المسألة الثالثة هل النسخ رفع أو بيان
6 paragraphs · vol. 3, p. 287
- vol. 3, p. 287
المسألة الثالثة قال القاضي أبو بكر رحمه الله النسخ رفع ومعناه أن خطاب الله تعالى تعلق بالفعل بحيث لولا طريان الناسخ لبقي الا أنه زال لطريان الناسخ وقال الأستاذ أبو اسحاق رحمه الله إنه بيان ومعناه أن الخطاب الأول انتهى بذاته في ذلك الوقت ثم حصل بعده حكم آخر والمثال الكاشف عن حقيقة هذه المسألة أن من قال ببقاء الأعراض
-
قال الضد الباقي يبقى لولا طريان الطارئ ثم إن الطارئ يكون مزيلا لذلك الباقي ومن قال بأنها لا تبقى قال الضد الأول ينتهي بذاته ويحصل ضده بعد ذلك من غير أن يكون للضد الطارئ أثر في ازالة ما قبله لأن الزائل بذاته لا يحتاج الى مزيل واذا ظهر هذا التمثيل عادت الدلائل المذكورة في تلك المسألة الى هذه المسألة نفيا واثباتا فنقول
vol. 3, p. 288احتج المنكرون للرفع بوجوه الحجة الأولى أنه ليس زوال الباقي بطريان الطارئ أولى من اندفاع الطارئ لأجل بقاء الباقي فإما أن يوجدا معا وهو محال بالضرورة أو بعد ما معا وهو محال لأن علة عدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو عد ما معا لوجدا معا وذلك محال فإن قلت لم لا يجوز أن يقال الحادث أقوى من الباقي لحدوثه قلت هذا باطل لوجهين أحدهما أن الباقي إما أن يحصل له أمر زائد على ما كان حاصلا له حال حدوثه أو لا يحصل
vol. 3, p. 289فإن كان الأول كان ذلك الزائد حادثا فذلك الزائد لحدوثه يكون مساويا للضد الطارئ في القوة
-
واذا استويا في القوة امتنع رجحان أحدهما على الآخر واذا امتنع عدم كيفية الباقي امتنع عدم ذلك الباقي لا محالة وإن كان الثاني وهو أن لا يحصل للباقي أمر زائد على ما كان حاصلا له حال الحدوث لزم أن تكون قوة الباقي مساوية لقوة الحادث وحينئذ يبطل الرجحان وثانيهما أن الشئ حال حدوثه كما يمتنع عدمه فالباقي حال بقائه لا بد له من سبب لكونه ممكنا وهو مع السبب يمتنع عدمه فإذا امتنع العدم عليهما استويا في القوة فيمتنع الرجحان الحجة الثانية هي أن طريا الحكم الطارئ مشروط بزوال المتقدم فلو كان زوال المتقدم معللا بطريان الطارئ لزوم الدور وهو محال الحجة الثالثة أن الطارئ إما أن يطرأ حال كون الحكم الأول معدوما أو موجودا فإن كان الأول استحال أن يؤثر في عدمه لأن إعدام المعدوم محال
vol. 3, p. 290وإن كان الثاني فقد وجد مع وجود الأول وإذا وجدا معا لم يكن بينهما منافاة وإذا لم يمكن بينهما منافاة لم يكن أحدهما رافعا للآخر فإن قلت لم لا يجوز أن يكون ذلك كالكسر مع الانكسار قلت الانكسار عبارة عن زوال تلك التأليفات عن اجزاء ذلك الجسم والتأليفات أعراض غير باقية فلا يكون للكسر أثر في إزالتها الحجة الرابعة هي
-
أن كلام الله تعالى قديم والقديم لا يجوز رفعه فإن قلت المرفوع تعلق الخطاب قلت الخطاب إما أن يكون أمرا ثبوتيا أو لا يكون فإلم يكن أمرا ثبوتيا استحال رفعه وإزالته وإن كان أمرا ثبوتيا فهو إما أن يكون حادثا أو قديما فإن كان حادثا لزم كونه تعالى محلا للحوادث وإن كان قديما لزم عدم القديم وهو محال وأعلم أن هذه الوجوه كما أنها قوية في نفسها فهي أقوى لزوما على القاضي رحمه الله لأنه هو الذي عول عليها في امتناع إعدام الضد بالضد
vol. 3, p. 291والقول بكون النسخ رفعا عين القول بإعدام الضد بالضد فيكون لزوم هذه الأدلة عليه أقوى واحتج إمام الحرمين رحمه الله على فساد الرفع بوجه آخر وهو أن علم الله تعالى إما أن يكون متعلقا باستمرار هذا الحكم أبدا أو يكون متعلقا بأنه لا يبقى إلا إلى الوقت الفلاني فإن كان الأول استحال نسخه وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وهو محال والثاني يقتضي بطلان القول بالرفع لأن الله تعالى إذ علم أن ذلك الحكم لا يبقى إلا إلى ذالله الوقت استحال وجود ذلك الحكم بعذ ذلك وإلا لزم انقلاب العلم جهلا وإذا كان ممتنع الوجود بعد
vol. 3, p. 292ذلك استحال أن يقع زوال بمزيل لأن الواجب لذاته يمتنع أن يكون واجبا
-
لغيره ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يقال علم الله تعالى إن ذلك الحكم لا يبقى إلى ذلك الوقت لطريان الناسخ لا لذاته وإذا علم الله تعالى أنه يزول ذلك الحكم في ذلك الوقت لطريان ذلك الناسخ لم يكن ذلك قادحا في تعليل زواله بالنسخ ويزيده تقريرا أن يقال أن الله تعالى كان يعلم أن العالم يوجد في الوقت الفلاني فيكون وجوده في ذلك الوقت واجبا ولم يكن ذلك الوجوب قادحا في افتقاره إلى المؤثر لإنه لما علم الله تعالى أنه يوجد في ذلك الوقت بذلك المؤثر لم يكن الوجوب على هذا الوجه قادحا في افتقاره إلى المؤثر فكذا ها هنا
vol. 3, p. 293واحتج القائلون بالرفع بأمرين أولهما أن النسخ في اللغة عبارة عن الإزالة فوجب أن يكون في الشرع أيضا كذلك لأن الأصل عدم التغيير ولأننا ذكرنا في باب نفي الألفاظ الشرعية ما يدل على عدم التغيير وثانيهما أن الخطاب كان متعلقا بالفعل فذلك التعلق يمتنع أن يكون عدمه لذاته وإلا لزم أن لا يوجد وإن لم يكن لذاته فلا بد من مزيل ولا مزيل إلا الناسخ والجواب عن الأول أنه تمسك بمجرد اللفظ وهو لا يعارض الدلائل العقلية
-
وعن الثاني أن كلام الله تعالى القديم كان متعلقا من الأزل إلى الأبد باقتضاء الفعل إلى ذالله الوقت المعين والمشروط بالشئ عدم عند عدم الشرط فلا يفتقر زواله إلى مزيل آخر والله أعلم