الباب الأول في حجية خبر الآحاد
22 paragraphs · vol. 4, p. 353
- vol. 4, p. 353
الباب الأول في إقامة الدليل على أنه حجة في الشرع اختلف الناس فيه فالأكثرون جوزوا التعبد به عقلا والأقلون منعوا منه عقلا أما المجوزون فمنهم من قال وقع التعبد به ومنهم من قال لم يقع التعبد به والذين قالوا وقع التعبد به اتفقوا عى أن الدليل السمعي دل عليه واختلفوا في ان الدليل العقلي هل دل عليه فذهب القفال وابن سريج منا وأبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أن دليل العقل دل على وقوع التعبد به أما الجمهور منا ومن المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد
-
الجبار فقد اتفقوا على أن دليل التعبد به السمع فقط وهو قول أبي جعفر الطوسي من الإمامية
vol. 4, p. 354أما الذين قالوا لم يرد التعبد به فهم فرق ثلاث الأولى أنه لم يوجد ما يدل على كونه حجة فوجب القطع بأنه ليس بحجة والثانية أنه جاء في الأدلة السمعية ما يدل على أنه ليس بحجة والثالثة أن الدليل العقلي قائم على امتناع العمل به ثم إن الخصوم بأسرهم اتفقوا على جواز العمل بالخبر الذي لا تعلم صحته كما في الفتوى وفي الشهادة وفي الأمور الدنيوية لنا النص والإجماع والسنة المتواترة والقياس والمعقول أما النص فوجهان الأول قوله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وجه الاستدلال أن الله تعالى أوجب الحذر بإخبار الطائفة والطائفة ها هنا عدد لا يفيد قولهم العلم ومتى وجب الحذر باخبار عدد لا يفيد قولهم العلم فقد وجب العمل بالخبر الذي لا نقطع بصحته وإنما قلنا إنه أوجب الحذر عند إخبار الطائفة لأنه أوجب الحذر بإنذار الطائفة والإنذار هو الإخبار وانما قلنا أنه أوجب الحذر بإنذار الطائفة لقوله تعالى
vol. 4, p. 355ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون وكلمه لعل للترجي وذلك في حق الله تعالى محال وإذا تعذر حمله على ظاهره وجب حمله على المجاز وذلك لأن المترجي طالب للشئ فإذا كان الطلب لازما للترجي وجب حمل هذا اللفظ على الطلب فيلزم أن يكون الله طالبا للحذر وطلب الله تعالى هو الأمر فثبت أن الله تعالى أمر بالحذر عند انذار الطائفة وإنما قلنا إن الإنذار هو الإخبار لأنه عبارة عن الخبر المخوف والخبر داخل في الخبر المخوف فثبت أن الله تعالى أوجب الحذر عند إخبار الطائفة وإنما قلنا إن الطائفة ها هنا عدد لا يفيد قولهم العلم لأن كل ثلاثة فرقة والله تعالى أوجب على كل فرقة أن تخرج منها طائفة والطائفة من الثلاثة واحد أو اثنان وقول الواحد أو الإثنين لا يفيد العلم وإنما قلنا أنه تعالى لما أوجب الحذر عند خبر العدد الذي لا يفيد قولهم العلم وجب العمل بذلك الخبر لأن قوما إذا فعلوا فعلا وروي الراوي لهم خبرا يقتضي المنع من ذلك الفعل فإما أن يجب عليهم تركه عند سماع ذلك الخبر أو لا يجب فإن وجب فهو المراد من وجوب العمل بمقتضى ذلك الخبر وإذا ثبت وجوب العمل بمقتضى ذلك الخبر في هذه الصورة وجب العمل به في سائر الصور ضرورة أن لا قائل بالفرق
vol. 4, p. 356وإن لم يجب الترك لم يجب الحذر وذلك ينافي ما دلت الآية عليه من وجوب الحذر
-
فإن قيل لا نسلم أنه تعالى أوجب الحذر عند انذار الطائفة وأما قوله تعالى لعلهم يحذرون قلنا سلمتم أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلم قلتم إنه يجب حمله على ذلك المجاز ولم لا يجوز حمله على مجاز اخر لا بد فيه من الدليل سلمنا وجوب الحذر عند الإنذار لكن لا نسلم أن الإنذار هو الإخبار فإن الإنذار من جنس التخويف فنحن نحمل الآية على التخويف الحاصل من الفتوى بل هذا أولى لأنه أوجب التفقه لأجل الإنذار والتفقه إنما يحتاج إليه في الفتوى لا في الرواية فإن قلت الحمل على الفتوى متعذر لوجهين الأول أنا لو حملناه على الفتوى لاختص لفظ القوم بغير المجتهدين لأن المجتهد لا يجوز له العمل بفتوى المجتهد لكن التقييد غير جائز لأن الآية مطلقة في وجوب إنذار القوم سواء كانوا مجتهدين أو لم يكونوا كذلك أما لو حلمناه ولا على رواية الخبر لا يلزمنا ذلك لأن الخبر كما يروي لغير
