القسم الثالث في تعبد الرسول صلى الله عليه وسلم بشرع من قبله

8 paragraphs · vol. 3, p. 263

  1. القسم الثالث في أن الرسول ص هل كان متعبدا بشرع من قبله وفيه بحثان

    vol. 3, p. 263
  2. البحث الأول أنه قبل النبوة هل كان متعبدا بشرع من قبله أثبته قوم ونفاه آخرون وتوقف فيه ثالث احتج المنكرون بأمرين الأول أنه لو كان متعبدا بشرع أحد لوجب عليه الرجوع إلى علماء تلك الشريعة والاستفتاء منهم والأخذ بقولهم ولو كان كذلك لاشتهر ولنقل بالتواتر قياسا على سائر أحواله فحيث لم ينقل علمنا أنه ما كان متعبدا بشرعهم

    vol. 3, p. 264الثاني أنه لو كان على ملة قوم لافتخر به أولئك القوم ولنسبوه إذا إلى أنفسهم ولاشتهر ذلك فإن قلت ولو لم يكن متعبدا بشرع أحد لاشتهر ذلك قلت الفرق أن قومه ما كانوا على شرع أحد فبقاؤه لا على شرع البتة لا يكون شيئا بخلاف العادة فلا تتوفر الدواعي على نقله أما كونه على شرع لما كان بخلاف عادة قومة فوجب أن ينقل احتج المثبتون بأمرين الأول أن دعوة من تقدمه كانت عامة فوجب دخوله فيها الثاني أنه كان يركب البهيمة ويأكل اللحم ويطوف بالبيت

  3. والجواب عن الأول أنا لا نسلم عموم دعوة من تقدمه

    vol. 3, p. 265سلمناه لكن لا نسلم وصول تلك الدعوة إليه بطريق يوجب العلم أو الظن الغالب وهذا هو المراد من زمان الفترة وعن الثاني أن نقول أما ركوب البهائم فهو حسن في العقل إذا كان طريقا إلى حفظها بالعلف وغيره وأما أكله لحم المذكى فحسن أيضا لأنه ليس فيه مضرة على حيوان وأما طوافه بالبيت فبتقدير ثبوته لا يجب لو فعله من غير شرع أن يكون حراما البحث الثاني في حاله عليه السلام بعد النبوة قال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء أنه لم يكن متعبدا بشرع أحد

    vol. 3, p. 266وقال قوم من الفقهاء بل كان متعبدا بذلك إلا ما استثنا الدليل الناسخ ثم اختلفوا فقال قوم كان متعبدا بشرع إبراهيم وقيل بشرع موسى وقيل بشرع عيسى واعلم أن من قال إنه كان متعبدا بشرع من قبله إما أن يريد به أن الله تعالى كان يوحي إليه بمثل تلك الأحكام التي أمر بها من قبله أو يريد أن الله تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم فإن قالوا بالأول فإما أن يقولوا به في كل شرعه أو في بعضه

  4. والأول معلوم البطلان بالضرورة لأن شرعنا يخالف شرع من قبلنا في كثير من الأمور والثاني مسلم ولكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنه كان متعبدا بشرع غيره لأن ذلك يوهم التبعية وأنه ص ما كان تبعا لغيره بل كان أصلا في شرعه وأما الاحتمال الثاني وهو حقيقة المسألة فيدل على بطلانه وجوه

    vol. 3, p. 267الأول لو كان متعبدا بشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث إلى شرعه وأن لا يتوقف إلنزول الوحي لكنه لم يفعل ذلك لوجهين الأول أنه لو فعل لاشتهر والثاني أن عمر رضي الله عنه طالع ورقة من التوراة فغضب رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يكن متعبدا بشرع أحد فإن قيل الملازمة ممنوعة لاحتمال أن يقال إنه ص علم في تلك الصور أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله فلا جرم توقف فيها على نزول الوحي أو لأنه عليه الصلاة والسلام علم خلو شرعهم عن حكم تلك الوقائع فانتظر الوحي أو لأن احكام تلك الشرائع إن كانت منقولة بالتواتر فلا يحتاج في

    vol. 3, p. 268معرفتها إلى الرجوع إليهم وإلى كتبهم وإن كانت منقولة بالآحاد لم يجز قبولها لأن أولئك الرواة كانوا كفارا ورواية الكافر غير مقبولة سلمنا الملازمة لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم لما احتكم إليه اليهود والجواب قوله إنما لم يرجع إليها لأنه عليه الصلاة والسلام علم أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله قلنا فلما لم يرجع في شئ من الوقائع إليهم وجب أن يكون ذلك لأنه علم أنه غير متعبد في شئ منها بشرع من قبله

    vol. 3, p. 269قوله إنما لم يرجع إليها لعلمه بخلو كتبهم عن تلك الوقائع قلنا العلم بخلو كتبهم عنها لا يحصل إلا بالطلب الشديد والبحث الكثير فكان يجب أن يقع منه ذلك البحث والطلب قوله ذلك الحكم إما أن يكون منقولا بالتواتر أو بالآحاد قلنا يجوز أن يكون متن الدليل متواترا إلا أنه لا بد في العلم بدلالته على المطلوب من نظر كثير وبحث دقيق فكان يجب اشتغال النبي عليه الصلاة والسلام بالنظر في كتبهم والبحث عن كيفية دلالتها على الأحكام قوله إنه رجع في الرجم إلى التوراة قلنا لم يكن رجوعه إليها رجوع مثبت للشرع بها والدليل عليه أمور أحدها

