المسألة الرابعة في عدم احتمال خبر التواتر غير الصدق
17 paragraphs · vol. 4, p. 234
- vol. 4, p. 234
بالضرورة لجاز أن يعلم المحسوس بالاستدلال ولما بطل هذا بطل الأول والجواب قوله ذلك الاستدلال سهل يتأتى من كل أحد قلنا سنبين ان شاء الله تعالى في فصل مفرد أن ذلك الاستدلال غامض جدا وهو الجواب بعينه عن المعارضة الأولى وعن الثاني أن كون العلم ضروريا كيقية للعلم ويجوز أن يكون أصل الشئ معلوما وتكون كيفيته مجهولة
-
وعن الثالث أنه لا بد من الجامع المسألة الرابعة استدل أبو الحسين البصري على أن خبر أهل التواتر صدق وقال لو كان كذبا لكان المخبرون إما أن يكونوا ذكروه مع علمهم بكونه كذبا أو لا مع علمهم بكونه كذبا والقسمان باطلان فبطل كونه كذبا فتعين كونه
vol. 4, p. 235صدقا فكان مفيدا للعلم إنما قلنا إنه لا يجوز أن يذكره المخبرون مع علمهم بكونه كذبا لأنهم على هذا التقدير إما أن يكونوا قصدوا فعل الكذب لغرض ومرجح أو لا لغرض ومرجح والثاني محال أما أولا فلان الفعل لا يحصل في وقت دون وقت إلا لمرجح وإلا لزم ترجح أحد الطرفين على الآخر من غير مرجح وهو محال وأما ثانيا فلان كونه كذبا جهة قبح وجهة القبح صارفة عن الفعل ومع حصول الصارف القوي عن الفعل يستحيل حصول الفعل إلا لداع أقوى من ذلك الصارف وأما القسم الأول وهو أنهم قصدوا فعل الكذب لغرض فذلك الغرض إما نفس كونه كذبا أو شئ أخر والأول باطل لأن كونه كذبا جهة صرف لا جهة دعاء والثاني باطل لأن ذلك الغرض إما أن يكون دينيا أو دنيويا
-
وعلى التقديرين فإما أن يكون رغبة أو رهبة وعلى التقديرات فإما أن يقال كلهم كذبوا لداع واحد من هذه
vol. 4, p. 236الأقسام أو يقال فعله بعضهم لبعض هذه الدواعي وبعضهم للبعض الآخر وعلى كل التقديرات فإما أن تحصل تلك الدواعي بالتراسل أو لا بالتراسل والأقسام كلها باطلة أما إنه لا يجوز أن يكون للدين فلان قبح الكذب متفق عليه سواء كان ذلك بالعقل أو بالشرع فكان ذلك صارفا دينيا لا داعيا دينيا وأما الرغبة الدنيوية فقد تكون رجاء عوض على الكذب أو لأجل أن يسمع غيره شيئا غريبا وإن كان لا أصل له والأول باطل لأن كثيرا من الناس لا يرضى بالعوض الكثير في مقابلة الكذب وإن احتاج إليه وكذا القول في القسم الثاني وأما الرهبة فهي لا تكون إلا من السلطان لكن السلطان لا يقدر على أن يجمع الجمع العظيم على الكذب ألا ترى أن السلطان لا يمكنه ذلك في جميع أهل بغداد لأنه لا يعلم كل واحد منهم حتى يجعله مضطرا إلى ذلك الكذب ولأن السلطان كثيرا ما يخوف الناس عن التحدث بكلام مع أنهم آخر الأمر يقولونه حتى يصير مشهورا بينهم ولأنا نعلم في كثير من الأمور إنه لا غرض للسلطان في أن يخبر عنه بالكذب ولا يجوز أيضا أن يقال الجماعة العظيمة كذبوا بعضهم للرغبة
-
وبعضهم للرهبة وبعضهم للتدين لأن كلامنا في جماعة عظيمة أبعاضها
