القسم الرابع في تراجيح الأقيسة
24 paragraphs · vol. 5, p. 444
- vol. 5, p. 444
القسم الرابع في تراجيح سنة الأقيسة وهي إما أن تكون بحسب ماهية العلة أو بحسب ما يدل على وجودها أو بحسب ما يدل على عليتها أو بحسب ما يدل على ثبوت الحكم في الأصل أو بحسب محل ذلك الحكم أو بحسب محالها أو بحسب أمور منفصلة عن ذلك النوع الأول في التراجيح المعتبرة بحسب ماهية العلة فنقول إنا بينا أن الحكم الشرعي إما أن يكون معللا بالوصف الحقيقي أو بالحكمة أو بالحاجة أو بالوصف العدمي أو بالوصف الإضافي أو بالوصف التقديرى أو بالحكم الشرعي وعلى كل التقديرات فالعلة إما أن تكون مفردة أو مركبة من قيدين أو أكثر واعتمد بعضهم في التراجيح الواقعة في هذا الباب على أمرين أحدهما أن كل ما كان أشبه بالعلل العقلية فهو راجح على ما لا يكون كذلك لأن
-
العقل أصل النقل والفرع كلما كان أشبه بالأصل كان أقوى
vol. 5, p. 445وثانيها أن كل ما كان متفقا عليه فهو أولى مما يكون مختلفا فيه وكل ما كان الخلاف فيه أقل فهو راجح على ما يكون الخلاف فيه أكثر والسبب فيه أن وقوع الخلاف فيه يدل على حصول الشك والشبهة وهذان المأخذان ضعيفان جدا إلا في شئ واحد وهو أن كل ما كان متفقا عليه فهو أولى مما يكون مختلفا فيه وذلك لأن المقدمة إذا كانت مجمعا عليها كانت يقينية والقياس الذي يكون بعض مقدماته يقينيا وبعضه ظنيا أقوى من الذي يكون كل مقدماته ظنيا لأن الاحتمال في الأول أقل مما في الثاني ومتى كان الاحتمال أقل كان الظن أقوى إذا عرفت هذا الأصل فلنرجع إلى التفصيل وفيه مباحث أحدها أن التعليل بالوصف الحقيقي أولى من التعليل بسائر الأقسام لأن جواز التعليل بالوصف الحقيقي مجمع عليه بين القائسين والتعليل بسائر الأقسام مختلف فيه فيكون القياس الذي يكون الحكم في أصله معللا بالوصف الحقيى أقوى مما لا يكون كذلك وثانيها التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالعدم وبالوصف الإضافي
vol. 5, p. 446وبالحكم الشرعي وبالوصف التقديري
-
أما أنه أولى من العدم فلأن العلم بالعدم لا يدعو إلى شرع الحكم إلا إذا حصل العلم بإشتمال ذلك العدم على نوع مصلحة فيكون الداعى إلى شرع الحكم في الحقيقة هو المصلحة لا العدم وإذا كانت العلة هى المصلحة لا العدم كان التعليل بالمصلحة أولى من التعليل بالعدم فإن قلت فهذا يقتضي أن يكون التعليل بالمصلحة أولى من التعليل بالوصف قلت كان الواجب ذلك إلا أن الوصف أدخل في الضبط من الحاجة فلهذا المعنى ترجح الوصف على المصلحة والعدم المطلق لا يتقيد إلا إذا أضيف إلى الوجود فهو في نفسه غير مضبوط فالعدم ليس بمؤثر في الحقيقة وليس بضابط في نفسه فظهر الفرق وإذا ثبت أن التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالعدم وقد ثبت أن الإضافات ليست أمورا وجودية لزم أن يكون التعليل بالحكمة أولى من التعليل بالإضافات وأما أنه أولى من الحكم بالشرع والوصف التقديرى فلأن التعليل بالحاجة تعليل بنفس المؤثر وهذا يمنع من التعليل بغيره ترك العمل به في
vol. 5, p. 447الوصف الحقيقي بالإجماع ولأنه اشتبه بالعلل العقلية فيبقى في هذه الصورة على الأصل وثالثتها التعليل بالعدم أولى أم بالحكم الشرعي يحتمل أن يقال العدم أولى لأنه أشبه بالأمور الحقيقية ويحتمل
-
