المسألة الخامسة في شرائط التواتر

8 paragraphs · vol. 4, p. 258

  1. التشكيك في الضروريات لا يستحق الجواب المسألة الخامسة في شرائط التواتر اعلم أن هذه الأخبار التي نعلم مخبرها باضطرار الحجة علينا فيها هو العلم ولا حاجة بنا إلى اعتبار حال المخبرين بل يجب أن يعتبر

    vol. 4, p. 258
  2. السامع حال نفسه فإذا حصل له العلم بمخبر تلك الأخبار صار محجوجا بها وإلا فالحجة عنه زائلة ثم إنه بعد وقوع العلم بمخبر خبرهم صح أن نبحث عن أحوالهم فنقول لو لم يكونوا على هذه الصفة لما وقع لنا العلم بخبرهم وأعلم أن ها هنا أمور معتبرة في كون التواتر مفيدا للعلم وأمورا ظن أنها معتبرة مع أنها في الحقيقة غير معتبرة أما القسم الأول فنقول إن تلك الأمور إما أن تكون راجعة إلى السامعين أو إلى المخبرين أما الأمور الراجعة إلى السامعين فأمران الأول أن لا يكون السامع عالما بما أخبر به اضطرارا لأن تحصيل الحاصل محال وتحصيل مثل الحاصل أيضا محال وتحصيل التقوية أيضا محال لأن العلم الضروري أيضا يستحيل أن يصير أقوى مما كان مثاله إن كان العلم حاصلا بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان لم

    vol. 4, p. 259يكن للاخبار عنه تأثير في العلم به والثاني قال الشريف المرتضي يجب أن لا يكون السامع قد سيق بشبهة أو تقليد إلى اعتقاد نفى موجب الخبر وهذا الشرط إنما اعتبره الشريف لأن عنده الخبر عن النص على إمامة علي رضي الله عنه متواتر ثم لم يحصل العلم به لبعض السامعين فقال ذلك لأنهم اعتقدوا نفي النص لشبهة

  3. واحتج عليه بأن حصول العلم عقيب خبر التواتر إذا كان بالعادة جاز أن يختلف ذلك باختلاف الأحوال فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد نقيض ذلك الحكم قبل ذلك الحكم ولا يحصل له إذا اعتقد ذلك فإن قلت يلزمكم عليه أن تجوزوا صدق من أخبركم بأنه لم يعلم وجود البلدان الكبار والحوادث العظام بالأخبار المتواترة لأجل شبهة اعتقدها في نفي تلك الأشياء قلت أنه لا داعي يدعو العقلاء إلى سبق اعتقاد نفي هذه الأمور ولا شبهة في نفي تلك الأشياء أصلا أما ما يرجع إلى المخبرين فأمران

    vol. 4, p. 260الأول أن يكونوا مضطرين إلى ما أخبروا عنه لأن غير الضروري يجوز دخول الالتباس فيه فلا جرم لا يحصل العلم به ولذلك فإن المسلمين يخبرون اليهود بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يحصل لهم العلم بها الثاني العدد وفيه مسائل المسألة الأولى قال القاضي أبو بكر اعلم أن قول الأربعة لا يفيد العلم أصلا وأتوقف في قول الخمسة واحتج عليه بأنه لو وقع العلم بخبر أربعة صادقين لوقع بخبر كل أربعة صادقين وهذا باطل فذاك مثله

  4. بيان الملازمة أنه لو وقع العلم بقول أربعة ولا يقع بقول مثلهم مع تساوي الأحوال والقائلين والسامعين في جميع الشروط لم يمتنع أن تخبرنا قافلة الحاج بوجود مكة فنعرفها ثم هم بأعيانهم يخبروننا بوجود المدينة فلا نعرفها ولما لم يجز ذلك صح قولنا وإنما قلنا إن العلم لا يحصل بخبر كل أربعة لأنه لو وقع العلم بخبر