vol. 4, p. 357المجتهد فقد يروي أيضا للمجتهد والثاني أن من شرب النبيذ فروى إنسان خبرا يدل على أن شاربة في النار فقد أخبره بخبر مخوف ولا معنى للإنذار إلا ذلك فصح وقوع اسم الإنذار على الرواية ثم بعد ذلك نقول لا يخلو إما ان لا يقع اسم الإنذار على الفتوى أو يقع
-
فإن لم يقع فقد حصل الغرض من أن المراد من الانذار الرواية لا الفتوي وإن وقع لم يجز جعله حقيقة فيهما دفعا للاشتراك فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك وهو الخبر المخوف وعلى هذا التقدير يكون متناولا للرواية والفتوى جميعا وذلك مما لا يضرنا قلت الجواب عن الأول أنه كما يلزم من حمل الإنذار على الفتوى تخصيص لفظ القوم بغير المجتهد يلزم من حمله على الرواية تخصيص لفظ القوم بالمجتهد لإجماعنا على أنه لا يجوز للعامي أن يستدل بالحديث فالتقييد لازم عليكم كما أنه لازم علينا فعليكم الترجيح ثم أنه معنا لأن غير المجتهد أكثر من المجتهد والتقييد كلما كان أقل كان أولى
vol. 4, p. 358وعن الثاني أنه إذا كان المراد من الإنذار القدر المشترك بين الفتوى والرواية والمأمور به إذا كان مشتركا فيه بين صور كثيرة كفى في الوفاء بمقتضى الأمر الاتيان بصورة واحدة من تلك الصور لأنه إذا كان المطلوب إدخال القدر المشترك بين الفتوى والرواية في الوجود وذلك المشترك يحصل في الفتوى فالقول بكون الفتوى حجة يكفي في العمل بمقتضى النص فلا تبقى للنص دلالة على وجوب العمل بالرواية سلمنا أن المراد من الانذار رواية الخبر فقط لكن لم لا يجوز أن
-
يكون المراد رواية أخبار الأولين وكيفية ما فعل الله تعالى بهم لأن سماع أخبارهم يقتضي الاعتبار على ما قال الله تعالى لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب أو يكون المراد منه التنبيه على وجوب النظر والاستدلال سلمنا أن الآية تقتضي وجوب الحذر عند خبر الطائفة فلم قلت إن الطائفة اسم لعدد لا يفيد قولهم العلم قوله لأن كل ثلاثة فرقة والخارج من الثلاثة واحد أو اثنان قلنا لا نسلم أن كل ثلاثة فرقة فما الدليل ثم إن الذي يدل على بطلانه وجهان الأول أنه يقال الشافعية فرقة واحدة لا فرق ولو كان كل ثلاثة فرقة لما
vol. 4, p. 359كان الشافعية واحدة بل فرقا الثاني أنه تعالى أوجب على كل فرقة أن تخرج منها طائفة للتفقه ولو كان كل ثلاثة فرقة لوجب أن يخرج من كل ثلاثة واحد وذلك باطل بالاتفاق سلمنا إن الطائفة اسم لعدد لا يفيد قولهم العلم فلم قلت إنه يقتضي وجوب الحذر بقول عدد لا يفيد قولهم العلم بيانه أن الطائفة عندكم اسم للواحد أو الإثنين وقوله ولينذوا قومهم ض مير جمع وأقل الجمع ثلاثة على ما تقدم
-
فإذن قوله ولينذروا ليس عائدا إلى كل واحد من تلك الطوائف بل إلى مجموعها فلم قلت إن مجموع تلك الطوائف ما بلغوا حد التواتر سلمنا أن الآية تقتضي وجوب الحذر عند خبر من لا يفيد قولهم العلم فلم قلت إنها تقتضي وجوب العمل بذلك الخبر فإنا إنما نوجب عليهم ذلك الترك للاحتياط حتى أنه لو كان عاميا وجب عليه الرجوع إلى
vol. 4, p. 360المفتي فإن أذن له جاز له العود اليه وإن كان مجتهدا نظر في سائر الأدلة فإن وجد فيها ما يقتضي المنع من ذلك الفعل امتنع منه وإلا جاز له العود إليه والجواب قوله لم قلت إنه يفيد وجوب الحذر قلنا لثلاثة أوجه الأول أنه لا يجوز حمله على ظاهره فوجب حمله على الأمر به قوله لم قلت ليس ها هنا مجاز اخر قلت لأن الأصل عدم المجاز فإذا وجد هذا المجاز الواحد فالظاهر عدم سائر المجازات الثاني أن قوله تعالى لعلهم يحذرون يقتضي إمكان تحقق الحذر في حقهم والحذر هو التوقي من المضرة والفعل الذي يقتضي خبر الواحد المنع منه قد لا يكون مضرا في الدنيا فلا بد وأن يكون مضرا في الآخرة
-
