مسألة في عدالة الصحابة

19 paragraphs · vol. 4, p. 307

  1. وثالثها أن يكون الراوي يرى جواز الكذب المؤدي إلى صلاح الأمة فإن من مذهب الكرامية أنه إذا صح المذهب جاز وضع الأخبار فيه لأن ذلك سبب لترويج الحق فوجب أن يكون جائزا ورابعها الرغبة كما وضعوا في ابتداء دولة بني العباس أخبارا في النص على إمامة العباس وولده مسألة في تعديل الصحابة رضي الله عنهم مذهبنا إن الأصل فيهم العدالة إلا عند ظهور المعارض للكتاب والسنة

    vol. 4, p. 307
  2. أما الكتاب فقوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا وقوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين وقوله تعالى والسابقون الأولون وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام أصحابي كالنجوم بأيهم

    vol. 4, p. 308أقتديتم اهتديتم وقوله ولا تسبوا أصحابي وقوله لو أنفق أحدكم ملأ الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقوله خير الناس قرني وقد بلغ إبراهيم النظام في الطعن فيهم على ما نقله الجاحظ عنه في كتاب الفتيا ونحن نذكر ذلك مجملا ومفصلا أما مجملا فإنه روي من طعن بعضهم في بعض أخبارا كثيرة يأتي تفصيلها وقال النظام رأينا بعض الصحابة يقدح في البعض وذلك يقتضي توجه القدح إما في القادح إن كان كاذبا وإما في المقدوح فيه إن كان القادح صادقا بيان المقام الأول من وجوه أقال عمران بن الحصين والله لو أردت لحدثت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام يومين متتابعين فإني سمعت كما سمعوا وشاهدت كما شاهدوا ولكنهم يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم

    vol. 4, p. 309ب عن حذيفة أنه يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله أنه ما

    vol. 4, p. 310قالها وقد سمعناه قالها فقلنا له فيه فقال إني اشتري ديني بعضه ببعض

    vol. 4, p. 311مخافة أن يذهب كله ج بن عباس رضي الله عنهما بلغه أن ابن عمر رضي الله عنهما يروي أن الميت ليعذب ببكاء أهله قال ذهل أبو عبد الرحمن إنما مر النبي عليه الصلاة والسلام بيهودي يبكي على ميت فقال إنه ليبكي عليه وإنه ليعذب

    vol. 4, p. 312د ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الضب كل لا آكله ولا أحله ولا أحرمه فقال زيد الأصم قلت لابن عباس إن ناسا يقولون أنه عليه الصلاة والسلام قال في الضب كل لا آكله ولا أحله

    vol. 4, p. 313ولا أحرمه قال بئس ما قلتم ما بعث الله النبي محللا ولا محرما هـ عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال إنهم الآن يسمعون ما أقول فذكروه لعائشة رضي الله عنها فقالت لا بل قال إنهم ليعلمون أن الذي كنت

    vol. 4, p. 314أقول لهم هو الحق قال النظام وهذا هو التكذيب ولما روت فاطمة بنت قيس أن زوجي طلقني ثلاثا ولم يجعل لي رسول الله عليه الصلاة والسلام سكنى ولا نفقة فقال عمر لا نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وقالت عائشة رضي الله عنها يا فاطمة قد قتلت الناس ومعلوم أنها

  3. كانت من المهاجرات مع أنها عند عمر وعائشة رضي الله عنهما كاذبة ز أراد وأن عمر رضي الله عنه ضرب أبي موسى رضي الله عنه في خبر الاستيذان حتى شهد له أبو سعيد الخدري ح كان على رضي الله عنه يستحلف الرواة فلو كانوا غير متهمين لما استحلفهم فإن عليا أعلم بهم منا

