المسألة الرابعة في إجماع أهل المدينة
3 paragraphs · vol. 4, p. 162
- vol. 4, p. 162
طلب الزيادة والله أعلم المسألة الرابعة قال مالك إجماع أهل المدينة وحدها حجة وقال الباقون ليس كذلك حجة مالك قوله صلى الله عليه وسلم إن المدينة لتنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد والخطأ خبث فكان منفيا عنهم فإن قيل وجد في الخبر ما يقتضي كونه مردودا لأن ظاهره أن كل
vol. 4, p. 163من خرج عنها فإنه من الخبث الذي تنفيه المدينة وذلك باطل لأنه قد خرج منها الطيبون كعلي وعبد الله رضي الله عنهما بل ذكروا ثلاثمائة ونيفا من الصحابة الذين انتقلوا إلى العراق وهم أمثل من الذين بقوا فيها كأبي هريرة وأمثاله سلمنا سلامته عن هذا الطعن لكنه من أخبار الآحاد فلا يجوز التمسك به في مسألة علمية سلمنا صحة متنه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك محمولا على من خرج منها لكراهية المقام بها مع أن في المقام بها بركة عظيمة بسبب جوار الرسول وجوار مسجده صلى الله عليه وآله وسلم ومع ما ورد من الثناء الكثير على المقيمين بها لأن الكاره للمقام بها مع هذه الأحوال لا بد وأن يكون ضعيف الدين ومن كان كذلك فهو خبث
vol. 4, p. 164سلمنا أن المراد كونها نافية للقول الباطل لكن قوله لتنفي خبثها ليس فيه صيغة عموم سلمناه لكن لم لا يجوز تخصيص هذا القول بزمانه ويكون المراد بالخبث الكفار ثم إنه معارض بأمور ثلاثه الأول أن الذي دل على كون الإجماع حجة وارد بلفظين لفظ المؤمنين في آية المشاقة ولفظ الأمة في غيرها وهاتان اللفظتان غير مخصوصتين ببلدة دون بلدة فوجب اعتبار الكل
-
الثاني أن الأماكن لا تؤثر في كون الأقول حجة الثالث أن القول به يودي إلى المحال لأن من كان ساكن المدينة كان قوله حجة فإذا خرج منها لا يكون قوله حجة ومن كان قوله حجة في مكان كان قوله حجة في كل مكان كالرسول صلى الله عليه وسلم والجواب قوله يقتضي أن كل من خرج من المدينة فهو خبث
vol. 4, p. 165قلنا لا نسلم لأن الخبر يقتضي أن كل ما كان خبثا فإن المدينة تخرجه وهذا لا يقتضي أن كل ما تخرجه المدينة فهو خبث قوله إنه خبر واحد فلا يجوز التمسك به في العلميات قلنا لا نسلم أن هذه المسألة علمية بل لما ثبت بهذا الخبر ظن أن اجماع أهل المدينة حجة والعمل بالظن واجب وجب العمل به قوله نحمله على من كره المقام بالمدينة قلنا تقييد المطلق خلاف الأصل ولو جاز ذلك لجاز في قوله ويتبع غير سبيل المؤمنين وفي قوله عليه الصلاة والسلام لا تجتمع أمتي على خطأ حمله على بعض الصور ولما كان جواب الجمهور أن تخصيص العام وتقييد المطلق خلاف الأصل وأنه لا يجوز القول به من غير ضرورة فكذا ها هنا قوله ليس في قوله لتنفى خبثها صيغة عموم
-
قلنا لا نسلم فإن الحقيقة لا تنتفي إلا عند انتفاء جميع أفرادها فلولا انتفاء جميع أفراد الخبث عن المدينة وإلا لما صح القول بأنها تنفى الخبث قوله لم لا يجوز تخصيصه بزمانه
vol. 4, p. 166قلنا لأن التخصيص خلاف الأصل قوله الأدلة على أن الإجماع حجة غير مختصة بقوم دون قوم قلنا تلك الأدلة لا تقتضي أن إجماع أهل المدينة حجة ولكنها لا تبطل ذلك فإذا أثبتناه بدليل منفصل لم يلزمنا محذور قوله لا أثر للمكان قلنا لا استبعاد في أن يخص الله تعالى أهل بلدة معينة بالعصمة كما أنه لا استبعاد في أن يخص تعالى أهل زمان معين بالعصمة فإنه تعالى خص أمتنا بالعصمة من بين سائر الأمم بلى العقل لا يدل على ذلك وإنما الرجوع فيه إلى السمع قوله من كان قوله حجة في مكان كان حجة في كل مكان كالنبي صلى الله عليه وسلم قلنا هذا قياس طردي في مقابلة النص فكان باطلا والله أعلم فهذا تقرير قول مالك رحمه الله وليس بمستبعد كما اعتقد هو وجمهور أهل الأصول والله أعلم