالاستثناء الثاني لو عاد إليهما معا والاستثناء من النفي إثبات

    vol. 3, p. 42ومن الإثبات نفي فيكون الاستثناء الثاني قد نفى عن أحد الأمرين السابقين عليه ما أثبته للآخر فينجبر النقصان بالزيادة ويبقى ما كان حاصلا قبل الاستثناء الثاني فيصير الاستثناء الثاني لغوا وثانيهما أن الاستثناء الثاني لو رجع إلى الاستثناء الأول والمستثنى منه معا لزم أن يكون نفيا وإثباتا معا وهو محال فإن قلت النفي والإثبات إنما يتنافيان لو رجعا إلى شئ واحد من وجه واحد فأما عند رجوعهما إلى شيئين فلا يتنافيان قلت لنفرض قبل أنه قال علي عشرة إلا اثنين إلا واحدا فالاستثناء الثاني لما رجع إلى المستثنى منه أخرج منه درهما آخر ولما رجع إلى الاستثناء الأول اقتضى ذلك إثبات ذلك الدرهم المستثنى منه فيكون ذلك الاستثناء نفيا وإثباتا من المستثنى منه وهو محال أما الرابع وهو أن لا يرجع الاستثناء الثاني إلى الاستثناء الأول ولا إلى المستثنى منه فهو باطل بالاتفاق

    vol. 3, p. 43المسألة السابعة الاستثناء المذكور عقيب جمل كثيرة هل يعود إليها باسرها أم لا مذهب الشافعي رضي الله عنه وأصحابه عوده إلى الكل ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله عليه وأصحابه اختصاصه بالجملة الأخيرة

  10. وذهب القاضي منا والمرتضى من الشيعة إلى التوقف إلا أن المرتضى توقف للاشتراك والقاضي لم يقطع بذلك أيضا ومنهم من فصل القول فيه وذكروا وجوها وأدخلها في التحقيق ما قيل إن الجملتين من الكلام إما أن يكونا من نوع واحد أو يكونا من نوعين فإن كان الأول فإما أن تكون إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى أو لا تكون كذلك

    vol. 3, p. 44فإن كان الثاني فإما أن يكونا مختلفي الاسم والحكم أو متفقي الاسم مختلفي الحكم أو مختلفي الاسم متفقي الحكم فالأول كقولك أطعم ربيعة واخلع على مضر إلا الطوال والأظهر ها هنا اختصاص الاستثناء بالجملة الأخيرة لأن الظاهر أنه لم ينتقل من الجملة المستقلة بنفسها إلى جملة أخرى مستقلة بنفسها إلا وقد تم غرضه من الجملة الأولى ولو كان الاستثناء راجعا إلى جميع الجمل لم يكن قد تم مقصوده من الجملة الأولى وأما الثاني فكقولنا أطعم ربيعة واخلع على ربيعة إلا الطوال وأما الثالث فكقولنا أطعم ربيعة وأطعم مضر إلا الطوال والحكم هاهنا أيضا كما ذكرنا لأن كل واحدة من الجملتين مستقلة فالظاهر أنه لم ينتقل من إحداهما إلا وقد تم غرضه بالكلية منها وأما إن كانت إحدى الجملتين متعلقة بالأخرى فإما أن يكون حكم الأولى مضمرا في الثانية كقوله أكرم ربيعة ومضر الطوال أو اسم الأولى

  11. مضمرا يحيى في الثانية كقوله أكرم ربيعة واخلع عليهم إلا الطوال

    vol. 3, p. 45فالاستثناء في هذين القسمين راجع إلى الجملتين لأن الثانية لا تستقل إلا مع الأولى فوجب رجوع حكم الاستثناء إليهما وأما إن كانت الجملتان نوعين من الكلام فإما أن تكون القضية واحدة أو مختلفة فإن كانت مختلفه فهو كقولنا أكرم ربعة والعلماء هم المتكلمون إلا أهل البلدة الفلانية فالاستثناء فيه يرجع إلى ما يليه لاستقلال كل واحدة من تلك الجملتين بنفسها وأما إن كانت القضية واحدة فهو كقوله تعالى والذين يرمون المحصنات فالقضية واحدة وأنواع الكلام مختلفة فالجملة الأولى أمر والثانية نهي والثالثة خبر فالاستثناء فيها يرجع إلى الجملة الأخيرة لاستقلال كل واحدة في تلك الجمل بنفسها والإنصاف أن هذا التقسيم حق لكنا إذا أردنا المناظرة اخترنا التوقف لا بمعنى دعوى الاشتراك بل بمعنى أنا لا نعلم حكمه في اللغة ماذا وهذا هو اختيار القاضي

