المسألة السادسة في نسخ الشيء قبل مضي وقته
7 paragraphs · vol. 3, p. 311
- vol. 3, p. 311
أحدى الآيتين بدلا عن الأخرى فيكون النازل بدلا عما لم ينزل قلت جعل المعدوم مبدلا غير جائز واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل وجوابه المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله تعالى ما يبطله ولا يأتيه من بعده ما يبطله والله أعلم
-
المسألة السادسة اختلفوا في نسخ الشئ قبل مضي وقت فعله مثاله إذا قال الله تعالى لنا صبيحة يومنا صلوا عند غروب الشمس ركعتين بطهارة ثم لم قال عند الظهر لا تصللوا حدثنا عند غروب الشمس
vol. 3, p. 312ركعتين بطهارة فهذا عندنا جائز خلافا للمعتزلة وكثير من الفقهاء لنا أن الله تعالى أمر ابراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام ثم نسخ ذلك قبل وقت الذبح فإن قيل لا نسلم ان إبراهيم عليه السلام كان مأمورا بالذبح بل لعله كان مأمورا بمقدمات الذبح من الإضجاع وأخذ المدية مع الظن الغالب بكونه مأمورا بالذبح ولهذا قال قد صدقت الرؤيا ولو كان قد فعل بمعنى ما أمر به لكان قد صدق بعض الرؤيا فإن قلت الدليل عليه ثلاثة أوجه أحدها قوله تعالى إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر فقوله ما تؤمر لا بد وأن يكون عائدا إلى شئ والمذكور ها هنا قوله أني أذبحك فوجب صرفه إليه
vol. 3, p. 313وثانيها قوله تعالى إن هذا لهو البلاء المبين ومقدمات الذبح لا توصف بأنها بلاء مبين
-
وثالثها قوله تعالى وفديناه بذبح عظيم ولو لم يكن مأمورا بالذبح لما احتاج إلى الفداء قلت الجواب عن الأول أن الرؤيا لا تدل على كونه مأمورا بذلك وأما قوله افعل ما تؤمر فإنما يفيد الأمر في المستقبل فلا ينصرف إلى ما مضى من رؤياه في المنام وعن الثاني أن إضجاع الابن وأخذ المدية مع غلبة الظن بأنه مأمور بالذبح بلاء مبين وعن الثالث أنه إنما فدى بالذبح بسبب ما كان بتوقعه من الأمر بالذبح سلمنا أنه أمر بالذبح لكن لا نسلم أنه نسخ ذلك وبيانه من وجهين
vol. 3, p. 314الأول أنه كلما قطع موضعا من الحلق وتعداه إلى غيره أوصل الله تعالى ما تقدم قطعه فإن قلت حقيقة الذبح قطع مكان مخصوص تبطل معه الحياة قلت بطلان الحياة ليس جزءا من مسمى الذبح لأنه يقال قد ذبح هذا الحيوان وإن لم يمت بعد الثاني
-
قيل إنه أمر بالذبح وإن الله تعالى جعل على عنقه صفيحة من حديد فكان إذا أمر إبراهيم عليه السلام السكين لم يقطع شيئا من الحلق سلمنا سلامة دليلكم لكنه معارض بدليل آخر وهو أن ذلك يقتضي كون الشخص الواحد مأمورا منهيا عن فعل واحد في وقت واحد على وجه واحد وذلك محال فالمؤدي إليه محال بيان أنه يلزم ذلك ثلاثة أوجه
vol. 3, p. 315أحدها أن المسألة مفروضة في هذا الموضع فإنه لما أمر بكرة بركعتين من الصلاة عند غروب الشمس ثم نهى وقت الظهر عن ركعتين من الصلاة عند غروب الشمس فقد تعلق الأمر والنهي بشئ واحد في وقت واحد من وجه واحد حتى لو لم يتحقق شرط من هذه الشرائط لم تكن هي المسألة التي تنازعنا فيها وثانيها أن قوله صلوا عند غيبوبة الشمس غير موضوع إلا للأمر بالصلاة في ذلك الوقت لغة وشرعا وقوله لا تصلوا عند غيبوبة الشمس غير موضوع إلا للنهي عن الصلاة في ذلك الوقت لغة وشرعا وثالثها هو أن النهي لو تعلق بغير ما تعلق به الأمر لكان لا يخلو إما ان يكون المنهي عنه أمرا يلزم من الانتهاء عنه وقوع الخلل في متعلق الأمر