وإلا لم يكن الحذر ممكنا ولا معنى لمضره لم الآخرة إلا العقاب فإذا كان هو بحال يحذر عنه وجب أن يكون بحال يترتب العقاب على فعله ولا معنى لقولنا خبر الواحد حجة إلا هذا القدر
vol. 4, p. 361الثالث أن قوله تعالى لعلهم يحذرون إن لم يقتض وجوب الحذر فلا أقل من أن يقتضي حسن الحذر وذلك يقتضي جواز العمل بخبر الواحد والخصم ينكره فصار محجوجا به قوله لم لا يجوز أن يكون المراد الفتوى قلنا للوجهين المذكورين أحدهما أنا لو حملناه على الفتوى لزم تخصيص القوم بغير المجتهد قوله ولو حملناه على الرواية لزم تخصيصه بالمجتهد قلنا لا نسلم فإن الخبر كما يروي للمجتهد فقد يروى لغير المجتهد بلى لا يجوز لغير المجتهد أن يتمسك به ولكن ينتفع به من وجوه أخر منها أنه ينزجر عن فعله ويصير ذلك داعيا له إلى الرجوع إلى المفتي وربما بحث عنه واطلع على معناه الوجه الثاني انا نحمله على القدر المشترك قوله يكفي في العمل به ثبوته في صورة واحدة قلنا الجواب عنه من وجهين
vol. 4, p. 362الأول أنه رتب وجوب الحذر على مسمى الإنذار الذي هو القدر المشترك فوجب كون هذا القدر المشترك علة للحكم فوجب أن يكون الحكم ثابتا أينما ثبت هذا المسمى والثاني أن قبل ورود هذه الآية إما أن يقال كان الأمر بقبول الفتوى واردا أو ما كان واردا فإن كان واردا لم يجز حمل هذه الآية عليه وإلا كان ذلك تكريرا من غير فائدة وإن قلنا إنه ما كان واردا وجب حمله على الأمر بالصورتين وإلا تطرق الإجمال إلى الآية وهو خلاف الأصل قوله لم لا يجوز أن يكون المراد من الانذار رواية أخبار الأولين قلنا الجواب عنه كما تقدم على السؤال الأول قوله لم قلت كل ثلاثة فرقة قلنا لأن الفرقة في أصل اللغة فعلة من فرق أو فرق كالقطعة من قطع أو قطع وكل شئ حصل الفرق أو التفريق فيه كان فرقة كما أن كل ما حصل القطع أو التقطيع فيه كان قطعة ولذلك من شق الخشبة يقال فرقها فرقا
vol. 4, p. 363وإذا كان كذلك فالفرقة في اللغة تقع على كل واحد من الأشخاص حقيقة إلا أنا خصصناها في هذه الآية بالثلاثة حتى يمكن خروج الطائفة عنها فوجب أن تبقى حقيقة في الثلاثة
-
قوله أصحاب الشافعي رضي الله عنه فرقة واحدة قلنا ذلك لأنهم بحسب المذهب امتازوا عن غيرهم فلأجل هذا الافتراق سموا فرقة واحدة أما بحسب الشخص فهم فرق قوله إن الله تعالى أوجب على كل فرقة أن تخرج منها طائفة للتفقه ولا يجب ذلك على كل ثلاثة قلنا ترك العمل به في حق هذا الحكم فيبقى معمولا به في الباقي قوله لم لا يجوز أن يكون المراد أن ينذر مجموع الطوائف قومهم قلنا هذا باطل لقوله إذا رجعوا إليهم لأنه لا يجوز أن يقال فلان رجع إلى ذلك الموضع إلا بعد أن كان فيه ومعلوم أن الطائفة من كل فرقة ما كانت في غير تلك الفرقة ولا يمكن أن يقال كل طائفة ترجع إلى كل الفرق بل إنما يمكن رجوعها إلى فرقتها الخاصة قوله الضمير في قوله ولينذروا ليس ضمير الواحد والإثنين قلنا هذا لا يضرنا لأنه تعالى قابل مجموع الطوائف بمجموع
vol. 4, p. 364القوم فيتوزع البعض على البعض قوله لم قلت إنه يدل على وجوب الترك بذلك الخبر قلنا لما تقدم قوله يجب عليه الترك في الحال ليستفتى إن كان عاميا وليتأمل إن كان مجتهدا قلنا هذا باطل لأن العامي لا يجوز له الإقدام على الفعل إلا بعد أن يعلم أولا جواز ذلك الفعل من جهة المفتي ومتى علم الفتوى لم يجب عليه الاستفتاء مرة أخرى
-
وأما المجتهد فإن كان خبر الواحد حجة عليه فهو المطلوب وإن لم يكن دليلا لم يجب عليه التوقف لانعقاد الإجماع على أن الذي لا يكون دليلا لا يمنعه عن فعل ما ثبت له جواز فعله بدليل متقدم المسلك الثاني لو وجب في خبر الواحد إن لا يقبل لما كان كون خبر الفاسق غير مقبول معللا بكونه فاسقا لكنه معلل به فلم يجب في خبر الواحد إن لا يقبل فإذا