أن يقال بل بالحكم الشرعي أولى لأنه أشبه بالوجود ورابعها التعليل بالعدم أولى أم بالصفات التقديرية والأشبه هو الأول لأن المقدر معدوم أعطى حكم الموجود فكل ما في المعدوم من المحذورات فهو حاصل في المقدر مع مزيد محذور آخر وهو أنه كونه معدوما أعطى حكم الموجود فكان المعدوم أولى وخامسها تعليل الحكم الوجودى بالعلة الوجودية أولى من تعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي ومن تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودى والحكم الوجودى بالوصف العدمي لأن كون العلة والمعلول عدميين يستدعى تقدير كونهما وجوديين لأنا بينا أن العلة والمعلول وصفان ثبوتيان فحملهما على المعدوم لا يمكن إلا إذا قدر المعدوم موجودا
vol. 5, p. 448وتعليل العدم بالعدم أولى من القسمين الباقيين للمشابهة وأما أن تعليل العدم بالوجود أولى أم تعليل الوجود بالعدم ففيه نظر وسادسها التعليل بالحكم الشرعي أولى من التعليل بالوصف المقدر لأن الأول على وفق الأصل والثاني على خلاف الأصل وسابعها التعليل بالعلة المفردة أولى من التعليل بالعلة المركبة لأن الاحتمال في المفردة أقل مما في المركب لأن المفرد لو وجد لوجد بتمامه ولو عدم
-
لعدم بتمامه وأما المركب فليس كذلك لأن المركب من قيدين فقط يحتمل في جانب الوجود احتمالات ثلاثة وهي أن يوجد الجزء بدلا عن ذاك وذاك بدلا عن هذا ويوجد المجموع وكذا القول في جانب العدم المركب من قيود ثلاثة يوجد فيه احتمالات سبعة في طرف الوجود وسبعة في طرف العدم ومعلوم أن ما كان الاحتمال فيه أقل كان أولى فهذه جملة التراجيح العائدة إلى ماهية العلة
vol. 5, p. 449النوع الثاني القول في التراجيح العائدة إلى ما يدل على أن ذات العلة موجودة اعلم أن العلم بوجود تلك الذوات إما أن يكون بديهيا أو حسيا أو استدلاليا والاستدلال إما أن يفيد العلم أو الظن وعلى التقديرين فذلك الدليل إما أن يكون عقليا محضا أو نقليا محضا أو مركبا منهما فلنتكلم في هذه الأقسام فنقول أما إذا كان الطريق مفيدا لليقين سواء كان بديهيا أو حسيا أو استدلاليا يقينيا وسواء كان عقليا محضا أو نقليا محضا أو مركبا منهما وسواء كثرت المقدمات أو قلت فإنه لا يقبل الترجيح وكلام أبي الحسين يدل على أنه يقبل أما أن القطعيات لا تقبل الترجيح فلما تقدم
-
فإن قلت الضرورى أولى من النظرى لأن الضرورى لا يقبل الشك والشبهة والنظرى يقبل ذلك قلت النظرى واجب الحصول عند حصول جميع مقدماته المنتجة له كما أن البديهي واجب الحصول عند حصول تصور طرفيه وكما أن النظرى يزول عند زوال أحد الأمور التي لا بد منها في حصول
vol. 5, p. 450جميع مقدماته المنتجة له فكذلك الضرورى يزول عند زوال أحد التصورات التي لا بد منها فإذن لا فرق في وجود الجزم عند حضور موجباته في البابين بل الفرق هو أن النظرى يتوقف على أمور أكثر مما يتوقف عليه الضرورى فلا جرم كان زوال النظرى أكثر من زوال الضرورى فأما وجوب الوجود وامتناع العدم عند حصول كل ما لا بد منه فلا فرق بين الضرورى والنظرى فيه ألبتة أما إذا كان الطريق الدال على وجود العلة ظنيا فقد قيل كلما كانت المقدمات المنتجة لذلك الظن أقل كان القياس أقوى لأن المقدمات متى كانت أقل كان احتمال الخطأ أقل ومتى كان احتمال الخطأ أقل كان ظن الصواب أقوى واعلم أن هذا الكلام على عمومه ليس بحق لأن الظن يقبل التفاوت في القوة والضعف فإذا فرضنا دليلا كانت مقدماته قليلة إلا أن كل واحدة منها كانت مظنونة ظنا ضعيفا ودليلا آخر ظنيا معارضا للأول مقدماته كثيرة إلا أن كل واحدة منها كانت مظنونة ظنا قويا فالقوة الحاصلة في أحد الجانبين بسبب قلة الكمية قد تصير معارضة من الجانب الآخر بسبب قوة الكيفية وقد تكون قوة الكيفية