vol. 4, p. 237جماعات عظيمة يمتنع تساوي أجزائها في قوة هذه الدواعي وأما القسم الثاني وهو أنهم كذبوا مع أنهم لم يعلموا كونهم كاذبين فذاك لا يمكن إلا إذا اشتبه عليهم الشئ بغيره والاشتباه في الضروريات باطل وشرط خبر التواتر أن يكون واقعا عما علم وجوده بالضرورة وهذا إذا أخبر المخبرون عن المشاهدة وأما ما توسط بين من أخبرنا وبين من شاهد ذلك واسطة واحدة أو وسائط فإنه لا يحصل العلم بخبرهم إلا إذا علمنا كون الوسائط متصفين بالصفات المعتبرة في أهل التواتر وذلك إنما يعلم بطريقين الأول أن يكون أهل التواتر الذين رأيناهم أخبروا أن أولئك الذين مضوا كانوا مستجمعين للشرائط المعتبرة في أهل التواتر والثاني أن كل ما ظهر بعد خفاء وقوى بعد ضعف فلا بد وأن يشتهر فيما بين الناس حدوثه ووقت حدثوه فإن مقالة الجهمية والكرامية لما حدثت
vol. 4, p. 238بعد أن لم تكن لا جرم اشتهر في ما بين الناس وقت حدوثها فلما لم يظهر شئ من ذلك علمنا أن الأمر كان كذلك في كل الأزمنة هذا تمام الاستدلال والاعتراض عليه أن يقال لأبي الحسين إما أن يكون غرضك من هذا الاستدلال ظنا قويا بكون الخبر صدقا
-
فذلك مسلم أو اليقين فلا نسلم أن ما ذكرته يفيد اليقين لأن التقسيم المفضي إلى اليقين يجب أن يكون دائرا بين النفي والاثبات ثم نبين فساد كل قسم سوى المطلوب بدليل قاطع وهذا الذي ذكره أبو الحسين ليس كذلك فلنبين هذه الأشياء فنقول لم لا يجوز أن يقال كذبوا لا لغرض قوله الفعل بدون المرجح محال قلنا هذا لا يتم على مذهبك لأنه يقتضي الجبر وأنت لا تقول به بيان أنه يقتضى الجبر أن قادرية العبد صالحة للفعل والترك وإلا لزم الجبر فلو لم يترجح أحد الطرفين إلا لمرجح فذاك المرجح إن كان من فعل العبد عاد
vol. 4, p. 239الطلب من أنه لم فعل مرجح أحد الطرفين دون الآخر وإن كان ذلك لمرجح اخر من فعله لزم التسلسل أو ينتهي إلى مرجح ليس من فعله فعند حصول ذلك المرجح الذي ليس من فعله إما أن يكون ترتب أثره عليه واجبا أو لا يكون واجبا فإن كان الأول لزم الجبر وإن كان الثاني فهو باطل وبتقدير صحته فالإلزام عليك وارد أما أنه باطل فلأنه إذا لم يجب ترتب أثره عليه جاز حينئذ أن لا يترتب عليه في بعض الأوقات ذلك الأثر وجاز في وقت آخر أن يترتب إذ لو لم يجز ذلك أصلا لما كان ذلك مرجحا تاما وكلامنا في المرجح التام وإذا كان كذلك فترتب الأثر عليه في أحد الوقتين دون الوقت الآخر إما أن يكون لمزية يختص بها ذلك الوقت دون الوقت الثاني وإما لا يكون كذلك
-
فإن كان الأول فقبل حصولك * تلك المزية ما كان المرجح التام حاصلا لكنا قد فرضناه حاصلا هذا خلف ثم إننا ننقل الكلام إلى تلك المزية فنبين أنها من فعل الله عز وجل وبعد حصولها فإن وجب ترتب الأثر عليها لزم الجبر وإن لم يجب افتقر إلى مزية أخرى لا إلي نهاية وهو محال وأما إن لم يكن ترتب الأثر على ذلك المرجح في ذلك الوقت لأجل
vol. 4, p. 240حصول مزية في ذلك الوقت دون سائر الأوقات كانت نسبة تلك المزية إلى زماني ترتب الأثر عليه ولا ترتبه عليه على السواء ولا مرجح ولا مخصص ألبته فيكون اختصاص ذلك الوقت بترتب ذلك الأثر على ذلك المرجح دون الوقت الثاني يكون ترجيحا لأحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال وقد بان بهذا أنه ما لم يحصل للعبد مرجح من قبل الغير يمتنع أن يكون فاعلا وإذا حصل المرجح وجب أن يكون فاعلا وهذا هو الجبر وأما بتقدير أن لا يجب ذلك فالإشكال وارد لأن عند حصول مرجح الوجود إذا جاز أن لا يوجد الوجود كان اللاوجود فلا واقعا لا عن مرجح أصلا وإذا جوزت ذلك بطل قولك الفعل لا يقع إلا عن الداعي فلم لا يجوز في أهل التواتر أن يكذبوا لا لداع وأما قوله ثانيا كونه كذبا جهة صرف لا جهة دعاء قلنا هذا بناءا على أن الكذب قبيح لكونه كذبا وقد مر الكلام في إبطاله في أول الكتاب سلمناه لكن عند حصول الصارف لو وجب الترك لزم الجبر