    vol. 4, p. 261كل أربعة إذا كانوا صادقين لكان يجب إذا شهد أربعة انهم شاهدوا فلانا على الزنا أن يستغنى القاضي عن التزكية لأنهم إذا كانوا صادقين وجب أن يحصل له العلم بقولهم وحينئذ يستغنى عن التزكية وإن لم يحصل له العلم بقولهم قطع بكونهم كاذبين قطعا وحينئذ يسغنى لأن أيضا عن التزكية ولما لم يكن كذلك بل أجمعوا على وجوب إقامة الحد وإن لم يضطر القاضي إلى صدقهم علمنا أن العلم لا يحصل بخبر الأربعة فإن قيل الملازمة ممنوعة قوله لو وقع العلم بخبر أربعة صادقين ولا يقع بخبر أربعة صادقين اخرين لزم كذا وكذا قلنا لم قلت إنه يلزم ذلك بيانه أن العلم بمخبر الأخبار حاصل عن فعل الله تعالى عندكم

    vol. 4, p. 262وإذا كان كذلك جاز منه تعالى أن يخلق ذلك العلم عند خبر أربعة ولا يخلقه عند خبر أربعة أخرى ولا تجري العادة في ذلك على طريقة واحدة

  5. وإن كانت العادة في أخبار الجماعات العظيمة جارية على طريقة واحدة كما أن التكرار على البيت الواحد ألف مرة سبب لحفظه في العادة المطردة وأما تكراره مرتين أو ثلاثا فقد يكون سببا لحفظه وقد لا يكون والعادة فيه مختلفة سلمنا أنه يلزم من اطراد العادة في شئ اطرادها في مثله فلم قلت يلزم من حصول العلم عند رواية أربعة حصوله عند شهادة أربعة بيانه أن الشهادة وإن كانت خبرا في المعنى لكن لفظ الشهادة مخالف للفظ الخبر الذي ليس بشهادة فلم لا يجوز أن يجري الله تعالى عادته بفعل العلم الضروري عند الخبر الذي ليس فيه لفظ الشهادة ولا يفعله عند لفظ الشهادة وإن كان الكل خبرا سلمنا أن التفاوت بين لفظ الشهادة وبين لفظ الخبر الذي ليس بشهادة غير معتبر فلم لا يجوز أن يقال لما كان من شرط الشهادة أن يجتمع المخبرون عند الشهادة وذلك الاجتماع يوهم الاتفاق على

    vol. 4, p. 263الكذب فلا جرم لم يفد العلم بخلاف الرواية سلمنا أن ما ذكرته يوجب الجزم بأن قول الأربعة لا يفيد العلم لكنه يوجب الجزم بأن قول الخمسة لا يفيد أيضا لأن قول الخمسة لو أمكن أن يفيد فإذا شهدوا فإن كانوا صادقين وجب أن يفيد العلم الضروري وإن لم يحصل العلم بصدقهم وجب القطع بكذبهم فهذا يقتضي أن

  6. تكون الخمسة كالأربعة في القطع بأنها لا تفيد سلمنا ذلك لكن يلزمكم أن تقطعوا بأن عدد أهل القسامة لا يفيد العلم لعين ما تقدم ذكره في الخمسة

    vol. 4, p. 264والجواب أما الأسئة وقد الثلاثة الأولى فواردة ولا جواب عنها وأما المعارضة بقول الخمسة فالجواب أنه لا يمتنع أن يقع العلم بخبر خمسة والحاكم إنما لم يعلم صدق هؤلاء الخمسة وإن وجب عليه إقامة الحد لجواز أن يكون أربعة منهم شاهدوا ذلك والخامس ما شاهده فلزم إقامة الحد بقول أربعة منهم وإن لم يعرفهم بأعيانهم وكان الخامس كاذبا فلا جرم وجب عليه البحث عن أحوالهم وهذا بخلاف الأربعة فإنه إذا لم يحصل العلم بقولهم وجب أن يكون واحد منهم كاذبا وبهذا التقدير تسقط الحجة بقولهم ولزم على الحاكم رد قولهم وإقامة الحد عليهم فظهر الفرق واعلم أن هذا الجواب يقتضي القطع بكذب واحد من الخمسة أو القطع بأن قول الخمسة لا يفيد العلم أصلا أو القول بأنه لا يلزم من كون قول الخمسة مفيدا للعلم أن يكون قول كل خمسة مفيدا للعلم قوله يلزمكم أن تقطعوا بأنه لا يقع العلم بخبر أهل القسامة

    vol. 4, p. 265قلنا أهل العراق يقولون يحلف خمسون من المدعى عليهم كل واحد منهم على أنه ما قتل ولا عرف قاتلا فكل واحد منهم يخبر عن