    vol. 4, p. 315طحميد كما بن عبد الرحمن الحميري بعث أبن أخ له إلى الكوفة وقال سل علي بن أبي طالب عن الحديث الذي رواه عنه أهل الكوفة في البصرة فإن كان حقا فخبرنا عنه فأتى الكوفة فلقى الحسن بن علي رضي الله عنهما فأخبره الخبر فقال له الحسن أرجع إلى عمك وقل له قال أمير المؤمنين يعني أباه إذا حدثتكم عن رسول الله فإني لن أكذ ب على الله ولا على رسوله وإذا حدثتكم برأيي فإنما أنا رجل محارب ويروي عنه هذا المعنى بروايات قال عمرو بن عبيد الله وهاشم الأوقص يرى أن

    vol. 4, p. 316قوله أمرت أن أقاتل الناس أو القاسطين أو المارقين من ذلك وقوله في ذي الثدية ما كذبت ولا كذبت فإنما ربما كان الشئ عنده حقا فيقول إن الرسول أمرني به لأن الرسول كان آمرا بكل حق

    vol. 4, p. 317ى ورويتم هو عن أبي سعيد الخدري وجابر وأنس رضي الله عنهم قال وذكر سنة مائة أنه لا يبقى على ظهرها نفس منفوسة ثم يروي أن عليا رضي الله عنه قال لأبي مسعود إنك تفتي الناس

  4. قال أجل وأخبرهم أن الأخير شر قال فأخبرني ما سمعت منه قال سمعته يقول لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف فقال علي أخطأت وأخطأ في أول فتواك إنما قال ذلك لمن حضره يومئذ وهل

    vol. 4, p. 318الرجاء الا بعد مائة يا أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال عليه الصلاة والسلام الشمس والقمر نوران مكوران في النار يوم القيامة قال الحسن ما ذنبهما قال أبو هريرة أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

    vol. 4, p. 319وهذا من الحسن رد على أبي هريرة يب قال علي لعمر رضي الله عنهما في قصة الجنين إن كان هذا جهد رأيهم فقد قصروا وإن كانوا قاربوك فقد غشوك وهذا من علي رضي الله عنه حكم بجواز اللبس يج أبو الأشعث قال كنا في غزاة وعلينا معاوية رضي الله عنه فأصبنا ذهبا وفضة فأمر معاوية رجلا ببيعها للناس في أعطياتهم فتسارع الناس

    vol. 4, p. 320فيها فقام عبادة بن الصامت رضي الله عنه فنهاهم فردوها فأتى الرجل معاوية فشكا إليه فقام معاوية خطيبا فقال ما بال رجال يحدثون عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه فقام عبادة واعاد القصة ثم قال والله لنحدثن عن رسول الله عليه الصلاة والسلام وإن كره معاوية أو قال وأن رغم ما أبالي أن لا أصحبه

  5. في جنده ليلة سوداء فهذا يدل إما على كذب عبادة أو كذب معاوية ولو كذبنا معاوية لكذبنا وسلم أصحاب صفين كالمغيرة عنه وغيره

    vol. 4, p. 321وعلى أن معاوية لو كان كذابا لما ولاه عمر وعثمان على الناس يد إن أبا موسى قام على منبر الكوفة لما بلغه أن عليا رضي الله عنه أقبل يريد البصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أهل الكوفة والله ما أعلم واليا أحرص على صلاح الرعية مني والله لقد منعتكم حقا كان لكم بيمين كاذبة فأستغفر الله منها

    vol. 4, p. 322وهذا إقرار منه على نفسه باليمين الكاذبة يه روى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يوم السقيفة أنه عليه الصلاة والسلام قال الأئمة من قريش ثم رويتم أشياء ثلاثة تناقضه أحدها قول عمر رضي الله عنه في آخر حياته لو كان سالم حيا لما تخالجني فيه شك وسالم مولى أمرأة من الأنصار وهي حازت ميراثه

    vol. 4, p. 323وثانيها أنه عليه الصلاة والسلام قال اسمع وأطع ولو كان عبد حبشيا وثالثها قوله عليه الصلاة والسلام لو كنت مستخلفا من هذه الأمة أحدا من غير مشورة لاستخلفت ابن أم عبد