-
وأنت لا تقول به
vol. 4, p. 241وإن لم يجب فقد جوزت عند حصول الصارف أن لا يقع العدم وجواز أن لا يقع العدم يقتضي جواز أن يقع الوجود فقد جوزت مع الصارف عن الفعل أن يوجد الفعل فلم يلزم من كون الكذب جهة صرف امتناع أن يوجد الكذب سلمنا أنه لا بد من داع فلم لا يجوز أن يوجد فيه شهوة متعلقة بالكذب لكونه كذبا ومتى كان كذلك أقدم العاقل على الكذب لا لغرض آخر سوى كونه كذبا فإن قلت إنه من المحال أن يشتهي العاقل الكذب لمجرد كونه كذبا وإن سلمنا جوازه لكن في حق الواحد والإثنين أما في حق الجمع العظيم فمحال وهذا كما أنه جاز على كل واحد منهم وحده أن يأكل في الساعة المعينة من اليوم المعين طعاما واحدا لكن لا يجوز اتفاق الكل عليه قلت الجواب عن الأول أنا لا نسلم امتناع ذلك فما الدليل عليه وكيف ونرى جمعا اعتادوا الكذب بحيث لا يصبرون عنه وإن كانوا يعلمون أن ذلك يضرهم عاجلا أو اجلا وإذا كان كذلك علمنا أن دعوى الضرورة باطلة
vol. 4, p. 242وعن الثاني
-
نسلم أن استقراء العادة يفيد ظنا قويا بأن الخلق العظيم لا يتفقون على أكل طعام معين في زمان معين لكن لا نسلم حصول اليقين التام بذلك كيف وذلك جائز على كل واحد منهم وصدوره من كل واحد منهم لا يمنع صدوره عن الباقي فيكون صدوره عن كلهم كصدوره عن كل واحد منهم ومع هذه الحجة اليقينية على الجوار كيف تدعى ضرورة الامتناع سلمنا أنه لا بد من غرض سوى كونه كذبا فلم قلت إن ذلك الغرض إما أن يكون دينيا أو دنيويا أو رغبة او رهبه منه وما الدليل القاطع على الحصر سلمناه فلم لا يجوز أن يكون دينيا قوله حرمة الكذب متفق عليها قلنا مطلقا لا نسلم فإن كثيرا من الناس يعتقد أن الكذب المفضى إلى حصول مصلحة في الدين جائز ولذلك نرى جمعا من الزهاد وضعوا أشياء كثيرة من الأحاديث في فضائل الأوقات وزعموا أن غرضهم منه حمل الناس على العبادات وإذا كان كذلك فلعلهم اتفقوا على الكذب لما أنهم اعتقدوا فيه حصول مصلحة دينية وإن كان الأمر بخلاف ما تخيلوه سلمنا أنه ليس الغرض دينيا فلم لا يجوز أن يكون لرغبة دنيوية قوله الرغبة إما أخذ المال أو إسماع الغير كلاما غريبا
vol. 4, p. 243قلنا أين الدليل على الحصر ثم اين الدليل القاطع على فساد هذين القسمين قوله الجماعات العظيمة لا يشتركون في الرغبة إلى الكذب لأجل هذين الغرضين
-
قلنا إن أدعيت الظن القوي فلا نزاع وإن ادعيت الجزم المانع من النقيض فما الدليل عليه فإنه إذا جاز ذلك في العشرة أو المائة ولم يكن ثبوت هذا الحكم للبعض مانعا من ثبوته للباقي فلم قلت إنه يمتنع كون الكل كذلك والذي يؤكده أنا لو قدرنا أن أهل بلدة علموا أن أهل سائر البلاد لو عرفوا ما في بلدهم من الوباء العام لتركوا الذهاب إلى بلدهم ولو تركوا ذلك لاختلت المعيشة في تلك البلدة وقدرنا أن أهل تلك البلدة كانوا علماء حكماء جاز في مثل هذه الصورة أن يتطابقوا على الكذب وإن كانوا كثيرين جدا فثبت بهذا إمكان اتفاق الخلق العظيم على الكذب لأجل الرغبة سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يكون للرهبة قوله السلطان لا يمكنه إسكات الكل قلنا إن أدعيت الظن القوي فمسلم وإن ادعيت اليقين فما الدليل