-
في أحد الجانبين أزيد من قلة الكمية في الجانب الآخر حتى أن الدليل الظنى الذي يكون مركبا من مائة مقدمة قد يفيد ظنا
vol. 5, p. 451أقوى من الظن الحاصل من الدليل المركب من مقدمتين فإذن لا بد من اعتبار هذا التفصيل الذي ذكرناه إذا عرفت هذا فنقول الدليل الظني الذي يدل على وجود العلة إما أن يكون نصا أو إجماعا أو قياسا أما القياس فالكلام فيه كما في الأول ولا يتسلسل بل ينتهي إلى النص أو الإجماع أما النص فطرق الترجيح فيه ما تقدم في القسم الثالث من هذا الكتاب وأما الإجماع فإن كانا قطعيين لم يقبل الترجيح وإن كان أحدهما قطعيا والآخر ظنيا لم يقبل الترجيح لأن الإجماع المعلوم مقدم على المظنون أما إذا كانا مظنونين فهذا يقع على وجهين أحدهما الإجماعان المختلف فيهما عند المجتهدين كالإجماع الذي يحدث عن قول البعض وسكوت الباقين وثانيهما الإجماع المنقول بطريق الآحاد فهذان القسمان في محل الترجيح وأما الذي يقال إن أحدهما متفق عليه والآخر مختلف فيه فإن أريد
vol. 5, p. 452به عدم الاختلاف في أحدهما ووقوعه في الآخر فذلك ليس من باب الترجيح لأن تقدم المعلوم على المظنون قطعي وإن عني به قله الاختلاف في أحدهما وكثرته في الآخر فلا نسلم أن هذا القدر يوجب الترجيح ولنختم هذا الفصل بشئ وهو أنه إذا تعارض قياسان وكان وجود الأمر الذي جعل علة لحكم الأصل في أحد القياسين معلوما وفي الآخر مظنونا كان الأول راجحا لما بينا أن القياس الذي بعض مقدماته معلوم راجح على ما كان كل مقدماته مظنونا النوع الثالث القول في التراجيح الحاصلة بسبب الطرق الدالة على علية الوصف في الأصل وقد ذكرنا في كتاب القياس أن الطرق الدالة على علية الوصف في الأصل إما الدليل النقلى أو العقلى أما الدليل النقلى فإما أن يكون نصا أو إيماءا أما النص فقد يكون بحيث لا يحتمل غير العلية وهو ألفاظ ثلاثة وهى قوله لعله كذا أو لسبب كذا كذا أو لأجل كذا فهذا مقدم على جميع الطرق النقلية وأما الذي يحتمل غير العلية ولكنه ظاهر جدا فألفاظ ثلاثة وهي اللام وإن والباء وحرف اللام مقدم على إن والباء لأن اللام
vol. 5, p. 453ظاهر جدا في التعليل وأما لفظ أن فقد يكون للتأكيد ولفظ الباء قد يكون للإلصاق كقولك كتبت بالقلم وقد يفيد كونه محكوما به كقوله
-
عليه الصلاة والسلام أنا أقضي بالظاهر أما حيث تأتي لا للآلة ولا لأن تكون محكوما به كان مرادفا للأم فإنه لا فرق بين أن يقال قتلته لجنايته وقتلته بجنايته وأما الباء وإن أيهما المقدم ففيه احتمال وأما الإيماءات ففيها أبحاث أحدها أنا بينا أن دلالة الإيماء على علية الوصف في الأصل لا تتوقف على كونه مناسبا ولكن الوصف الذي يكون مناسبا راجح على مالا يكون كذلك وثانيهما أن إيماء الدلالة اليقينية راجح على إيماء الدلالة الظنية لما عرفت أن الدليل الذي بعض مقدماته يقيني والبعض ظني راجح على ما يكون كل مقدماته ظنيا وأما إذا ثبتت علية الوصفين بإيماء خبر الواحد فوجوه الترجيح فيه ما ذكرناه في باب الخبر الواحد وثالثها أن الجمهور اتفقوا على أن ما ظهرت عليته بالإيماء راجح على ما ظهرت
vol. 5, p. 454عليته بالوجوه العقلية من المناسبة والدوران والسبر وهذا فيه نظر وذلك لأن الإيماء لما لم يوجد فيه لفظ يدل على العلية فلا بد وأن يكون الدال على عليته أمر آخر سوى اللفظ ولما بحثنا لم نجد شيئا يدل على عليتها إلا أحد أمور ثلاثة المناسبة والدوران والسبر على ما مر ذلك في باب الإيماءات