  6. يو لما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال إن المرأة والكلب والحمار يقطعن الصلاة مشت عائشة رضي الله عنها في خف

    vol. 4, p. 324واحدة وقالت لأخشن أبا هريرة فإني ربما رأيت الرسول عليه الصلاة والسلام وسط السرير وأنا على السرير بينه وبين القبلة يز روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال إن الميت على من غسله الغسل وعلى من حمله الوضوء فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت أنجاس موتاكم

    vol. 4, p. 325يح عن ابراهيم أن عليا رضي الله عنه بلغه أن أبا هريرة يبتدئ بميامينه في الوضوء وفي اللباس فدعا بماء فتوضأ وبدأ بمياسيره وقال لأخالفن أبا هريرة يط إن أصحاب عبد الله لما بلغهم خبر أبي هريرة من قام من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا قالوا إن أبا هريرة مكثار فكيف نصنع بالمهراس ك لما قال أبو هريرة حدثني خليلي قال له علي رضي الله عنه متى كان خليلك

    vol. 4, p. 326وقال عمرو بن عبيد الله كأنه ما سمع قوله عليه الصلاة والسلام لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا كا لما روى أبو هريرة من أصبح جنبا فلا صوم له أرسل مروان في ذلك إلى عائشة وحفصة رضي الله عنهما فقالتا كان النبي عليه الصلاة

  7. والسلام يصبح جنبا ثم يصوم فقال للرسول اذهب إلى أبي هريرة فأخبره بذلك فقال أبو هريرة أخبرني بذلك الفضل بن عباس قال النظام والاستدلال به من ثلاثة أوجه

    vol. 4, p. 327أحدها أنه استشهد ميتا وثانيها أنه لو لم يكن متهما فيه لما سألوا غيره وثالثها أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما كذبتاه كب ولما روى أبو سعيد الخدري خبر الربا قال ابن عباس نحن أعلم بهذا وفينا نزلت آية الربا فقال الخدري أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول لي ما تقول والله لا يظلني وإياك سقف بيت وهذا تكاذب بين ابن عباس وأبي سعيد كج لما قدم ابن عباس البصرة سمع الناس يتحدثون عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم فكتب إليه فقال أبو موسى لا أعرف منها حديثا

    vol. 4, p. 328كد روى أن عمر رضي الله عنه كان إذا ولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعمال وشيعهم قال لهم عند الوداع أقلوا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النظام فلولا التهمة لما جاز المنع من العلم كه رووا عن سهل بن أبي خيثمة في القسامة ثم إن عبد الرحمن بن

  8. عبيد قال والله ما كان الحديث كما حدث سهل ولقد وهم وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل خبير إن قتيلا وجد في أو ديتكم فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه فواده رسول الله من عنده

    vol. 4, p. 329وقال محمد بن اسحاق سمعت عمرو بن شعيب في المسجد الحرام يحلف بالله الذي لا إله إلا هو أن حديث سهل ليس كما حدث كو قال أصحاب الشعبي إنك لا ترى طلاق المكره قال أنتم تكذبون علي وأنا حي فكيف لا تكذبون على إبراهيم وقد مات

    vol. 4, p. 330كز قال ابن أبي ملكية ألا تعجب حدثني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أهللت بعمرة وقال القاسم إنها قالت بحجة كح قال صدقة بن يسار سمعت أنه عليه الصلاة والسلام قال في الذي يسافر وحده وفي الإثنين شيطان وشيطانان إن فلقيت القاسم بن محمد فسألته فقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث البريد وحده وكان النبي

    vol. 4, p. 331وصاحبه وحدهما فهذا من القاسم تكذيب بهذا الخبر كط كان أبن سيرين يعيب الحسن في التفسير وكان الحسن يعيبه في التعبير ويقول كأنه من ولد يعقوب

    vol. 4, p. 332ل ابن عباس رضي الله عنهما الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتي سودته خطايا أهل الشرك فسئل ابن الحنفية عن