    vol. 3, p. 46واحتج الشافعي رضي الله عنه بوجوه أولها أن الشرط متى تعقب جملا عاد إلى الكل فكذا الاستثناء والجامع أن كل واحد منهمم لا يستقل بنفسه وأيضا فمعناهما واحد لأن قوله تعالى في آية القذف إلا الذين

  12. تابوا جار مجرى قوله وأولئك هم الفاسقون إن لم يتوبوا ويقرب من هذا الدليل قولهم أجمعنا على أن الاستثناء بمشيئة الله تعالى عائد إلى كل الجمل فالاستثناء بغير المشيئة يجب ان يكون كذلك وثانيها أن حرف العطف يصير الجمل المعطوف بعضها على بعض في حكم الجملة الواحدة لأنه لا فرق بين أن تقول رأيت بكر بن خالد وبكر بن عمرو وبين أن تقول رأيت البكرين وإذا كان الاستثناء الواقع عقيب الجملة الواحدة راجعا إليها فكذا ما صار بحكم العطف كالجملة الواحدة

    vol. 3, p. 47وثالثها أنه تعالى لو قال فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون (إلا الذين تابوا) لكان ركيكا جدا فبتقدير أن يريد الاستثناء عن كل الجمل لا طريق له إلى ذلك إلا بذكر الاستثناء عقيب الجملة الأخيرة ففي هذه الصورة يكون الاستثناء راجعا إلى كل الجمل والأصل في الكلام الحقيقة وإذا ثبت كونه حقيقة في هذه الصورة كان كذلك في سائر الصور دفعا للاشتراك ورابعها لو قال لفلان علي خمسة وخمسة إلا سبعة كان الاستثناء ها هنا

  13. عائدا إلى الجملتين والأصل في الكلام الحقيقة وإذا ثبت ذلك في هذه الصورة فكذا في غيرها دفعا للاشتراك

    vol. 3, p. 48واحتج أبو حنيفة رحمة الله عليه بوجوه أحدها أن الدليل ينفي اعتبار الاستثناء تركنا العمل به في الجملة الواحدة فيبقى العمل بالباقي في سائر الجمل بيان النافي أن الاستثناء يقتضي إزالة العموم عن ظاهره وهو خلاف الأصل بيان الفارق أن الاستثناء لا استقلال له بالدلالة على الحكم فلا بد من تعليقه بشئ لئلا يصير لغوا وتعليقه بالجملة الواحدة يكفي في خروجه عن اللغوية فحاجة إلى تعليقه بسائر الجمل وإذا ثبت النافي والفارق ثبت إنه لا يجوز عوده إلى الجمل الكثيرة والخصم قال به فصار محجوجا يبقى أن يقال لم خصصتموه بالجملة الأخيرة فتقول هذا تفريع قولنا ولنا فيه وجهان الوجه الأول اتفاق أهل اللغة على أن للقرب تأثيرا في هذا المعنى ثم يدل عليه أمور أربعة الأول اتفاق أهل اللغة البصريين على أنه إذا اجتمع على المعمول الواحد عاملان فإعمال الأقرب أولى

