التقسيم الثاني في انقسام الفعل إلى حسن وقبيح
3 paragraphs · vol. 1, p. 105
- vol. 1, p. 105
التقسيم الثاني الفعل إما أن يكون حسنا أو قبيحا وتحقيق القول فيه أن الإنسان إما أن يصدر عنه فعله وليس هو على حالة التكليف وإما أن يصدر عنه الفعل وهو على حالة التكليف والأول كفعل النائم والساهي والمجنون والطفل فهذه الأفعال لا يتوجه نحو فاعليها ذم ولا مدح وإن كان قد يتعلق بها وجوب ضمان وأرش في مالهم ويجب اخراجه على وليهم والثاني ضربان لأن القادر عليه المتمكن من العلم بحاله إن كان له فعله فهو الحسن وإن لم يكن فهو القبيح ثم قال أبو الحسين البصري رحمه الله القبيح هو الذي ليس للمتمكن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله ومعنى قولنا ليس له أن يفعله
vol. 1, p. 106معقول لا يحتاج إلى تفسير ويتبع ذلك أن يستحق الذم بفعله ويحد أيضا بأنه الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذم وأما الحسن فهو ما للقادر عليه المتمكن من العلم بحاله إن يفعله وأيضا ما لم يكن على صفة تؤثر في استحقاق الذم وأقول هذه الحدود غير وافية بالكشف عن المقصود أما الأول فنقول ما الذي أردت بقولك ليس له أن يفعله فإنه يقال للعاجز عن الفعل ليس له أن يفعله ويقال للقادر على الفعل إذا كان ممنوعا عنه حسا ليس له أن يفعله ويقال للقادر إذا كان شديد النفرة عن الفعل ليس له أن يفعله وقد يقال للقادر إذا زجره الشرع عن الفعل إنه ليس له أن يفعله والتفسيران الأولان غير مرادين لا محالة والثالث غير مراد أيضا لأن الفعل قد يكون حسنا مع قيام النفرة الطبيعية عنه وبالعكس والرابع أيضا غير مراد لأنه يصير القبيح مفسرا بالمنع الشرعي فإن قلت المراد منه القدر المشترك بين هذه الصور الأربع من مسمى المنع
vol. 1, p. 107قلت لا نسلم أن هذه الصور الأربع تشترك في مفهوم واحد وذلك لأن المفهوم الأول معناه أنه لا قدرة له على الفعل وهذا إشارة إلى العدم والمفهوم الرابع معناه أنه يعاقب عليه وهذا إشارة إلى الوجود ونحن لا نجد بينهما قدرا مشتركا وأما قوله ويتبع ذلك أن يستحق الذم بفعله
-
قلنا لما فسرت القبيح بأنه الذي يستحق الذم بفعله وجب تفسير الاستحقاق والذم فأما الاستحقاق فقد يقال الأثر يستحق المؤثر على معنى أنه يفتقر إليه لذاته ويقال المالك يستحق الانتفاع بملكه على معنى أنه يحسن منه ذلك الانتفاع والأول ظاهر الفساد والثاني يقتضي تفسير الاستحقاق بالحسن مع أنه فسر الحسن بالاستحقاق حيث قال الحسن هو الذي لا يستحق فاعله الذم فيلزم الدور وإن أراد بالاستحقاق معنى ثالثا فلا بد من بيانه وأما الذم فقد قالوا إنه قول أو فعل أو ترك قول أو
vol. 1, p. 108ترك فعل ينبئ عن اتضاع حال الغير فنقول إن عنيت بالإتضاع يكون ما ينفر عنه طبع الإنسان ولا يلائمه فهذا معقول لكن يلزم عليه أن لا يتحقق الحسن والقبح في حق الله تعالى لما أن النفرة الطبيعية عليه ممتنعة وإن عنيت به أمرا آخر فلا بد من بيانه وأعلم أن هذه الاشكالات غير واردة على قولنا لأنا نعني بالقبيح المنهي عنه شرعا وبالحسن ما لا يكون منهيا عنه شرعا وتندرج فيه أفعال الله تعالى وأفعال المكلفين من الواجبات والمندوبات والمباحات وأفعال الساهي والنائم والبهائم وهو أولى من قول من قال الحسن ما كان مأذونا فيه شرعا لأنه يلزم
-
عليه أن لا تكون أفعال الله تعالى حسنة ولو قلت الحسن هو الذي يصح من فاعله أن يعلم أنه غير ممنع عنه شرعا خرج عنه فعل النائم والساهي والبهيمة ويدخل فيه فعل الله تعالى لأن وجوب ذلك العلم