vol. 4, p. 365لم يجب أن لا يقبل جاز قبوله في الجملة وهو المقصود بيان الملازمة أن كون الراوي الواحد واحدا أمر لازم لشخصه المعين يمنع خلوه عنه عقلا وأما كونه فاسقا فهو وصف عرضي يطرى ويزول واذا اجتمع في المحل وصفان أحدهما لازم والآخر عرضي مفارق وكان كل واحد منهما مستقلا باقتضاء الحكم كان الحكم لا محالة مضافا إلى اللازم لأنه كان حاصلا قبل حصول المفارق وموجبا لذلك الحكم وحين جاء المفارق كان ذلك الحكم حاصلا بسبب ذلك اللازم وتحصيل الحاصل مرة أخرى محال فيستحيل إسناد ذلك الحكم إلى ذلك المفارق مثاله يستحيل أن يقال الميت لا يكتب لعدم الدواة والقلم عنده لأن الموت لما كان وصفا لازما مستقلا بامتناع صدور الكتابة عنه لم يجز تعليل امتناع الكتابة بالوصف العرضي وهو عدم الدواة والقلم وإنما قلنا إنه معلل به لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أمر بالتثبت مرتبا على كونه فاسقا والحكم المرتب على الوصف المشتق المناسب يقتضي كونه معللا بما منه الاشتقاق ولا شك
-
في أن الفسق يناسب عدم القبول فثبت بما ذكرنا أن خبر الواحد لو
vol. 4, p. 366وجب أن لا يقبل لامتنع تعليل أن لا يقبل خبر الفاسق بكونه فاسقا وثبت أنه معلل به فخبر الواحد لا يجب أن لا يقبل فهو إذن مقبول في الجملة ومن الناس من تمسك بالآية على وجه آخر وهو أنه تعالى أمر بالتثبت بشرط أن يكون الخبر صادرا عن الفاسق والمشروط بالشئ عدم عند عدم الشرط فوجب أن لا يجب التثبت إذا لم يوجد مجئ الفاسق فإذا جاء غير الفاسق ولم يتثبت فإما أن يجزم بالرد وهو باطل وإلا كان خبر العدل أسوأ حالا من خبر الفاسق وهو باطل بالإجماع فيجب القبول وهو المطلوب المسلك الثالث السنة المتواترة وهو ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث رسله إلى القبائل لتعليم الأحكام مع أن كل واحد من أولئك الرسل ما كانوا بالغين حد التواتر واعترض أبو الحسين البصري على هذه الدلالة بسؤال واقع فقال كان يبعثهم إلى القبائل للفتوى أو لرواية الخبر الأول مسلم والثاني ممنوع
vol. 4, p. 367بيانه أن العوام في القبائل كانوا أكثر من المجتهدين فكانت حاجتهم إلى الفتوى أشد من حاجتهم إلى من يروى لهم الخبر ليحتجوا به وبالجملة هب أن هذا الاحتمال ليس أظهر لكن لا بد من قيام الدلالة على قطع هذا الإحتمال ليتم الاستدلال
-
المسلك الرابع الإجماع العمل بخبر الواحد الذي لا يقطع بصحته مجمع عليه بين الصحابة فيكون العمل به حقا إنما قلنا إنه مجمع عليه بين الصحابة لأن بعض الصحابة عمل بالخبر الذي لا يقطع بصحته ولم ينقل عن أحد منهم إنكار على فاعله
vol. 4, p. 368وذلك يقتضي حصول الإجماع وإنما قلنا إن بعض الصحابة عمل به لوجهين الأول وهو أنه روى بالتواتر أن يوم السقيفة لما احتج أبو بكر رضي الله عنه على الأنصار بقوله عليه الصلاة والسلام الأئمة من قريش مع أنه مخصص لعموم قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم قبلوه ولم ينكر عليه أحد ولم يقل له أحد كيف تحتج علينا بخبر لا نقطع بصحته فلما لم يقل أحد منهم ذلك علمنا أن ذلك كان كالأصل المقرر عندهم الثاني الاستدلال بأمور لا ندعي التواتر في كل واحد منها بل في مجموعها وتقريره أن نبين أن الصحابة عملوا على وفق خبر الواحد ثم نبين أنهم إنما عملوا به لا بغيره أما المقام الأول فبيانه من وجوه الأول رجوع الصحابة إلى خبر الصديق في قوله عليه الصلاة والسلام
vol. 4, p. 369الأنبياء يدفنون حيث يموتون وفي قوله الأئمة من قريش وفي قوله نحن معاشر الأنبياء لا نورث وإلى كتابه في معرفة نصب الزكوات ومقاديرها الثاني روي أن أبا بكر رضي الله عنه رجع في توريث الجدة إلى خبر المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة ونقل عنه أيضا أنه قضى بقضية بين أثنين فأخبره بلال أنه عليه الصلاة والسلام قضى فيها بخلاف قضاءه فرجع اليه الثالث روي أن عمر رضي الله عنه كان يجعل في الأصابع نصف الدية ويفصل بينها فيجعل في الخنصر ستة وفي البصر تسعة وفي الوسطى والسبابة عشرة عشرة وفي الأبهام خمسة عشر فلما روي له في كتاب