vol. 4, p. 244عليه فإنه إذا جاز إسكات الألف والألفين رهبة فلم لا يجوز إسكات الكل وما الضابط فيما يجوز وفيما لا يجوز فإن قلت أجد العلم ضروري بذلك من غير دلالة قلنا هذا الاعتقاد ليس أقوى من الاعتقاد الحاصل بوجود محمد وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام فلم لا تدعون الضرورة في ذلك حتى تتخلصوا عن مثل هذه الدلالات الضعيفة سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال إنهم كذبوا لدواع مختلفة بعضهم للرغبة وبعضهم للرهبة وبعضهم بالمراسلة وبعضهم بالمشافهة
-
قوله الكلام في جماعة عظيمة بعضها جماعات عظيمة قلنا إما أن يكون من شرط أهل التواتر أن يكون أبعاضهم بالغين حد التواتر أو ليس من شرطهم ذلك والأول باطل وإلا لزم أن يكون كل واحد من أبعاض تلك الأبعاض كذلك ولزم التسلسل والثاني حق ونحن نفرض الكلام فيما إذا كان الأمر كذلك وحينئذ يبطل ما ذكروه سلمنا أنهم ما كذبوا عمدا فلم لا يجوز أن يقال كذبوا سهوا لأن الأمر اشتبه عليهم والاشتباه حاصل في المحسوسات بدليل العقل والنقل أما العقل فمن وجهين
vol. 4, p. 245الأول أن الله تعالى قادر على أن يخلق شخصا اخر مثل زيد في شكله وفي تخطيطه وبهذا التقدير لا يبقى اعتمادا على التواتر لجواز أن يكونوا قد رأوا امثل زيد فظنوه زيدا ومما يؤكد ذلك أن الأجسام المعدنية والنباتية قد تتشابه بحيث يعسر تمييز بعضها عن بعض وكذلك الحيوانا: لا سيما البرية والجبلية قد تبلغ مشابهة بعضها بعض إلى حد يعسر التمييز وإذا كان كذلك فلم لا يجوز مثله في الناس غايته أنه نادر ولكن الندرة لا تمنع الاحتمال فإن قلت أن حكمته تعالى تمنعه من خلق شخص مثل زيد لما فيه من التلبيس
-
قلت قد سبق جوابه الثاني أن غلط الناظر أمر مشهور فإن الإنسان قد يرى المتحرك ساكنا وبالعكس وذلك يقتضي حصول اللبس في الحسيات وأما النقل فمن وجهين
vol. 4, p. 246الأول أن المسيح عليه السلام شبه بغيره فإن قلت هذا لا يلزم من وجوه أحدها أن ذلك كان في زمان عيسى عليه السلام وخرق العادة جائز في زمان الأنبياء دون سائر الأزمنة وثانيها أن المصلوب تتغير خلقته وشكله فيكون الاشتباه أكثر وأما المباشرون لذلك العمل فكانوا قليلين فيجوز عليهم الكذب عمدا وثالثها أنهم نظروا إليه من بعيد وذلك مظنة الاشتباه قلت الجواب عن الأول أنه لو جاز ذلك في زمان الأنبياء لجاز مثله في سائر أزمنة الأنبياء وحينذ لا يمكننا القطع بأن الذي أوجب الصلوات الخمس هو المصطفى صلى الله عليه وسلم لجواز أن يكون شخصا اخر شبه به وأيضا فلم لا يجوز انخراق العادات في هذا الزمان ككرامات غير الأولياء فان