  5. أنه لم يرجع إليها في غير الرجم وثانيها أن التوراة محرفة عنده فكيف يعتمد عليها وثالثها أن من أخبره بوجود الرجم في التوراة لم يكن ممن يقع العلم بخبره فثبت أن رجوعه إليها كان ليقرر عليهم أن ذلك الحكم كما أنه ثابت في شرعه فهو أيضا ثابت في شرعهم وأنهم أنكروه كذبا وعنادا

    vol. 3, p. 270الحجة الثانية أنه عليه السلام لو كان متعبدا بشرع من قبله لوجب على علماء الأعصار أن يرجعوا في الوقائع إلى شرع من قبله ضرورة أن التأسي به واجب وحيث لم يفعلوا ذلك البتة عمنا بطلان ذلك الحجة الثالثة أنه عليه الصلاة والسلام صوب معاذا في حكمه باجتهاد نفسه إذا عدم حكم الحادثة في الكتاب والسنة ولو كان متعبدا بحكم التوراة كما تعبد بحكم الكتاب لم يكن له العمل باجتهاد نفسه حتى ينظر في التوراة والإنجيل فإن قلت إن رسول الله ص لم يصوب معاذا في العمل بالاجتهاد إلا إذا عدمه في الكتاب والتوراة كتاب ولأنه لم يذكر التوراة لأن في

    vol. 3, p. 271القرآن آيات دالة على الرجوع إليها كما أنه لم يذكر الإجماع لهذا

  6. السبب قلت الجواب عن الآول من وجهين الأول أنه لا يفهم من إطلاق الكتاب إلا القرآن فلا يحمل على غير إلا بدليل الثاني أنه لم يعهد من معاذ قط تعلم التوراة والإنجيل والعناية بتميز المحرف منها عن غيره كما عهد منه تعلم القرآن وبه ظهر الجواب عن الثاني الحجة الرابعة لو كانت تلك الكتب حجة علينا لكان حفظها من فروض الكفايات كما في القرآن والأخبار ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم حيث أشكل عليهم كمسألة العول وميراث الجد والمفوضة وبيع أم الولد وحد الشرب والربا في غير النسيئة ودية الجنين فقال والرد بالعيب بعد الوطء والتقاء الختانين وغير ذلك من الأحكام ولما لم ينقل عن واحد منهم مع طول أعمارهم وكثرة وقائعهم واختلافاتهم مراجعة التوراة لا سيما وقد أسلم من أحبارهم من تقوم

    vol. 3, p. 272الحجة بقولهم كعبد الله بن سلام وكعب ووهب وغيرهم ولا يجوز القياس إلا بعد اليأس من الكتاب وكيف يحصل اليأس قبل العلم دل على أنه ليس بحجة احتجوا بأمور أحدها قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون

  7. وثانيها قوله تعالى فبهداهم اقتده أمره أن يقتدي بهم

    vol. 3, p. 273وثالثها قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ورابعها قوله تعالى أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وخامسها قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والجواب عن الأول أن قوله يحكم بها النبيون لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن جميع النبيين لم يحكموا بجميع ما في التوراة وذلك معلوم بالضرورة فوجب إما تخصيص الحكم وهو أن كل النبيين حكموا ببعضه وذلك لا يضرنا فإن نبينا حكم بما فيه من معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله أو تخصيص النبيين وهو أن النبيين حكموا بكل ما فيه وذلك لا يضرنا وعن الثاني أنه تعالى أمر بأن يقتدى بهدي مضاف إلى كلهم وهداهم الذي اتفقوا عليه هو الأصول دون ما وقع فيه النسخ

    vol. 3, p. 274وعن الثالث أنه يقتضي تشبيه الوحي بالوحي لا تشبيه الموحى به بالموحى به

  8. وعن الرابع أن الملة محمولة على الأصول دون الفروع ويدل عليه أمور أحدها أنه يقال ملة الشافعي وأبي حنيفة واحد وإن كان مذهبهما في كثير من الشرعيات مختلفا وثانيها قوله بعد هذه الآية وما كان من المشركين وثالثها أن شريعة ابراهيم عليه السلام قد اندرست وعن الخامس أن الآية تقتضي أنه وصى محمدا عليه الصلاة والسلام بالذي وصى به نوحا عليه السلام من أن يقيسوا الدين ولا يتفرقوا فيه وأمرهم بإقامة الدين لا يدل على اتفاق دينهما كما أن أمر الإثنين أن يقوما بحقوق الله

    vol. 3, p. 275تعالى لا يدل على أن الحق على أحدهما مثل الحق على الآخر وعلى أن الآية تدل على أنه تعبد محمدا بما وصى به نوحا عليهما السلام والله أعلم