القسم الثاني في التفريع على وجوب التأسي
5 paragraphs · vol. 3, p. 253
- vol. 3, p. 253
القسم الثاني في التفريع على وجوب التأسي المسألة الأولى لما عرفت أن التأسي مطابقة فعل المتأسى وقال به على الوجه الذي وقع فعله عليه وجب معرفة الوجه الذي يقع عليه فعل الرسول ص وهو ثلاثة الإباحة والندب والوجوب أما الإباحة فتعرف بطرق أربعة أحدها أن ينص الرسول ص على أنه مباح وثانيها أن يقع امتثالا لآية دالة على الإباحة وثالثها أن يقع بيانا لآية دالة على الإباحة
vol. 3, p. 254ورابعها أنه لما ثبت أنه لا يذنب ثبت أنه لا حرج عليه في ذلك الفعل ولا في تركه وانتفى الوجوب والندب بالبقاء على الأصل فحينئذ يعرف كونه مباحا وأما الندب أنه فيعرف بتلك الثلاثة الأول مع أربعة أخرى أحدها
-
أن يعلم من قصده ص أنه قصد القربة بذلك الفعل فيعلم أنه راجح الوجود ثم نعرف انتقاء الوجوب وهو بحكم الاستصحاب فيثبت الندب وثانيها أن ينص على أنه كان مخيرا بين ما فعل وبين فعل ما ثبت أنه ندب لأن التخيير لا يقع بين الندب وبين ما ليس بندب
vol. 3, p. 255وثالثها أن يقع قضاء لعبادة كانت مندوبة ورابعها أن يداوم على الفعل ثم يخل به من غير نسخ فتكون إدامته عليه الصلاة والسلام دليلا على كونه طاعة وإخلاله به من غير نسخ دليلا على عدم الوجوب وأما الوجوب فيعرف بتلك الثلاثة الأول مع خمسة أخرى أحدها الدلالة على أنه كان مخيرا بينه وبين فعل آخر قد ثبت وجوبه لأن التخيير لا يقع بين الواجب وبين مال ليس بواجب وثانيها أن يكون قضاء لعبادة قد ثبت وجوبها وثالثها أن يكون وقوعه مع أمارة قد تقرر في الشريعة أنها أمارة الوجوب كالصلاة بأذان وإقامة
vol. 3, p. 256ورابعها أن يكون جزاء لشرط فوجب كفعل ما وجب بالنذر وخامسها أن يكولو لم يكن واجبا لم يجز كالجمع بين ركوعين في صلاة الكسوف المسألة الثانية في الفعل إذا عارضه معارض منه ص فهو إما أن يكون قولا أو فعلا أما القول فإما أن يعلم أن المتقدم هو القول أو الفعل أو لا يعلم واحد منهما أما القسم الأول وهو أن يكون المتقدم هو القول فالفعل المعارض له إما أن يحصل عقيبه أو متراخيا عنه
vol. 3, p. 257فإن كان متعقبا فإما أن يكون القول متناولا له خاصة أو لأمته خاصة أوله ولهم معا لا يجوز أن يتناوله خاصة إلا على قول من يجوز نسخ الشئ قبل حضور وقته وإن تناول أمته خاصة وجب المصير إلى القول دون الفعل وإلا كان القول لغو ولا يلغو الفعل لأن حكمه ثابت في الرسول ص وإن كان الخطاب يعمه وإياهم دل فعله على أنه مخصوص من القول وأمته داخلة فيه لا محالة وأن كان الفعل متراخيا عن القول فإن كان القول عاما لنا وله صار مقتضاه منسوخا عنا وعنه وإن تناوله دونه كان نسخا عنا دونه لأن القول لم يتناوله
-
وإن تناوله دوننا كان منسوخا عنه دوننا ثم يلزمنا مثل فعله لوجوب التأسي به القسم الثاني أن يكون المتقدم هو الفعل فالقول المعارض له إما أن يحصل عقيبه أو متراخيا عنه فإن كان متعقبا فإما أن يكون القول متناولا له خاصة أو لأمته خاصة أو عاما فيه وفيهم فإن كان متناولا له خاصة وقد كان الفعل المتقدم دالا على لزوم مثله لكل مكلف في المستقبل فيصير ذلك القول المختص به مخصصا له عن ذلك العموم
vol. 3, p. 258وإن كان متناولا لأمته خاصة دل على أن حكم الفعل مختص به دون أمته وإن كان عاما فيه وفيهم دل على سقوط حكم الفعل عنه وعنهم وأما إن كان القول متراخيا عن الفعل فإن كان متناولا له ولأمته فيكون القول ناسخا لحكم الفعل عنه وعن أمته وإن كان يتناول أمته دونه فيكون منسوخا عنهم دونه وإن كان يتناوله دون أمته فيكون منسوخا عنه دون أمته القسم الثالث إذا لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر فها هنا يقدم القول على الفعل ويدل عليه وجهان الأول أن القول أقوى من الفعل والأقوى راجح
-
وإنما قلنا أن القول أقوى لأن دلالة القول تستغني عن الفعل ودلالة الفعل لا تستغني عن القول والمستغنى أقوى من المحتاج
vol. 3, p. 259والثاني أنا نقطع بأن القول قد تناولنا وأما الفعل فبتقدير أن يتأخر كان متناولا لنا وبتقدير أن يتقدم لا يتناولنا فكون القول متناولا لنا معلوم وكون الفعل متناولا لنا مشكوك والمعلوم مقدم على المشكوك فرع نهى رسول الله ص عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة صلى الله عليه وسلم ثم جلس في البيوت لقضاء الحاجة مستقبل بيت المقدس
vol. 3, p. 260فعند الشافعي رضي الله عنه أن نهيه مخصوص بفعله في الصحراء حتى يجوز استقبال القبلة واستدبارها في البيوت لكل أحد
vol. 3, p. 261وعند الكرخي رحمه الله يجب إجراء النهي على إطلاقه في الصحراء والبنيان فكان ذلك من خواص الرسول ص وتوقف القاضي عبد الجبار في المسألة حجة الشافعي رضي الله عنه أن النهي عام ومجموع الدليل الذي يوجب علينا أن نفعل مثل ما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام مع كونه مستقبل القبلة في البنيان عند قضاء الحاجة أخص من ذلك النهي والخاص مقدم على العام فوجب القول بالتخصيص والله أعلم
-
أما إذا كان المعارض للفعل فعلا آخر فذلك على وجهين الأول أن يفعل الرسول ص فعلا يعلم بالدليل أن غيره مكلف به ثم نراه بعد ذلك قد أقر بعض الناس على فعل ضده فنعلم أنه خارج منه الثاني إذا علمنا أن ذلك الفعل إنما يلزم أمثاله الرسول ص في مثل
vol. 3, p. 262تلك الأوقات ما لم يرد دليل ناسخ لم يفعل عليه الصلاة والسلام ضده في مثل ذلك الوقت فنعلم أنه كان قد نسخ عنه تنبيه التخصيص والنسخ في الحقيقة إنما لحقا ما دل على أن ذلك الفعل لازم لغيره وأنه لازم له في مستقبل الأوقات وإنما يقال إن ذلك الفعل قد لحقه النسخ بمعنى أنه قد زال التعبد بمثله وأن التخصيص قد لحقه على معنى أن بعض المكلفين لا يلزمه مثله والله أعلم