-
وإذا ثبت أن الإيماءات لا تدل إلا بواسطة أحد هذه الطرق الثلاثة كان الأصل لا محالة أقوى من الفرع فكان كل واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماءات ورابعها أنا قد ذكرنا أن أقسام الإيماءات خمسة وكل واحد من تلك الأقسام يندرج تحته أقسام كثيرة واستيفاء القول في هذا يقتضي أن نتكلم في تفاصيل كل واحد من أقسام تلك الأقسام مع ما يشاركه في جنسه ومع ما هو خارج من جنسه لأنه لا يبعد أن يكون أحد الجنسين أقوى من الجنس الآخر ويكون بعض أنواع الضعيف أقوى من بعض أنواع القوي لكنا تركنا هذا لطولها وكثرتها أما الطرق العقلية فقد ذكرنا منها ستة وهي المناسب والمؤثر والشبه والدوران والطرد والسبر فلنتكلم في تفاصيل هذه الأجناس ثم في تفاصيل أنواع كل واحد من هذه الأجناس
vol. 5, p. 455أما تفاصيل هذه الأجناس ففيها أبحاث أحدها أن المناسبة أقوى من الدوران وقال قوم الدوران أقوى وعبروا عن ذلك بأن العلة المطردة المنعكسة أقوى مما لا يكون كذلك لنا إن الوصف إنما يؤثر في الحكم لمناسبته فالمناسبة علة لعلية العلة وليس تأثير الوصف في الحكم لدورانه معه لأن الدوران في الحقيقة
-
ليس من لوازم العلية لأن العلة إذا كانت أخص من المعلول كانت العلية منفكة هناك عن الدوران وقد ينفك الدوران عن العلية كما في الصور التي عددناها في باب الدوران وإذا كان كذلك كان الاستدلال بالمناسبة على العلية أقوى من الاستدلال بالدوران عليها احتج المخالف بوجهين الأول إن العلة المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية فتكون أقوى الثاني أنهم أجمعوا على صحة المطرد المنعكس ومن الناس من أنكر العلة التي لا تكون منعكسة
vol. 5, p. 456والجواب عن الأول لا نسلم أن العكس واجب في العلل العقلية وقد بيناه في كتبنا العقلية سلمناه لكن لا نسلم أن الأشبه بالعلل العقلية أولى وعن الثاني أن ذلك يقتضي ترجيح المناسب المطرد المنعكس على المناسب الذي لا يكون مطردا منعكسا ولا نزاع فيه أما أنا لا نقضي بترجيح الدوران المنفك عن المناسبة على المناسب المنفك عن الدوران فلأنه إذا وجد الدوران بدون المناسبة فقد لا تحصل العلة كرائحة الخمر مع حرمتها وثانيها
-
أن المناسبة أقوى من التأثير لأنه لا معنى للتأثير إلا أنه عرف تأثير هذا الوصف في نوع هذا الحكم وفي جنسه وكون الشي مؤثرا في شئ لا يوجب كونه مؤثرا فيما يشاركه في جنسه أما كونه مناسبا فهو الذي لأجله صار الوصف مؤثرا في الحكم فكان الاستدلال بالمناسبة على العلية أقوى من الاستدلال بالتأثير عليها وثالثها أن السبر إما أن يكون قاطعا في مقدماته أو
vol. 5, p. 457مظنونا في مقدماته أو قاطعا في بعض مقدماته ومظنونا في البعض فإن كان قاطعا في كل مقدماته كان العمل به متعينا وليس هذا بترجيح أما إذا كان مظنونا في كل مقدماته مثل أن يدل دليل ظني على أن الحكم معلل ودليل آخر ظني على أن العلة إما هذا الوصف أو ذاك ودليل آخر ظني على أن العلة ليست ذلك الوصف فيحصل هاهنا ظن أن العلة ليست إلا هذا الوصف فهاهنا العمل بالمناسبة أولى من العمل بهذا السبر وذلك لأن الدليل الدال على هذه المقدمات الثلاث التي لا بد منها في السبر إما النص أو الإيماء أو الطرق العقلية فإن كان هو النص صارت تلك المقدمات يقينية وقد فرضناها ظنية هذا خلف وإن كان إيماءا فقد عرفت أن الإيماء مرجوح بالنسبة إلى المناسبة وأما الطرق العقلية فالمناسبة أولى من غيرها لأن المناسبة مستقلة بإنتاج العلية والسبر لا ينتج العلية إلا بعد مقدمات كثيرة والمثبت لتلك المقدمات إما المناسبة أو غيرها