vol. 4, p. 247منعوها قلنا هذا لا يستقيم على قول أبي الحسين فإنه لا يمنعها ولأن بتقدير امتناعها فليس ذلك الامتناع معلوما إلا بالبرهان فقبل العلم بذلك البرهان يكون التجويز قائما والعلم بصحة خبر التواتر موقوف على فساد هذا الاحتمال فوجب أن لا يحصل العلم بخبر التواتر لم لمن يعرف بالدليل امتناع الكرامات وعن الثاني أن التغير إنما يكون بعد الصلب والموت فأما حال الصلب فلا وعندكم أن الاشتباه حصل حال الصلب لأنهم لو ميزوا بين ذلك الشخص وبين المسيح عليه السلام لما صلبوا ذلك الشخص وعن الثالث أن الذين مارسوا الصلب كانوا قريبين منه وناظرين إليه ولأن النصاري يروون بالتواتر أنه بقي بعد الصلب وقبل الموت مدة طويلة بحيث رآه الجمع العظيم في بياض النهار وذلك يبطل قولكم الوجه الثاني روي ان جبريل عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي
vol. 4, p. 248وأن الملائكة يوم بدر تشكلوا بأشكال الأدميين الوجه الثالث أن الإنسان ربما يتشبح أحمد له عند الخوف الشديد أو الغضب الشديد أو الفكر الشديد صورة لا وجود لها في الخارج وكل ذلك
-
مما يؤكد احتمال الاشتباه سلمنا صحة دليلكم في التواتر عن الأمور الموجودة فلم قلتم إن خبر التواتر عن الأمور الماضية في القرون الحالية قد وجدت هذه الشروط في كل الطبقات الماضية قوله في الوجه الأول أهل التواتر في زماننا قد أخبرونا بأن أولئك الذين مضوا كانوا موصوفين بصفات أهل التواتر قلنا هذا بهت صريح لأن الذين أخبرونا ما أخبرنا كل واحد منهم أن الذين أخبروه كانوا بصفة أهل التواتر وأن الذين أخبروا كل واحد ممن أخبره كانوا كذلك بل الذي يمكن ادعاؤه عليهم أنهم سمعوا هذا الخبر من
vol. 4, p. 249أناس كثيرين فأما أن يدعى عليهم ما ذكرتموه فبهت لأن أكثر الفقهاء والنحاة لا يتصورون هذه الدعوى على وجهها فضلا عن العوام فضلا عن أن يقال إنهم علموا ذلك بالضرورة قوله لو كان حادثا لظهر زمان حدوثه قلنا لا نسلم أن كل مقالة ظهرت بعد الخفاء فلا بد وأن يشتهر فيما بين الخلق حدوث ظهورها ووقت ظهورها لجواز أن يضع الرجل الواحد مقالة ثم إنه يذكرها لجماعة قليلين ثم كل واحد من أولئك يذكر ذلك الخبر لجماعة أخرى من غير أن يسنده إلى القائل الآول إلى أن يشتهر ذلك الخبر جدا مع أن كل واحد منهم لا يعرف حدوث تلك المقالة ولا زمان حدوثها وبهذا الطريق تحدث الأراجيف بين الناس وبالجملة فعليهم إقامة الدلالة على فساد هذا الاحتمال ثم الذي يفيد القطع بصحة ما ذكرنا أن الوقائع الكبار التي وقعت
-
لعظماء الملوك الذين كانوا قبل الإسلام بل كيفية وقائع نوح وإدريس وموسى وعيسى عليهم السلام لم ينقل شئ منها إلينا نقل الآحاد فضلا عن التواتر مع كونها من الأمور العظام فعلمنا أن وصول الأخبار إلينا غير واجب فإن قلت ذلك لتطاول مدتها أو لعدم الداعي إلى نقلها قلت فلا بد من ضبط طول المدة وقصرها
vol. 4, p. 250وأيضا فيلزم أن لا يكون خبر التواتر بوجود نوح وإبراهيم وإدريس وغيرهم مفيدا للعلم لأنه لا يفيد ما لم يثبت استواء الطرفين والواسطة في نقل الرواة وذلك لا يثبت إلا بأنه لو كان موضوعا لاشتهر الواضع وزمان الوضع فإذا لم يجب ذلك عند تطاول المدة لم يفد ذلك الخبر العلم سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن خبر التواتر يفيد العلم لكن معنا ما يبطله من وجوه الأول لو أفاد خبر التواتر العلم لأفاد إما علما ضروريا أو نظريا والقسمان باطلان فالقول بالإفادة باطل إنما قلنا إنه لا يفيد علما ضروريا لأن العلم الضروري هو الذي لا يلزم من وقع الشك في غيره من القضايا وقوعه فيه وها هنا يلزم من وقوع الشك في غير هذه القضية وقوعه فيها لأنا لو جوزنا أن يكذبوا لا لغرض أو لغرض من رهبة أو رغبة أو لوقوع التباس فإن مع استحضار الشك في هذه المقدمات لم يمكن الجزم بأن الأمر كما أخبروا عنه