vol. 4, p. 370عمرو بن حزم أن في كل أصبع عشرة رجع عن رأيه الرابع وقال في الجنين رحم اله امرأ سمع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا فقام إليه حمل بن مالك فأخبره بأن الرسول عليه الصلاة والسلام قضى فيه بغرة فقال عمر لو لم نسمع هذا لقضينا فيه بغيره
vol. 4, p. 371الخامس
-
أنه كان لا يرى ثوريث حدثنا المرأة من دية زوجها فأخبره الضحاك أنه عليه الصلاة والسلام كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها فرجع إليه السادس تظاهرت الرواية أن عمر قال في المجوس ما أدري ما أصنع بهم فقال عبد الرحمن بن عوف أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سنوا بهم سنة أهل الكتاب فأخذ منهم الجزية وأقر هم على دينهم
vol. 4, p. 372السابع أنه ترك العمل برأيه في بلاد الطاعون بخبر عبد الرحمن الثامن روي عن عثمان أنه رجع إلى قول فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري حين قالت جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأذنه بعد وفاة زوجي في موضع العدة فقال صلى الله عليه وسلم امكثي في بيتك حتى تنقضي عدتك
vol. 4, p. 373ولم ينكر عليها الخروج للاستفتاء فأخذ عثمان بروايتها في الحال وفي أن المتوفى عنها زوجها تعتد في منزل الزوج ولا تخرج ليلا وتخرج نهارا إن لم يكن لها من يقوم بأحوالها التاسع اشتهر عن علي رضي الله عنه أنه كان يحلف الراوي وقبل رواية أبي بكر رضي الله عنه من غير حلف
-
وأيضا قبل رواية المقداد بن الأسود في حكم المذي العاشر رجوع الجماهير إلى قوم عائشة رضي الله عنها في وجوب الغسل من
vol. 4, p. 374التقاء الختانين الحادي عشر رجوع الصحابة في الربا إلى خبر أبي سعيد الثاني عشر قال ابن عمر كنا نخابر أربعين سنة ولا نرى به بأسا حتى روى لنا رافع بن خديج نهيه عليه الصلاة والسلام عن المخابرة الثالث عشر قال أنس كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب إذا أتانا آت فقال حرمت الخمر فقال أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت فكسرتها
vol. 4, p. 375الرابع عشر اشتهر عمل أهل قباء في التحول عن القبلة بخبر الواحد الخامس عشر قيل لابن عباس رضي الله عنهما إن فلان يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني اسرائيل فقال ابن عباس كذب عدو الله أخبرني أبي بن كعب قال خطب بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر موسى والخضر بشئ يدل على أن موسى صاحب الخضر هو موسى بني اسرائيل
-
السادس عشر عن أبي الدرداء أنه لما باع معاوية شيئا من أواني الذهب والفضة بأكثر
vol. 4, p. 376من وزنها قال أبو الدرداء سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عنه فقال معاوية لا أرى به بأسا فقال أبو الدرداء من يعذرني من معاوية أخبره عن الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أبدا فهذه الأخبار قطرة من بحر هذا الباب ومن طالع كتب الأخبار وجد فيها من هذا الجنس ما لا حد له ولا حصر وكل واحد منها وإن لم يكن متواترا لكن القدر المشترك فيه بين الكل وهو العمل على وفق الخبر الذي لا تعلم صحته معلوم فصار ذلك متواترا في المعنى وأما المقام الثاني وهو أنهم انما عملوا على وفق هذه الأخبار لأجلها فبيانه من وجهين الأول لو لم يعلموا لأجلها بل لأمر آخر إما لاجتهاد تجدد لهم أو ذكروا شيئا سمعوه من الرسول عليه الصلاة والسلام لوجب من جهة العادة والدين أن يظهروا ذلك أما العادة فلأن الجمع العظيم إذا اشتد اهتمامهم بأمر قد التبس ثم زال اللبس عنهم فيه لدليل سمعوه أو لرأي حدث فيه فإنه لا بد لهم من إظهار ذلك الدليل والاستبشار بسبب الظفر به والتعجب من ذهاب ذلك عليهم فإن جاز في الواحد أن لا يظهر له ذلك لم يجز في الكل