-
فإن كان الأول كانت المناسبة أولى من السبر لأن في إثبات الحكم بالمناسبة تكفي المناسبة الواحدة في الإنتاج وفي السبر لابد من ثلاث مقدمات والكثرة دليل المرجوحية وإن كان الثاني كانت المناسبة أولى لأن المناسبة علة لعلية العلة وغير المناسبة ليس كذلك فالاستدلال بالمناسبة على العلية أولى
vol. 5, p. 458وأما إن كان السبر مظنونا في بعض المقدمات مقطوعا في البعض عاد الترجيح المذكور في تلك المقدمات المظنونة ورابعها أن المناسبة أقوى من الشبه والطرد وذلك واضح لا حاجة به إلى الدليل فهذا هو الكلام في تراجيح هذه الطرق الستة العقلية بحسب الجنس ولنتكلم الآن في أنواع كل واحد منها وفيه سائل المسألة الأولى ترجيح بعض المناسبات على بعض إما أن يكون بأمور عائدة إلى ماهياتها أو بأمور خارجة عنها أما القسم الأول فتقريره أنك قد عرفت أن كون الوصف مناسبا إما أن يكون لأجل مصلحة دنيوية أو دينية والمصلحة الدنيوية إما أن تكون في محل الضرورة أو في محل الحاجة أو في محل الزينة والتتمة وظاهر أن المناسبة التي من باب الضرورة راجحة على التي من باب الحاجة والتي من باب الحاجة مقدمة على التي من باب الزينة
-
ثم قد عرفت أن المناسبة التي من باب الضرورة خمسة وهي مصلحة النفوس والعقول والأديان والأموال والأنساب فلا بد من بيان كيفية ترجيح بعض هذه الأقسام على بعض
vol. 5, p. 459ثم عرفت أن الوصف المناسب للحكم قد يكون نوعه مناسبا لنوع الحكم وقد يناسب جنسه نوع الحكم وقد يناسب نوعه جنس الحكم وقد يناسب جنسه جنس الحكم ولا شك في تقدم الأول على الثلاثة الأخيرة والثاني والثالث وأما الثاني والثالث فهما كالمتعارضين ولا شك في تقدمهما على الرابع ثم الجنس قد يكون قريبا وقد يكون بعيدا والمناسبة المتولدة من الجنس القريب تقدم على المناسبة المتولدة من الجنس البعيد ثم المناسبة في كل قسم من هذه الأقسام قد تكون جلية وقد تكون خفية أما الجلي فهو الذي يلتفت الذهن إليه في أول سماع الحكم كقوله عليه الصلاة السلام لا يقضى القاضي وهو غضبان فإنه يلتفت الذهن عند سماع هذا الكلام إلى أن الغضب إنما منع من الحكم لكونه مانعا من استيفاء الفكر وأما الخفي فهو الذي لا يكون كذلك ولا شك في تقدم الجلي على الخفي وأما القسم الثاني وهو ترجيح بعض المناسبات على بعض بأمور خارجة عنها فذلك على وجوه
vol. 5, p. 460أحدها أن المناسبة المتأيدة بسائر الطرق أعني الإيماء والدوران والسبر راجحة على ما لا يكون كذلك ويرجع حاصله إلى الترجيح بكثرة الأدلة وثانيها المناسبة الخالية عن المعارض راجحة على ما لا يكون كذلك فإن المناسبة وإن كانت لا تبطل بالمعارضة لكنها مرجوحة بالنسبة إلى مالا تكون معارضة وثالثها الذي يناسب الحكم من وجهين راجح على مالا يناسب إلا من وجه واحد وعلته ظاهرة وأيضا كلما كانت الجهات أكثر كانت أرجح مسألة الدوران الحاصل في صورة واحدة راجح على الحاصل في صورتين لأن احتمال الخطأ في الدوران الحاصل في الصورة الواحدة أقل من احتماله في الدوران الحاصل في صورتين ومتى كان احتمال الخطأ أقل كان الظن أقوى بيان الأول أن العصير لما لم يكن مسكرا في الزمان الأول فلم يكن محرما ثم صار مسكرا بعد ذلك فصار محرما ثم لما زالت المسكرية مرة أخرى زالت الحرمة فهاهنا نقطع بأن شيئا من الصفات الباقية في الأحوال