-
وإذا كان كذلك لم يكن هذا العلم ضروريا ولا جائز أن يكون نظريا لأن النظر في الدليل لا يتأتى للصبيان
vol. 4, p. 251والمجانين فكان يجب أن لا يحصل لهم العلم لكن الاعتقاد الذي في هذا الباب للعقلاء لا يزيد في القوة على قوة اعتقاد الصبيان والبله فإذا لم يكن اعتقادهم علما فكذا اعتقاد العقلاء الثاني أن كون التواتر مفيدا للعلم يتوقف على عدم تطرق اللبس إلى الخبر على ما مر بيانه لكن اللبس يتطرق إليه على ما مر فوجب أن لا يفيد العلم الثالث لو حصل العلم عقيب التواتر لحصل إما مع الجواز أو مع الوجوب فإن حصل مع جواز أن لا يحصل امتنع القطع بحصوله فلا يمكن القطع بأن التواتر يفيد العلم لا محالة بل يجري حصول العلم عقيب خبر التواتر مجرى حصوله عند سماع صرير الباب ونعيق الغراب وإن حصل مع الوجوب فالمستلزم بعد إما قول كل واحد أو قول المجموع الأول باطل أما أولا فلأنا نعلم بالضرورة أن قول الواحد لا يفيد العلم وأما ثانيا فلأن قول كل واحد منهم إذا كان مستقلا بالاستلزام فإن وجدت الأقوال دفعة لزم أن يجتمع على الأثر الواحد مؤثرات مستقلة بالتأثير وهو محال
vol. 4, p. 252وإن وجدت على التعاقب فإذا حصل الأثر بالسابق استحال حصول ذلك الأثر بعينه باللاحق لامتناع ايجاد الموجود واستحال أيضا حصول مثله باللاحق لاستحالة الجمع بين المثلين فيلزم أن يبقى اللاحق خاليا عن التأثير فتكون العلة القطعية منفكة عن المعلول وهو محال ولا جائز أن يكون المؤثر قول المجموع أما أولا فلأن قول كل واحد إن بقي عند الإجتماع كما كان عند الانفراد ولم يحدث عند الاجتماع أمر زائد ألبته فكما لم يكن الاستلزام حاصلا عند الانفراد وجب أن لا يحصل عند الاجتماع وإن حدث أمر ما إما بزوال أو بالحدوث فإن كان المقتضي لذلك الحدوث قول كل واحد عاد المحذور المذكور وإن كان المجموع عاد التقسيم المذكور وإن كان لحدوث أمر آخر لزم التسلسل وأما ثانيا وهو أن المستلزمية نقيض اللامستلزمية يقول التي هي أمر عدمي فكانت المستلزمية أمرا ثبوتيا فإن كان الموصوف بها هو المجموع لزم حلول الصفة الواحدة في الأشياء الكثيرة وهو محال
vol. 4, p. 253وأما ثالثا فلأن التواتر في الأكثر إنما يكون بورود الخبر عقيب الخبر وإذا كان كذلك كان عند حصول كل واحد منهما حال وجود الثاني معدوما فلا يكون للمجموع وجود في زمان أصلا فيستحيل أن يكون المؤثر هو المجموع لأن الشئ ما لم يوجد في نفسه لا يقتضي وجود غيره وأما رابعا وهو الكلام المشهور في هذا المسألة أن قول كل واحد لما
-
لم يكن مؤثرا وجب أن يكون قول الكل غير مؤثر كما أن كل واحد من الزنج لما لم يكن أبيض استحال كون الكل أبيض الوجه الرابع في استحالة أن يكون خبر التواتر مستلزما للعلم لأن المستلزم إما آحاد الحروف وهو باطل أو المجموع وهو محال لأن المجموع لا وجود له وما لا وجود له استحال أن يستلزم شيئا اخر فإن قلت الموجب هو الحرف الأخير بشرط وجود سائر الحروف قبله أو بشرط مسبوقية الحرف الأخير بسائر الحروف قلت الشرط لا بد من حصوله حال حصول المشروط والحروف السابقة غير حاصلة حال حصول الحرف الأخير