vol. 4, p. 377أما الدين فلأن سكوتهم عن ذكر ذلك الدليل وعملهم عند الخبر بموجبه يوهم أنهم عملوا لأجله كما يدل عملهم بموجب اية سمعوها على أنهم عملوا لأجلها وايهام الباطل غير جائز كما أنه لو قال لهم قائل احكموا في هذه المسألة بمجرد شهوتي فتذكروا عند ذلك خبرا سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لا يحسن من جهة الدين أن لا يبينوا أنهم إنما حكموا لذلك الدليل لا لشهوة ذلك القائل الثاني أن طلب أبي بكر من المغيرة رضي الله عنهما شاهدا في إرث الجدة دليل على أنه كان يرى أن الحكم متعلق بروايتهما ولأن عمر رضي الله عنه قال في الجنين لولا هذا لقضينا فيه برأينا وترك رأيه في دية الأصابع بالخبر الذي سمعه وصرح ابن عمر برجوعهم عن المخابرة بخبر رافع وصرحوا بأنهم رجعوا إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين لأجل قول عائشة رضي الله عنها فثبت بمجموع هذين المقامين إن بعض الصحابة عمل بالخبر الذي لم يعلم صدقه وأما بيان المقدمتين الباقيتين وهو أنه لم يظهر من أحد منهم الإنكار وأنه متى كان كذلك انعقد الإجماع فتقريره سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة القياس فإن قيل لا نسلم عمل بعض الصحابة على وفق الخبر الذي لم تعلم صحته
vol. 4, p. 378أما دعوى الضرورة فممنوعة قال المرتضى إن الضرورة لا يختص بها البعض مع المشاركة في طريقها والإمامية وكل مخالف في خبر الواحد من النظام وجماعة من شيوخ المتكلمين يخالفونهم فيما ادعوا فيه الضرورة مع الاختلاط بأهل الأخبار ويقسمون على انهم لا يعلمون ذلك ولا يظنونه فإن كذبتموهم ابن فعلتم ما لا يحسن وكلموكم قوله بمثله وأما الاستدلال فضعيف لأن الروايات التي ذكرتموها وإن بلغت المائة والمائتين فهي غير بالغة إلى حد التواتر فلا تفيد العلم ويرجع حاصله إلى إثبات خبر الواحد بخبر الواحد سلمنا صحة هذه الروايات لكن لا نسلم أنهم عملوا بتلك الأخبار ولم لا يجوز أن يقال إنهم لما سمعوا تلك الأخبار تذكروا دليلا دلهم على تلك الأحكام قوله لو كان كذلك لوجب إظهاره من جهة الدين والعادة قلنا لا نزاع في أن ما ذكرتموه هو الاحتمال الأظهر لكن القطع بوجوبه على كل حال ممنوع والمسألة قطعية فلا يجوز بناؤها على مقدمة ظنية سلمنا عمل بعض الصحابة بهذه الأخبار لكن لا نسلم سكوت الكل عن الإنكار فما الدليل عليه ثم نقول إنهم أنكروه في صور إحداها توقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوبل خبر ذي اليدين إلى أن شهد له أبو بكر
vol. 4, p. 379وعمر رضي الله عنهما
-
وثانيها رد أبي بكر خبر المغيرة في توريث الجدة حتى أخبره محمد بن مسلمة وثالثها رد أبو بكر وعمر خبر عثمان فيما رواه من إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رد الحكم بن أبي العاص حتى طالباه بمن يشهد معه به
vol. 4, p. 380ورابعها رد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى الأشعري حتى شهد له أبو سعيد الخدري وخامسها رد عمر خبر فاطمة بنت قيس
vol. 4, p. 381وسادسها رد علي خبر أبي سنان الأشجعي في قصة بروع بنت واشق وأيضا فقد ظهر عنه تحليف الرواة وسابعها رد عائشة خبر بن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وثامنها أن عمر منع أبا هريرة من الرواية
vol. 4, p. 382سلمنا سكوتهم عن الإنكار لكن السكوت إنما يدل على الإجماع إذا صدر عن الرضا فلم قلت إن الأمر كذلك بل ها هنا احتمالات أخر سوى
-
الرضا من التقية والخوف سلمنا إجماعهم على قبول الخبر الذي لا يعلم صحته لكن دل على أنهم قبلوا جميع أنواع الخبر الذي يكون كذلك أو على أنهم قبلوه في الجملة والأول ظاهر الفساد والثاني يقدح في غرضكم لأنهم لما اتفقوا على قبول نوع من أنواع الخبر الذي لا تعلم صحته لم يلزم من إجماعهم على قبول ذلك النوع إجماعهم على قبول سائر الأنواع لاحتمال أن يأمر الله تعالى بالعمل بذلك النوع دون النوع الآخر ثم إنه لما لم ينقل إلينا ذلك النوع الذي أجمعوا على قبوله لم يعرف ذلك النوع فإذن لا نوع من أنواع خبر الواحد إلا ولا يدري أنه هل هو ذلك النوع الذي أجمعوا على قبوله أو غيره وإذا كان كذلك وجب التوقف في الكل سلمنا أن النوع الذي أجمعوا على العمل به معلوم فلم قلت إنه لما جاز لهم العمل بخبر الواحد جاز لنا بيانه أن الصحابة كانوا قد شاهدوا الرسول عليه الصلاة والسلام وعرفوا