-
أو لا يلزم ذلك
vol. 3, p. 316فإن كان الأول كان المتأخر رافعا المتقدم استلزاما فيلزم توارد الأمر ابن والنهي على شئ واحد في وقت واحد من وجه واحد وإن كان الثاني لم يكن ذلك هي المسألة التي تنازعنا فيها لأنا توافقنا على أن الأمر بالشئ لا يمنع من النهي عن شئ آخر لا يلزم من الانتهاء عنه الإخلال بذلك المأمور بيان أن ذلك محال أن ذلك الفعل في ذلك الوقت لا بد وأن يكون إما حسنا وإما قبيحا وكيفما كان فإما أن يقال المكلف ما كان عالما بحاله ثم بدا له ذلك فلذلك اختلف الأمر والنهي وذلك محال لاستحالة البداء على الله تعالى وإما أن يقال أنه كان عالما بحاله فيلزم منه إما الأمر بالقبيح أو النهي عن الحسن وذلك أيضا محال والجواب الدليل على أنه كان مأمورا بالذبح أنه لو لم يكن مأمورا به بل كان مأمورا بمجرد المقدمات وهو قد أتى بتمام تلك المقدمات فوجب أن يحتاج معها إلى الفدية لأن الآتي بالمأمور به يجب خروجه عن
vol. 3, p. 317العهدة والخارج عن العهدة لا يحتاج إلى الفداء فبحث وقعت الحاجة إليه علمنا أنه لم يدخل تمام المأمور به في الوجود وهذا هو الجواب عن قوله كلما قطع موضعا من الحلق وتعداه إلى غيره وصل الله تعالى ما تقدم
-
قطعه لأن على هذا التقدير يكون كل المأمور به داخلا في الوجود فوجب أن لا يحتاج معه إلى الفداء وأما قوله تعالى قد صدقت الرؤيا فغير دال على أنه أتى بكل المأمور به بل يدل على أنه عليه السلام صدقها وعزم على الإتيان بها فأما أنه فعلها بتمامها فليس في الآية دلالة عليه قوله أن الله تعالى جعل على عنقه صفيحة من حديد قلنا إن اعترفتم بأنه كان مأمورا بنفس الذبح لم يجز ذلك على قولكم وإلا فهو تكليف مالا يطاق وإن قلتم إنه كان مأمورا بالمقدمات فهو عود إلى السؤال الأول وأما المعارضة فالجواب عنها من وجهين الأول وهو الذي يحسم المنازعة أنها مبنية على القول بالحسن والقبح ونحن لا نقول به
vol. 3, p. 318الثاني سلمنا ذلك ولكنا نقول كما يحسن الأمر بالشئ والنهي عن الشئ لحكمة تتولد من المامور به والمنهي عنه فقد يحسنان أيضا لحكمة تتولد من نفس الأمر والنهي فإن السيد قد يقول لعبده إذهب إلى القرية غدا راجلا ويكون غرضه من ذلك حصول الرياضة له في الحال وعزمه على أداء ذلك الفعل وتوطين النفس عليه مع علمه بأنه سيرفع عنه غدا ذلك التكليف وإذا ثبت هذا فنقول ألأمر بالفعل إنما يحسن إذا كان المأمور به منشأ المصلحة والأمر به أيضا منشأ المصلحة
-
فأما إذا كان المأمور به منشأ المصلحة لكن الأمر به لا يكون منشأ المصلحة لم يكن الأمر به حسنا وعند هذا يظهر الجواب عما قالوه لأنه حين أمر بالفعل كان المأمور به منشأ المصلحة وكان الأمر به أيضا منشأ المصلحة فلا جرم حسن الأمر به وفي الوقت الثاني بقي المأمور به منشأ المصلحة لكن ما بقي الأمر به منشأ المصلحة فلا جرم حسن النهي عنه