vol. 4, p. 254وعن الثاني أن مسبوقية الشئ بغيره لا تكون صفة وإلا كانت صفة حادثة فتكون مسبوقتيها الذي بالغير صفة أخرى ولزم التسلسل وإذا كانت المسبوقية أمرا عدميا استحال أن يكون جزء العلة أو شرطها أما الذين سلموا أن خبر التواتر عن الأمور الموجودة يفيد العلم لكنهم منعوا من كون التواتر عن الأمور الماضية مفيدا للعلم فقد احتجوا بأن التواتر عن الأمور الماضية وقع عن أمور باطلة فوجب أن لا يكون حجة بيان الأول أن اليهود والنصارى
vol. 4, p. 255والمجوس والمانوية على كثرة كل فرقة
-
منهم وتفرقهم في الشرق والغرب يخبرون عن أمور هي باطلة قطعا عند المسلمين وذلك يقتضي القدح في التواتر فإن قلت شرط التواتر استواء الطرفين الواسطة وهو غير حاصل في هذه الفرق لأن اليهود قل عددهم في زمان بختنصر والنصاري كانوا قليلين في الابتداء وكذا القول في المجوس والمانوية قلت صدقتم حيث قلتم لا بد من استواء الطرفين والواسطة لكن الطريق إليه إما العقل أو النقل أو ما هو مركب منهما والعقل المحض لا يكفي
vol. 4, p. 256وأما النقل فإما من الواحد أو من الجمع وقول الواحد إنما يفيد لو كان معصوما وهو مفقود في زماننا وأما الجمع فهو أن يقال إن أهل التواتر في زماننا على كثرتهم يخبرون إنهم كانوا كذلك أبدا لكن كما أن أهل الإسلام يدعون ذلك فهذه الفرق الأخرى تدعي ذلك فليس تصديق إحداهما وتكذيب الأخرى أولى من العكس وأما المركب منهما فهو أن يقال لو كان خبرا موضوعا لعرفنا أن الأمر كذلك وقد عرفت ضعف هذه الطريقة ثم إن جميع هذه الفرق يصححون قولهم بمثل هذه الطريقة فليس قبول أحد القولين أولى من الآخر فإما الذي يقال إن بختنصر قتل اليهود حتى لم يبق منهم عدد أهل التواتر قلنا هذا محال لأن الأمة العظيمة المتفرقة في الشرق والغرب
-
يستحيل قتلها إلى هذا الحد وأما النصارى فلو لم يكونوا بالغين في أول الأمر إلى حد التواتر لم يكن شرعه حجة إلى زمان ظهور محمد صلى الله عليه وسلم لكنه باطل باتفاق المسلمين
vol. 4, p. 257وها هنا وجوه أخر من المعارضات مذكورة في كتاب النهاية فهذا تمام الاعتراضات واعلم أن بعض هذه الأسئلة والمعارضات لا شك أن فسادها أظهر من صحتها لكن ذلك إنما يكفي في ادعاء الظن القوي لا في ادعاء اليقين التام وكان غرضنا من الإطناب في هذه الأسئلة إن الذي قاله أبو الحسين من أن الاستدلال بخبر النوادر على صدق المخبرين أمر سهل هين مقرر في عقول البله والصبيان ليس بصواب بل لما فتحنا باب المناظرة دق الكلام ولا يتم المقصود إلا بالجواب القاطع عن كل هذه الإشكالات وذلك لو أمكن فإنما يمكن بعد تدقيقات في النظر عظيمة ومن البين لكل عاقل أن علمه بوجود مكة ومحمد صلى الله عليه وسلم اظهر من علمه بصحة هذه الدلالة وإبطال ما فيها من الأقسام سوى القسم المطلوب وبناء الواضح على الخفي غير جائز فظهر أن الحق ما ذهبنا اليه من أن هذا العلم ضروري وحينئذ لا نحتاج إلى الخوض في الجواب عن هذه الأسئلة لأن