  9. الحجر وقيل ابن عباس يقول هو من الجنة فقال هو من بعض الأودية قال النظام لو كان كفر أهل الجاهلية يسود الحجر لكان إسلام المؤمنين يبيضه ولأن الحجارة قد تكون سوادء وبيضاء فلو كان ذلك السواد من الكفر لوجب أن يكون سوادها بخلاف سائر الأحجار ليحصل التمييز ولأنه لو كان كذلك لاشتهر ذلك لأنه من الوقائع العجيبة كالطير الأبابيل لا روى أبو سعيد الخدري أنه لا هجرة بعد الفتح لكن جهاد ونية فقال له مروان كذبت وعنده رافع ابن خديج وزيد بن ثابت وهما

    vol. 4, p. 333قاعدان على سريره فقال أبو سعيد لو شاء هذان لعرفاك إلا ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عرافة قومه وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة فسكتا فرفع مروان عليه الدرة فلما رأيا ذلك قالا صدق لب عطاء بن أبي رباح قيل له روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال سبق الكتاب الخفين قال كذب أنا رأيت ابن عباس يمسح على الخفين لج قال أيوب لسعيد بن جبير إن جابر بن زيد يقول إذا زوج السيد العبد فالطلاق بيد السيد قال كذب جابر لد قال عروة لابن عباس أضللت الناس يا ابن عباس قال وما ذاك يا عروة قال تأمرنا بالعمرة في هذه الأيام وليست فيها عمرة قال أفلا تسأل أمك عن هذا فإنها قد شهدته قال عروة فإن أبا بكر وعمر كانا لا يفعلانه قال هذا الذي أضلكم أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثونني فيه عن أبي بكر وعمر فقال عروة أبو بكر وعمر كانا أتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم بها منك

  10. وهذا تكذيب من عروة لابن عباس

    vol. 4, p. 334له رويتم عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال أي سماء تضلني! وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأي ثم رويتم أنه سئل عن الكلالة فقال أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان قال النظام وهذان الأثران متناقضان ثم رويتم أن عمر رضي الله عنه قال إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر قال النظام فإن كان عمر استقبح مخالفة أبي بكر فلم خالفه في سائر المسائل فإنه قد خالفه في الجد وفي أهل الردة وقسمة الغنائم ثم إن النظام قدح في ابن مسعود رضي الله عنه خاصة من وجوه آزعم أنه رأى القمر انشق وهذا كذب ظاهر لأن الله تعالى ما شق القمر له وحده وإنما يشقه آية للعالمين فكيف لم يعرف ذلك غيره ولم يؤرخ الناس به ولم يذكره شاعر ولم يسلم عنده كافر ولم يحتج به مسلم

    vol. 4, p. 335على ملحد

  11. ب أنكر ابن مسعود كون المعوذتين من القرآن فكأنه ما شاهد قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم لهما ولم يهتدء صلى إلى ما فيهما من فصاحة المعجزة أو لم يصدق جماعة الأمة في كونهما من القرآن فإن كانت تلك الجماعة ليست حجة عليه فأولى أن لا تكون حجة علينا فنحن معذورون في أن لا نقبل قولهم ج إختار المسلمون قراءة زيد وهو خالف الكل ولم يقرأ بها

  12. د لما صلى عثمان رضي الله عنه بمنى أربعا عابه فقيل له فيه فقال الخلاف شر والفرقة شر ثم إنه عمل بالفرقة في أمور كثيرة هـ وما زال يقدح القول في عثمان ويسر القول فيه منذ اختار قراءة زيد ورأى أناسا من الزط فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن ثم قال علقمة قلت لابن مسعود أكنت مع النبي عليه الصلاة والسلام ليلة الجن فقال ما شهدها منا أحد