    vol. 3, p. 49الثاني أنهم قالوا في ضرب زيد عمروا وضربته إن هذه الهاء بأن ترجع إلى عمرو المضروب أولى من أن ترجع إلى زيد الضارب للقرب الثالث أنهم قالو في قولنا ضربت سلمى سعدى إنه ليس في إعراب اللفظ ولا في معناه ما يجعل أحدهما بالفاعلية اولى من الآخر فاعتبروا المجاورة فقالوا الذي يلي الفعل أولى بالفاعلية الرابع أنهم قالوا في قولهم أعطى زيد عمروا بكرا أنه لما احتمل أن يكون وكل واحد من عمر وبكر مفعولا أول وليس في اللفظ ما يقتضي الترجيح وجب اعتبار القرب الوجه الثاني أن كل من صرف الاستثناء إلى جملة واحدة خصصه بالجملة الأخيرة فصرفه إلى غيرها خرق للإجماع فهذا تمام هذه الحجة وثانيهما أن الاستثناء المذكور عقيب الجمل لو رجع إلى جميعها لم يخل إما أن يضمر مع كل جملة استثناء يعقبها أولا يضمر ذلك بل الاستثناء المصرح به في آخر الجمل هو الراجع إلى جميعها

    vol. 3, p. 50والأول باطل لأن الإضمار على خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورة ولا ضرورة ها هنا

  14. والثاني أيضا باطل لأن العامل في نصب ما بعد حرف الاستثناء هو ما قبله من فعل أو تقدير فعل فإذا فرضنا رجوع ذلك الاستثناء إلى كل الجمل كان العامل في نصب المستثنى أكثر من واحد لكن لا يجوز أن يعمل عاملان في إعراب واحد دأما أولا فلأن سيبويه نص عليه وقوله حجة وأما ثانيا فلأنه يجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وهو محال وثالثها أن الاستثناء من الاستثناء مختص بما يليه فكذا في سائر الصور دفعا للاشتراك عن الوضع ورابعها أن الجمل إذا كان كل واحد منها مستقلا بنفسه فالظاهر أنه لم ينتقل عن واحد منها إلى غيره إلا إذا تم غرضه منه لأنه كما أن السكوت يدل على استكمال الغرض المطلوب من الكلام فكذا الشروع في كلام آخر لا تعلق له بالأول يدل على استكمال الغرض من ذلك الأول إذا ثبت هذا فلو حكمنا برجوع الاستثناء ألى كل الجمل المتقدمة

    vol. 3, p. 51نقض ذلك قولنا إنه لما انتقل عن الكلام الأول تم غرضه واحتج الشريف المرتضى على الاشتراك بوجوه أحدها أن القائل اذا قال اضرب غلماني وأكرم جيراني إلا واحدا جاز أن يستفهم المخاطب هل أراد استثناء الواحد من الجملتين أو من الجملة الواحدة والاستفهام دليل الاشتراك

  15. وثانيها أنا وجدنا الاستثناء في القرآن والعربية تارة عائدا إلى كل الجمل وأخرى مختصا بالأخيرة وظاهر الاستعمال دليل الحقيقة فوجب الاشتراك وثالثها أن القائل إذا قال ضربت غلماني وأكرمت جيراني قائما أو في الدار أو يوم الجمعة احتمل فيما ذكره من الحال والظرفين أن يكون المتعلق به جميع الآفعال وأن يكون ما هو أقرب والعلم باحتمال الأمرين من مذهب

    vol. 3, p. 52أهل اللغة ضروري فإذا صح ذلك في الحال والظرفين صح أيضا في الاستثناء والجامع أن كواحد منهما فضلة تأتي بعد تمام الكلام فهذا مجموع أدلة القاطعين أما أدلة الشافعية فالجواب عن الأول أن نمنع الحكم في الأصل وبتقدير تسليمه فنطالب الرحمن بالجامع قوله إنهما يشتركان في عدم الاستقلال واقتضاء التخصيص قلنا لا يلزم من اشتراك شيئين في بعض الوجوه اشتراكهما في كل الاحكام قوله ثانيا معنى الشرط والاستثناء واحد قلنا إن ادعيتم أنه لا فرق بينهما أصلا كان قياس أحدهما على الآخر قياسا للشئ على نفسه وإن سلمتم الفرق طالبناكم بالجامع وبهذين الجوابين نجيب عن الاستدلال بمشيئة الله تعالى والجواب عن الثاني