vol. 4, p. 383مجاري كلامه ومناهج أموره وإشاراته وعرفوا أحوال أولئك الرواة في العدالة وعدمها في الأفعال الموجبة للعدالة والأفعال المنافية لها وإذا كان كذلك كان ظنهم بصدق تلك الأخبار وعدالة الرواة أقوى من ظن من لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم ألبته ولا سمع كلامه ولم يشاهد حال
-
أولئك الرواة فلم يعرف عدالتهم ولا فسقهم إلا بالروايات المتباعدة والوسائط الكثيرة وإذا كان كذلك فلم قلت إن انعقاد الإجماع على قبول الخبر الذي لا يقطع بصحته عند حصول الظن القوي في صحته يوجب قبوله عندما لا يحصل ذلك الظن القوي فإن قلت أن كل من قال بقبول بعض هذه الأنواع في بعض الأزمنة قال بقبوله في كل نوع وفي كل زمان قلت هذه الحجة إنما تنفع في زمان التابعين وقد بينا في أول باب الإجماع أنه لا سبيل إلى القطع بهذا الإجماع لكثرة المسلمين وتفرقهم في الشرق والغرب والجواب إما دعوى الضرورة فلما مر تقريرها من أنه نقل إلينا بالتواتر حضور أبي بكر مع الأنصار يوم السقيفة وتمسكه عليهم بقوله عليه الصلاة والسلام الأئمة من قريش ولم ينكر عليه أحد
vol. 4, p. 384فأما قول المرتضى إن النظام وجمعا من شيوخ المعتزلة والقاشاني والإمامية ينكرون ذلك ويقسمون بالله إنهم لا يجدون علما ولا ظنا قلنا رواية المذاهب لا تجوز بالتشهي واليمين والنظام ما أنكر ذلك بل سلم إلا أنه قال إجماع الصحابة ليس بحجة على ما حكيناه قبل ذلك وكذا قول سائر شيوخ المعتزلة وأما الإمامية فالأخباريون له منهم مع أن كثرة الشيعة في قديم الزمان ما كانت إلا منهم فهم لا يعولون في أصول الدين فضلا عن
-
فروعه إلا على الأخبار التي يروونها عن أئمتهم وأما الأصوليون فأبو جعفر الطوسي وافقنا على ذلك فلم يبق ممن ينكر العلم هذا إلا المرتضى مع قليل من أتباعه فلا يستبعد اتفاق مثل هذا الجمع على المكابرة في الضروريات ومما يحقق ذلك أنه قال إنهم يقسمون بالله على انهم لا يعلمون بل لا يظنون ونحن نعلم بالضرورة أن هذه الروايات وإن تقاصرت عن العلم إلا أنها ما تقاصرت عن الظن فعلمنا أن غرض المرتضى مما ذكر محض المكابرة
vol. 4, p. 385قوله لم لا يجوز أن يقال إنهم عند سماع هذه الأخبار تذكروا دليلا آخر قلنا لما ذكرنا أن الدين والعادة يوجبان إظهار ذلك الدليل قوله ما الدليل عليه قلنا الرجوع فيه إلى العرف فإنا نعلم بالضرورة أن الجمع العظيم إذا اشتبه عليهم أمر من الأمور ثم أنهم عند سماع شئ يوهم أنه هو الدليل تذكروا شيئا اخر هو الدليل حقيقة فإنه يستحيل اتفاقهم بأسرهم على السكوت عن ذكر ذلك الدليل ورفع ذلك الوهم الباطل قوله من الصحابة من رد خبر الواحد قلنا الجواب عنه من وجهين الأول أن الذين نقلتم عنهم أنهم لم يقبلوا خبر الواحد هم الذين نقلنا عنهم أنهم قبلوا فلا بد من التوفيق وما ذاك إلا أن يقال إنهم قبلوا خبر الواحد
-
إذا كان مع شرائط مخصوصة وردوها عند عدم تلك الشرائط الثاني أن الروايات التي ذكرتموها كما دلت على ردهم خبر الواحد دلت على قبولهم خبر الإثنين والثلاثة ونحن لم ندع في هذا المقام إلا قبول الخبر الذي لا تقطع بصحته
vol. 4, p. 386فأما الأسئلة الثلاثة الأخيرة فالجواب عنها سيأتي في مسألة القياس إن شاء الله تعالى المسلك الخامس القياس أجمعوا على أن الخبر الذي لا يقطع بصحته مقبول في الفتوى والشهادات فوجب أن يكون مقبولا في الروايات والجامع تحصيل المصلحة المظنونة أو دفع المفسدة المظنونة بل الروايات أولى بالقبول من الفتوى لأن الفتوى لا تجوز إلا إذا سمع المفتي دليل ذلك الحكم وعرف كيفية الاستدلال به وذلك دقيق صعب يغلط فيه الأكثرون أما الرواية فلا يحتاج فيها إلا إلى السماع فإذن الرواية أحد أجزاء الفتوى فإذا كانت الفتوى مقبولة من الواحد فلأن تكون الرواية مقبولة كان أولى فإن قيل هذا قياس وأنه لا يفيد اليقين على ما تقدم ثم نقول الفرق بين الفتوى والشهادة وقبول خبر الواحد من وجهين الأول وهو أن العمل بخبر الواحد يقتضي صيرورة ذلك الحكم شرعا