    vol. 4, p. 336ز سأله عمر رضي الله عنه عن شئ من الصرف فقال لا بأس به فقال عمر رضي الله عنه لكني أكرهه فقال قد كرهته إذ كرهته فرجع عن قول إلى قول بغير دليل قال النظام فقد ثبت قدح بعضهم في البعض فإن صدق القادح فقد توجه العيب وإن كذب فكذلك أما الخوارج فقد طعنوا في الصحابة رضي الله عنهم ولعن مبغضيهم من وجوه أحدها قالوا رأيناهم قبلوا خبر الواحد على مناقضة كتاب الله تعالى وذلك

    vol. 4, p. 337يوجب القطع بفساد ذلك الخبر والطعن في العامل به بيانه أن الله تعالى ذكر أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة فلما ذكر الزنا استقصى الكلام فيه فإنه تعالى نهى عنه فقال ولا تقربوا

  13. الزنا ثم أوعد عليه بالنار كما صنع وبجميع المعاصي ثم ذكر الجلد ثم خصه بإحضار المسلمين وبالنهي عن رحمته والرأفة عليه بقوله ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ثم جعل على من رمى مسلما بالزنا ثمانين جلدة ولم يجعل ذلك على من رماه بالقتل ولا بالكفر وهما أعظم ثم قال ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ثم ذكر من رمى به زوجته وبين هناك أحكام اللعان وقال والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك ثم خصه بأن جعل الشهود عليه أربعا فمع هذه المبالغة العظيمة كيف يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها وأعظم مراتبها وهو الرجم ثم أنه تعالى ذكر آيات صريخة وقال في نفي الرجم أحدها قوله الزانية والزاني فاجلدوا وهذا صريح في وجوب الجلد على كل الزناة وصريح في نفي الرجم

    vol. 4, p. 338وثانيها قوله فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب والرجم لا نصف له وثالثها وهو الدلالة العقيلة أن الرجم لو كان مشروعا لوجب أن ينقل نقلا متواترا لأنه من الوقائع العظيمة فحيث لم ينقل دل على أنه غير مشروع ثم أنهم قبلوا خبر الواحد في الرجم مع كونه على مناقضة هذه الأدلة

  14. الشرعية والعقلية فكان الطعن متوجها قطعا وثانيها رويتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج يوما على أصحابه وهم يكتبون أحاديث من أحاديثه فقال ما هذه الكتب أكتابا أنه مع كتاب الله تعالى يوشك أن يقبض الله تعالى بكتابه فلا يدع في قلب ولا رق منه شيئا إلا أذهبه ورويتم أيضا أنه قال إذا حدثتم بحديث فاعرضوه على كتاب الله

    vol. 4, p. 339تعالى فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه ثم إنكم مع ذلك جوزتم المسح على الخفين مع صريح قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة وقلتم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ويحرم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وبنت أخيها وأختها مع قوله تعالى وأحل لكم ما وراءه ذلكم وكيف يجلد العبد القاذف أربعين مع قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ولم يذكر حرا ولا عبدا وكيف يجلد العبد على الزنا خمسين وإنما ذكر الله تعالى الإماء دون العبيد فقال فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب وكيف رددتم شهادة العبد مع قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم ومع قوله ممن ترضون من الشهداء وكيف منعتم من إمامة غير القرشي مع قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم

    vol. 4, p. 340وثالثها ما يروى من شتم بعضهم بعضا ولنذكر من ذلك حكايات الحكاية الأولى حكى ابن داب في مجادلات قريش قال اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص وعتبة بن أبي سفيان والوليد بن عقبة والمغيرة بن شعبة ثم أحضروا الحسن بن علي رضي الله عنهم ليسبوه وهو فلما حضر تكلم عمرو بن العاصى وذكر عليا رضى الله عنه ولم يترك