  16. أنكم إن ادعيتم أنه لا فرق بين الجملة الواحدة وبين الجمل المعطوف بعضها على بعض كان قياس أحدهما على الآخر قياسا للشئ على نفسه وإن سلمتم الفرق طالبناكم بالجامع

    vol. 3, p. 53انه الثالث أنه يمكن رعاية الاختصار بذكر الاستثناء الواحد عقيب الجمل مع التنبيه على ما يقتضي عوده إلى الكل وذلك لا يقدح في الفصاحة وعن الرابع أن هناك إنما رجع إلى الجملتين لأنه لا بد من اعتبار كلام العاقل ولما تعذر رجوعه إلى الجملتين وجب رجوعه إليهما وهذه الضرورة غير حاصلة في سائر المواضع وأما أدلة الحنفية فالجواب عن الآول من وجهين أحدهما أنه ينتقض بالاستثناء بمشيئة الله تعالى وبالشرط فإن ذلك غير مستقل بنفسه مع أنهما يعودان إلى كل الجمل عندهم فإن قلت الفرق هو أن الشرط وأن تأخر صورة فهو متقدم معنى وإذا كان متقدما معنى صار كل ما جاء بعده مشروطا به وأما الاستثناء بالمشيئة فإنه يقتضي صيرورة الكلام بأسره موقوفا فلا يختص بالبعض دون البعض قلت لا نسلم أن الشرط يجب أن يكون مقدما على الكل بل يجوز أن يكون مقدما على الجملة الأخيرة

  17. وإن سلمنا ذلك فلا نسلم أن التقدم يقتضي الرجوع إلى الكل بل لعله يكون مختصا بما يليه

    vol. 3, p. 54وأما الاستثناء بالمشيئة فلم لا يجوز أن لا يقتضي كون الكل موقوفا بل يختص ذلك بالجملة الأخيرة والأصوب للحنفية أن يمنعوا هذين الإلزامين حتى يتم دليلهم ثانيهما أنا لا نسلم أن الاستثناء على خلاف الأصل قوله لأنه يوجب صرف العموم عن ظاهره قلنا لا نسلم لأنا بينا في مسألة ان العام المخصوص بالاستثناء لا يكون مجازا وأن لفظ العموم مع لفظ الاستثناء يصير كاللفظ الواحد الدال على ما بقي بعد الاستثناء وعلى هذا التقدير لا يكون الاستثناء على خلاف الأصل وعن الثاني أنا لا نسلم إنه لا يجوز أن يجتمع على المعمول الواحد عاملان ونص سيبويه على إنه لا يجوز معارض بنص الكسائي على أنه يجوز وقوله يجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان فجوابه أن العوامل الإعرابية معرفات لا مؤثرات واجتماع المعرفين على الواحد غير ممتنع

    vol. 3, p. 55وعن الثالث أن الاستثناء من الاستثناء لو عاد إليه وإلى المستثنى معا لزم الفسادان

  18. المذكوران فيما تقدم وذلك غير حاصل في الاستثناء من الجمل وعن الرابع أن نقول ما تريدون بقولكم إنه لم ينتقل عن إحدى الجملتين إلى غيرها إلابعد فراغه من الأولى إن عنيتم به أنه لم ينتقل منها إلى غيرها إلا بعد فراغه من جميع أحكام الآولى فهذا ممنوع بل هو أول المسألة لأن عندنا من جملة أحكامها ذلك الاستثناء الذي ذكرتموه في آخر الجمل وإن عنيتم شيئا آخر فاذكروه لننظر فيه وأما أدلة الشريف المرتضى فالجواب عن الأول والثاني منها ما تقدم في باب العموم وعن الثالث أنا لا نسلم التوقف في الحال والظرفين بل نخصهما بالجملة الأخيرة على قول أبي حنيفة رحمه الله أو بالكل على قول الشافعي رضي الله عنه

    vol. 3, p. 56سلمنا التوقف لكن لا على سبيل الاشتراك بل على سبيل أنا لا ندري أن الحق ما هو عند أهل اللغه فإن تمسك على الاشتراك بالاستفهام والاستعمال كان ذلك منه عودا إلى الطريقتين الأوليين سلمناه فلم قلتم أنه يجب أن يكون الأمر كذلك في الاستثناء قوله الجامع هو كون كل واحد من هذه الثلاثة فضلة تأتي بعد تمام الكلام

  19. قلنا الاشتراك من بعض الوجوه لا يقتضي التساوي من جميع الوجوه والله أعلم