  7. غير ما يخبر عنه الآخر وعند الشافعي رضي الله عنه يحلف خمسون من المدعين كل واحد منهم بحسب ظنه فخبر كل واحد منهم غير خبر الآخر المسألة الثانية الحق أن العدد الذي يفيد قولهم العلم غير معلوم فإنه لا عدد يفرض إلا وهو غير مستبعد في العقل صدور الكذب عنهم وإن الناقص عنهم بواحد أو الزائد عليهم بواحد لا يتميز عنهم في جواز الإقدام على الكذب ومنهم من اعتبر فيه عددا معينا وذكروا وجوها أحدها الاثنا عشر لقوله تعالى وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا

    vol. 4, p. 266وثانيها العشرون وهو قول أبي الهذيل قال لقوله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين أوجب الجهاد على العشرين وإنما خصهم بالجهاد لأنهم إذا أخبروا حصل العلم بصدقهم وثالثها الأربعون لقوله تعالى حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين نزلت في الأربعين ورابعها السبعون لقول تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا

    vol. 4, p. 267وخامسها ثلاثمائة وبضعة عشر عدد أهل بدر وسادسها عدد بيعة الرضوان واعلم أن كل ذلك تقييدات لا تعلق للمسألة بها

    vol. 4, p. 268فإن قلت إذا جعلتم العلم معرفا لكمال العدد تعذر عليكم الاستدلال به على الخصم قلت إنا لا نستدل ألبتة على حصول العلم بالخبر المتواتر بل المرجع فيه إلى الوجدان كما تقدم بيانه فهذه هي الشرائط المعتبرة في خبر التواتر إذا أخبر المخبرون عن المشاهدة فأما إذا نقلوا عن قوم اخرين فالواجب حصول هذه الشرائط في كل تلك الطبقات ويعبر عن ذلك بوجوب استواء الطرفين والواسطة وأما القسم الثاني وهي الشرائط التي اعتبرها قوم مع انها غير معتبرة فأربعة الأول أن لا يحصرهم عدد ولا يحويهم بلد وهو باطل لأن اهل الجامع لو أخبروا عن سقوط المؤذن عن المنارة فيما بين الخلق لكان إخبارهم مفيدا للعلم الثاني أن لا يكونوا على دين واحد وهذا شرط اعتبره اليهود وهو باطل لأن

    vol. 4, p. 269التهمة لو حصلت لم يحصل العلم سواء كانوا على دين واحد أو على أديان وإن ارتفعت حصل العلم كيف كانوا الثالث أن لا يكونوا من نسب واحد ولا من بلد واحد والقول فيه ما تقدم الرابع شرط ابن الرواندي وجود المعصوم في المخبرين لئلا يتفقوا على الكذب وهو باطل لأن المفيد حينئذ قول المعصوم لا خير أهل التواتر المسألة الثالثة في خبر التواتر من جهة المعنى مثاله أن يروي واحد أن حاتما وهب عشرة من العبيد واخبر اخر أنه وهب خمسة من الإبل وأخبر اخر أنه وهب عشرين ثوبا ولا يزال يروي كل واحد منهم من هذا الخبر شيئا فهذه الأخبار تدل على سخاوة حاتم من وجهين

    vol. 4, p. 270الأول أن هذه الجزئيات مشتركة في كلي واحد وهو كونه سخيا والراوي للجزئي بالمطابقة راو للكلي المشترك فيه بالتصمت علي فإذا بلغوا حد التواتر صار ذلك الكلي مرويا بالتواتر الثاني أن نقول هؤلاء الرواة بأسرهم لم يكذبوا بل لا بد وأن يكون الواحد منهم صادقا وإذا كان كذلك فقد صدق جزئي واحد من هذه الجزئيات

  8. المروية ومتى صدق واحد منها ثبت كونه سخيا والوجه الأول أقوى لأن المرة الواحدة لا تثبت السخاوة