    vol. 4, p. 341شئ من المساوئ الا ذكر فيه وفيما قال إن عليا شتم أبا بكر وشارك في دم عثمان إلى أن قال اعلم أنك وأباك من شر قريش ثم خطب كل واحد منهم بمساوئ علي والحسن رضي الله عنهما ومقابحهما صلى الله عليه وسلم ونسبوا عليا إلى قتل عثمان ونسبوا الحسن إلى الجهل والحمق فلما ال الأمر إلى الحسن رضي الله عنه خطب ثم بدأ يشتم معاوية رضي الله عنه وطول فيه إلى قال له إنك كنت ذات يوم تسوق بأبيك ويقود به أخوك هذا القاعد وذلك بعدما عمي أبو سفيان فلعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمل وراكبه وسائقه وقائده فكان أبوك الراكب وأخوك القائد وأنت السائق ثم قال لعمرو بن العاص إنما أنت سبة كما أنت فأمك زانية اختصم فيك خمسة نفر من قريش كلهم يدعي عليك أنك أبنه فغلب عليك جزار قريش من الأمهم حسبا وأقلهم منصبا وأعظمهم لعنة ما أنت إلا شانئ

  15. محمد فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم إن شانئك هو الأبتر ثم هجوت رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعين قافية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إني لا أحسن الشعر فالعنه بكل قافية لعنة وأما أنت يا ابن أبي معيط فوالله ما ألومك أن تبغض عليا وقد جلدك في الخمر وفي الزنا وقتل أباك صبرا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وسماه الله

    vol. 4, p. 342تعالى في عشر آيات مؤمنا وسماك فاسقا وأنت فاسقا وأنت علج من أهل النورية أما أنت يا عتبة فما أنت بحصيف إذا فأجيبك ولا عاقل فأعاتبك فقال وأما وعدك إياي بالقتل فهلا قتلت الذي وجدت في فراشك مع أهلك وأما أنت يا مغيرة بن شعبة فمثلك مثل البعوضة إذ قالت للنخلة استمسكي فإني عليك نازلة فقالت النخلة والله ما شعرت بوقوعك أي علي وأما زعمك أنه قتل عثمان فلعمري لو قتل عثمان ما كنت منه في شئ وإنك لكاذب قال الخوارج فهذه المشاتمة العظيمة المتناهية التي دارت بينهم تدل على أنهم ما كانوا يمسكون ألسنتهم عن القذف والقدح في الدين والعرض وذلك بوجب القدح العظيم في احدى الطائفتين

    vol. 4, p. 343الحكاية الثانية أن عثمان رضي الله عنه أخر عن عائشة رضي الله عنها بعض أرزاقها فغضبت ثم قالت يا عثمان أكلت أمانتك وضيعت الرعية وسلطت عليهم الأشرار من أهل بيتك والله لولا الصلوات الخمس لمشى إليك أقوام ذوو بصائر يذبحونك كما يذبح الجمل

  16. فقال عثمان رضي الله عنه ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط الآية فكانت عائشة رضي الله عنها تحرض عليه جهدها وطاقتها وتقول أيها الناس هذا قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبل وقد بليت سنته اقتلوا نعثلا قتل الله نعثلا ثم إن عائشة ذهبت إلى مكة فلما قضت حجها وقربت من المدينة أخبرت بقتل عثمان فقالت ثم ماذا فقالوا بايع الناس علي بن أبي طالب فقالت عائشة قتل عثمان والله مظلوما وأنا طالبة بدمه والله ليوم من عثمان خير من علي الدهر كله فقال لها عبيد بن أم كلاب ولم تقولين ذلك فوالله ما أظن أن بين

    vol. 4, p. 344السماء والأرض أحدا في هذا اليوم أكرم على الله من علي بن أبي طالب فلم تكرهين ولايته ألم تكوني تحرضين الناس على قتله فقلت اقتلوا النعثل ثنا فقد كفر فقالت عائشة لقد قلت ذلك ثم رجعت عما قلت وذلك أنكم أسلمتموه حتى إذا جعلتموه في القبضة قتلتموه والله لأطلبن بدمه فقال عبيد بن أم كلاب هذا والله تخليط يا أم المؤمنين

    vol. 4, p. 345الحكاية الثالثة الخصومة العظيمة التي كانت بين عبد الله بن مسعود وأبي ذر وعمار وبين عثمان والخصومة التي كانت بين عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم حتى آل الأمر إلى الضرب والنفي عن البلد واللعن وكل ذلك يقتضي توجه القدح إلى عدالة بعضهم