vol. 5, p. 461الثلاثة لا يصلح لعلية هذا الحكم وإلا لزم وجود العلة بدون الحكم
-
وأما الدوران في صورتين فهو كما يقول الحنفي في مسألة الحلي كونه ذهب موجب للزكا لأن التبر لما كان ذهبا وجبت الزكاة فيه والثياب لما لم تكن ذهبا لم تجب الزكاة فيها فهاهنا لا يمكن القدح في علية الصفات الباقية بمثل ما ذكرناه في الصورة الأولى فثبت أن احتمال المعارض في الصورة الأولى أقل فكان الظن فيها أقوى مسألة قد ذكرنا أن الشبه قد يكون شبها في الحكم الشرعي وقد يكون شبها في الصفة واختلفوا في الراجح والأظهر أن الشبه في الصفة أولى لأنها أشبه بالعلل العقلية النوع الرابع في التراجيح الحاصلة بسبب دليل الحكم فنقول هذا الطريق لا شك أنه يكون دالا ثم ذلك الطريق إما أن يكون في القياسين المتعارضين قطعيا أو ظنيا أو يكون في أحدها قطعيا وفي الآخر ظنيا فإن كان قطعيا فيهما معا استحال الترجيح في ذلك لما عرفت وإن كانا ظنيين فالدليل الدال عليهما إما أن يكون لفظا أو إجماعا أو قياسا فلنتكلم في تفاصيل هذه الأجناس ثم في تفاصيل أنواع كل واحد من هذه الأجناس
vol. 5, p. 462أما البحث الأول فيشتمل على مسألتين إحداها قالوا القياس الذي ثبت الحكم في أصله بالإجماع أقوى من الذي
-
ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية لأن الدلائل اللفظية تقبل التخصيص والتأويل والإجماع لا يقبلهما وهذا مشكل لأنا حيث أثبتنا الإجماع إنما أثبتناه بالدلائل اللفظية والفرع كيف يكون أقوى حالا من الأصل المسألة الثانية قد تقدم في كتاب القياس أن الحكم في الأصل لا يجوز أن يكون مثبتا بالقياس وإن كان قد جوزه قوم والمجوزون اتفقوا على أن القياس الذي ثبت الحكم في أصله بالنص راجح على الذي ثبت الحكم في أصله بالقياس لأن ذلك القياس لا يتفرع على قياس آخر إلى غير نهاية بل لا بد من الانتهاء إلى أصل ثبت حكمه بالنص وإذا كان كذلك فالنص أصل القياس والأصل راجح على الفرع البحث الثاني في تفاصيل أنواع كل واحد من هذه الأجناس الثلاثة فنقول أما الدلائل اللفظية فإما أن تكون متواترة أو آحادا فإن كانت متواترة لم يمكن ترجيح بعضها على بعض إلا بما يرجع إلى المتن وإن كانت آحادا أمكن ترجيح بعضها على بعض بما في المتن وبما
vol. 5, p. 463في الإسناد وتلك الوجوه قد ذكرناها فيما تقدم فلا فائدة في الإعادة وبالجملة فكلما كان ثبوت الحكم في الأصل أقوى كان القياس أرجح فإن كان ثبوت الحكم في أحد القياسين مقطوعا وفي الآخر كان الأول
-
أولى لما تقدم أن القياس الذي بعض مقدماته مقطوع والبعض مظنون راجح على ما كل مقدماته مظنون وأيضا فإذا ثبت الحكم في أحد الأصلين بإيماء خبر متواتر فهو راجح على ما ثبت بإيماء خبر واحد ولكن بشرط التعادل في الإيماءين ولو ثبت الحكم في الأصل بخبر الواحد فالذي هو مدلول حقيقة اللفظ راجح على ما هو مدلول مجازه النوع الخامس القول في التراجيح الحاصلة بسبب كيفية الحكم وهي على وجوه أحدها القياس الذي يوجب حكما شرعيا راجح على ما يوجب حكما عقليا لأن القياس دليل شرعي فيجب أن يكون حكمه شرعيا إلا أنا لو قدرنا تقديم العلة المثبتة للحكم الشرعي على المثبتة للحكم العقلي لزم النسخ مرتين
vol. 5, p. 464ولو قدرنا تقديم العقل لزم النسخ مرة فإن قلت كيف يجوز أن يستخرج من أصل عقلي علة شرعية قلت يجوز ذلك إذا لم ينقلنا عنه الشرع فنستخرج العلة التي لأجلها لم ينقلنا عنه الشرع أما إذا كان أحد الحكمين نفيا والآخر إثباتا وكانا شرعيين فقيل إنهما يتساويان لكنا ذكرنا في باب ترجيح الأخبار أنه لابد وأن يكون أحدهما عقليا وثانيها