vol. 4, p. 387عاما في حق كل الناس والعمل بالشهادة والفتوى ليس كذلك ولا يلزم من تجويز العمل بالظن الذي قد يخطئ وقد يصيب في حق الواحد تجويز العمل به في حق عامة الخلق الثاني العمل بالفتوى ضروري لأنه لا يمكن تكليف كل واحد في كل واقعة بالاجتهاد وكذا الشهادة ضرورية في الشرع لأجل تمييز المحق عن الباطل () أما العمل بخبر الواحد فغير ضروري لأنا إن وجدنا في المسألة دليلا قاطعا عملنا به وإلا رجعنا إلى البراءة الأصلية ولا يلزم من جواز العمل بالظن عند الضرورة جواز العمل به لا عند الضرورة وأنه قياس فاسد والجواب أما السؤال الأول فحق وأما الفرق الأول فملغي ذلك بشرعية أصل الفتوى فإنه أمر لكل باتباع الظن وأما الفرق الثاني فضعيف لأنه لا ضرورة في الرجوع إلى الشهادة والفتوى لإمكان الرجوع إلى البراءة الأصلية
vol. 4, p. 388المسلك السادس دليل العقل وهو أن العمل بخبر الواحد يقتضي دفع ضرر مظنون فكان العمل به واجبا بيان المقدمة الأولى
-
أن الراوي العدل إذا أخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه أمر بهذا الفعل حصل ظن أنه وجد الأمر وعندنا مقدمة يقينية أن مخالفة الأمر سبب لاستحاق محمد العقاب فحينئذ يحصل من ذلك الظن وذلك العلم ظن أنا لو تركنا قوله لصرنا مستحقين للعقاب فوجب أن يجب العمل به لأنه إذا حصل الظن الراجح والتجويز المرجوح فإما أن يجب العمل بهما وهو محال أو يجب تركهما وهو محال أو يجب ترجح المرجوح على الراجح وهو باطل بضرورة العقل او ترجيح الراجح على المرجوح وحينئذ يكون العمل بمقتضى خبر الواحد واجبا واعلم أن هذه الطريقة يتمسك بها في مسألة القياس ونستقصي إلى الكلام فيها سؤالا وجوابا إن شاء الله تعالى
vol. 4, p. 389وأما المنكرون فمنهم من عول على العقل ومنهم من عول على النقل أما العقل فمن وجوه أحدها لو جاز أن يقول الله تعالى مهما غلب على ظنكم صدق الراوي فاعملوا بمقتضى خبره جاز أن يقول الله تعالى أيضا مهما غلب على ظنكم صذق كان المدعي للرسالة فاقبلوا شرعه وأحكامه لأنا في كلتا الصورتين نكون عاملين بدليل قاطع وهو إيجاب الله تعالى علينا العمل بالظن أو إيجاب العقل علينا ذلك ولما لم يجز ذلك هناك فكذا ها هنا وثانيها
-
لو جاز التعبد بأخبار الآحاد في الفروع لجاز التعبد بها في الأصول حتى يكتفي في معرفة الله تعالى بالظن وثالثها الشرعيات مصالح والخبر الذي يجوز كذبه لا يمكن التعويل عليه في تحصيل المصالح فإن قلت لم لا يجوز أن تكون المصلحة هي إيقاع ذلك الفعل المظنون قلت كون الفعل مصلحة إما أن يكون بسبب ذلك الظن أولا بسببة
vol. 4, p. 390والأول باطل لأنه لو جاز أن يوثر ظننا في صيرورة ما ليس بمصلحة مصلحة لجاز أن يؤثر ظننا بمجرد التشهي في ذلك حتى يحسن من الله تعالى أن يقول أطلقت لك في أن تحكم بمجرد التشهي من غير دليل ولا أمارة ومعلوم أنه باطل وأما الثاني فنقول إذا كان كون الفعل مصلحة ليس تابعا لظننا فيجوز أن يكون الظن مطابقا وأن لا يكون فيكون الإذن في العمل بالظن إذنا في فعل ما لا يجوز فعله وإنه غير جائز وأما المعولون أو على النقل فقد تمسكوا بقوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون إن الظن لا يغني من الحق شيئا والجواب عن الوجوه العقلية
-
أنها منقوضة بالعمل بالظن في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية فان من أخبر أن هذا الطعام مسموم وحصل ظن صدقه فإنه لا يجوز تناوله ثم إنا نطالبهم فيها بالجامع العقلي اليقيني ثم ببيان امتناع الجامع
vol. 4, p. 391وأيضا ينتقض بتعويل) أهل العالم على الظن في أمر الأغذية والأشربة والعلاجات والأسفار والأرباح وأما التمسك بالآيات فسيأتي الجواب عنها في القياس إن شاء الله