  17. الحكاية الرابعة مقتل عثمان رضي الله عنه والجمل وصفين

    vol. 4, p. 347ثم قالت الخوارج رأينا هؤلاء المحدثين يجرحون الراوي بأدنى سبب ثم إنهم مع علمهم بهذه القوادح العظيمة يقبلون روايات الصحابة ويعملون بروايات القادح والمقدوح به فيه وهذا ليس من الدين في شئ بل هؤلاء المحدثون أتباع كل من عز وعبيد كل من غلب ويروون لأهل كل دولة في ملكهم فإن انقضت دولتهم تركوهم ومما رواه الكل أن إماما سيكون منهم وأنه سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا فروت الحسينية ذلك لنفسها وروت العباسية لنفسها حتى سموا ولد المنصور مهديا وحتى روت الأموية مثل ذلك في السفياني وسموا سليمان بن عبد الملك مهديا وحتى روت اليمانية في الأصغر القحطاني

    vol. 4, p. 348إلى أن خرج ابن الأشعث على ذلك الطمع تارة ويزيد بن الملهب أخرى ورابعها قالوا أنا نعلم بالضرورة أن الرسول صلى الله عليه وسلم متى كان يشرع في الكلام فالصحابة ما كانوا يكتبون كلامه من أوله إلى آخره لفظا وإنما كانوا يسمعونه ثم يخرجون من عنده وربما رووا ذلك الكلام بعد ثلاثين سنة ومن المعلوم أن العلماء الذين تعودوا تلقف الكلام ومارسوه هذا وتمرنوا عليه لو سمعوا كلاما قليلا مرة واحدة فأرادوا إعادته في تلك الساعة بتلك الألفاظ من غير تقديم ولا تأخير لعجزوا عنه فكيف الكلام الطويل بعد المدة

  18. المتطاولة من غير تكرار ولا كتابة

    vol. 4, p. 349ومن أنصف قطع بأن هذه الأخبار التي رووها ليس شئ من ألفاظها لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ثم من يعيد الكلام بعد هذه ال مدة لا يمكنه أن يعيد معناه بتمامه فإن الإنسان مظنة النسيان بل لا يعيد الا بعضه وإذا كان كذلك لزم القطع بسقوط الحجة عن هذه الألفاظ لا سيما وقد جربناهم فرأيناهم يذكرون الكلام الواحد في الواقعة الواحدة بروايات كثيرة مع زيادات ونقصانات ثم وأحسن الأحوال في ذلك أن نحمل ما قلناه من عدم حفظ الألفاظ وتغيير التقديم والتأخير بسبب طول المدة وكل ذلك يوجب القدح في هذه الأخبار والجواب اعلم أن اعتماد أصحابنا في هذا الباب على حجة واحدة وهي أن آيات القرآن دالة على سلامة أحوال الصحابة وبراءتهم من المطاعن وإذا كان كذلك وجب علينا أن نحسن الظن بهم إلى أن يقوم دليل قاطع

    vol. 4, p. 350على الطعن فيهم وأما هذه المطاعن التي ذكرتموها فمروية رسول بالآحاد فإن فسدت رواية الآحاد فسدت هذه المطاعن وإن صحت فسدت هذه المطاعن أيضا فعلى كل التقديرات هذه المطاعن مدفوعة فيبقى الأصل الذي ذكرناه سليما وأما طعن الخوارج فهو بناء على أن تخصيص الكتاب بخبر الواحد لا

  19. يجوز وقد تقدم القول فيه وأما قولهم أن الظاهر أن هذه الألفاظ ليست ألفاظ الرسول عليه الصلاة والسلام قلت لما ثبت الظاهر من حال الراوي العدالة وقد أخبر بأنها ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم وجب تصديقه فيه ظاهرا والله أعلم