-
الترجيح بكون أحد الحكمين في الفرع حظر فذلك الحظر إما أن يكون شرعيا أو عقليا فإن كان شرعيا فهو راجح على الإباحة لأنه شرعى ولأن الأخذ بالحظر أحوط وإن كان عقليا فكونه حظرا جهة الرجحان وكونه عقليا جهة المرجوحية فيجب الرجوع إلى ترجيح آخر ولا بد في الحظر والإباحة من كون أحدهما عقليا على ما تقدم وثالثها أن يكون حكم إحدى العلتين العتق وحكم الأخرى الرق فالمثبتة للعتق أولى لأن للعتق مزيد قوة ولأنه على وفق الأصل ورابعها إذا كان حكم إحداهما في الفرع إسقاط الحد وحكم الأخرى إثباته فالمسقطة أولى لأن ثبوته على خلاف الأصل فإن قلت المثبت للعقوبات يثبت حكما شرعيا والدارئ يثبت حكما عقليا فالمثبت للحكم الشرعي أولى الجواب أن الشرع إذا ورد بالسقوط صار السقوط حكما شرعيا ولذلك لا يجوز
vol. 5, p. 465نسخه إلا بما يسخ الحكم الشرعي وخامسها الترجيح بكون أحد حكمي العلة أزيد من حكم الآخر بأن يكون حكم أحدهما الندب وحكم الآخر الإباحة فالمثبت للندب أولى لأن في الندب معنى الإباحة وزيادة فكانت أولى إذا كانت الزيادة شرعية وسادسها
-
العلة إذا كان حكمها الطلاق كانت راجحة لما ثبت من قوة الطلاق وسابعها القياس على الحكم الوارد على وفق قياس الأصول أولى من القياس على الحكم الوارد بخلاف قياس الأصول وعلته كون الأول متفقا عليه والثاني مختلفا فيه ولأن الأول خال عن المعارض والثاني مع المعارض فيكون الأول أولى وثامنها القياس على أصل أجمع على تعليل حكمه أولى مما لا يكون كذلك وعلته أن على التقدير الأول تكون إحدى مقدمات القياس يقينية وهي كون الحكم في الأصل معللا فيكون ذلك القياس راجحا على مالا يكون شئ من مقدماته يقينيا وتاسعها الترجيح بشهادة الأصول للحكم وقد يراد بها دلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك الحكم وهذه وإن كانت صريحة فهي الأصل في إثبات الحكم فلا يجوز
vol. 5, p. 466الترجيح بها وإن مسها احتمال شديد جاز ترجيح القياس بها وعاشرها يقع الترجيح بقول الصحابي لأنه أعرف بمقاصد الرسول ص وكذلك إذا عضدت العلة علة أخرى كما ترجح أخبار الآحاد بعضها ببعض وحادى عشرها
-
أن يلزم من ثبوت الحكم في الفرع محذور كتخصيص عموم أو ترك العمل بظاهر أو ترجيح مجاز على حقيقة وفرق بين هذا الترجيح وبين ما ذكرناه من شهادة الأصول لأن الحكم الشرعي قد يكون بحيث يوجد في الشرع أصول تشهد بصحته وأصول أخر تشهد ببطلانه فالقوة الحاصلة بسبب وجود الأصول التي تشهد بصحته غير القوة الحاصلة بسبب عدم ما يشهد ببطلانه ومن هذا الباب أن يكون الحكم لازما للعلة في كل الصور فإن من يجوز تخصيص العلة يسلم أن العلة المطردة أولى من المخصوصة النوع السادس في التراجيح الحاصلة بسبب مكان العلة وهو إما الأصل أو الفرع أو مجموعها أما الأصل فبأن تشهد للعلة الواحد أصول كثيرة وذلك لأن شهادة
vol. 5, p. 467الأصل دليل على كون تلك العلة معتبرة وكل شهادة دليل مستقل فالترجيح بالشهادات الكثيرة ترجيح بكثرة الدلائل وأما الفرع ففيه صور إحداها أن العلة المتعدية أولى من القاصرة عند الأكثرين خلافا لبعض الشافعية لنا أن المتعدية أكثر فائدة ولأنها متفق عليها والقاصرة مختلف فيها فالأخذ
-
بالمتفق عليه أولى فكانت المتعدية أولى احتج المخالف بأن التعدية فرع الصحة والفرع لا يقوى الأصل والجواب لكنه يدل على قوته وثانيها إذا كانت فروع إحدى العلتين أكثر من الأخرى قال بعضهم هو أولى وقال آخرون لا يحصل به الرجحان حجة الأولين أنها إذا كثرت فروعها كثرت فوائدها فكانت أولى فإن قلت إنما يكون إذا كثرت فوائدها الشرعية وكثرة فروعها ترجع إلى كثرة ما خلق الله تعالى من ذلك النوع وليس ذلك بأمر شرعي قلت كثرة وجود الفروع ليس بأمر شرعي لكن الفروع لما كثرت لزم
vol. 5, p. 468من جعل هذا الوصف علة كثرة الأحكام فكان أولى احتج الآخرون بوجوه الأول لو كان اعم العلتين أولى من اخصهما لكان العمل بأعم الخطابين أولى من اخصهما الثاني التعدية فرع صحة العلة في الأصل فلو توقفت صحتها على التعدية لزم الدور الثالث كثرة الفروع ترجع إلى كثرة ما خلق الله تعالى من ذلك النوع وليس
-
ذلك بأمر شرعي بخلاف كثرة الأصول والجواب عن الأول إنما لم يكن العمل بأعم الخطابين أولى لأن فيه طرحا لأخصهما وليس كذلك العمل بأخصهما أما العلة فإذا انتهى الأمر إلى الترجيح وترجيح إحداهما يوجب طرح الأخرى فكان طرح ما تقل فائدته أولى وعن الثاني والثالث ما تقدم وثالثها العلة إذا كانت مثبتة للحكم في كل الفروع فهي راجحة على ما تثبت الحكم في بعض الفروع
vol. 5, p. 469وسبب الرجحان أن الدال على الحكم في كل الفروع يجري مجرى الأدلة الكثيرة لأن العلة تدل على كل واحد منها وأيضا دلالته على ثبوت الحكم في كل واحد من تلك الفروع يقتضي ثبوته في البواقي ضرورة أن لا قائل بالفرق فهذه العلة العامة قائمة مقام الأدلة الكثيرة وأما العلة الخاصة في الصورة الواحدة فهي دليل واحد فقط فكان الأول أولى وأما الترجيح الراجع إلى الأصل والفرع معا فهو أن تكون العلة يرد بها الفرع إلى ما هو من جنسه والأخرى يرد بها الفرع إلى خلاف جنسه مثاله قياس الحنفية الحلي على التبر أولى من قياسه على سائر الأموال
-
إنما لم يكن العمل بأعم الخطابين أولى لأن فيه طرحا لأخصهما وليس كذلك العمل بأخصهما أما العلة فإذا انتهى الأمر إلى الترجيح وترجيح إحداهما يوجب طرح الأخرى فكان طرح ما تقل فائدته أولى وعن الثاني والثالث ما تقدم وثالثها العلة إذا كانت مثبتة للحكم في كل الفروع فهي راجحة على ما تثبت الحكم في بعض الفروع
vol. 5, p. 469وسبب الرجحان أن الدال على الحكم في كل الفروع يجري مجرى الأدلة الكثيرة لأن العلة تدل على كل واحد منها وأيضا دلالته على ثبوت الحكم في كل واحد من تلك الفروع يقتضي ثبوته في البواقي ضرورة أن لا قائل بالفرق فهذه العلة العامة قائمة مقام الأدلة الكثيرة وأما العلة الخاصة في الصورة الواحدة فهي دليل واحد فقط فكان الأول أولى وأما الترجيح الراجع إلى الأصل والفرع معا فهو أن تكون العلة يرد بها الفرع إلى ما هو من جنسه والأخرى يرد بها الفرع إلى خلاف جنسه مثاله قياس الحنفية الحلي على التبر أولى من قياسه على سائر الأموال لأن الاتحاد من حيث الجنسية ثابتة بينهما وهذا آخر الكلام في التراجيح
vol. 6, p. 2طبع محققا على ست نسخ لأول مرة منذ أن فرغ مؤلفه من كتابته سنة ٥٧٥ هـ جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة الرسالة ولا يحق لأية جهة ان تطبع أو تعطي حق الطبع لاحد.
-
الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ.
-
١٩٩٢ م
vol. 6, p. 3المحصول في علم اصول الفقه للامام الاصولي النظار المفسر فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي ٥٤٤ - ٦٠٦ هـ / ١١٤٩ - ١٢٠٩ م دراسة وتحقيق الدكتور جابر فياض العلواني الجزء السادس مؤسسة الرسالة