النظر الخامس فيما به يعرف كون اللفظ موضوعا لمعناه
8 paragraphs · vol. 1, p. 203
- vol. 1, p. 203
النظر الخامس فيما به يعرف كون اللفظ موضوعا لمعناه لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلى القرآن والأخبار وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم كان العلم بشرعنا موقوفا على العلم بهذه الأمور وما لا يتم الواجب المطلق به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب ثم الطريق إلى معرفة لغة العرب ونحوهم وتصريفهم إما العقل وإما النقل أو ما يتركب منهما أما العقل فلا مجال له في هذه الأشياء لما بينا أنها امور وضعية والأمور الوضعية لا يستقل العقل بإدراكها
-
وأما النقل فهو إما تواتر أو آحاد والأول يفيد العلم والثاني يفيد الظن
vol. 1, p. 204واما ما يتركب من العقل والنقل فهو كما عرفنا بالنقل أنهم جوزوا الاستثناء عن صيغ الجمع وعرفنا بالنقل أيضا أنهم وضعوا الاستثناء لإخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ فحينئذ نعلم بالعقل بواسطة هاتين المقدمتين النقليتين أن صيغة الجمع تفيد الاستغراق واعلم أن على كل واحد من هذه الطرق الثلاثة اشكالات أما التواتر فإن الاشكال عليه من وجوه أحدها أنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين اختلافا لا يمكن القطع فيه بما هو الحق كلفظة الله تعالى فإن بعضهم زعم أنها ليست عربية بل سريانية والذين جعلوها عربية اختلفوا في أنها من الأسماء المشتقة أو
vol. 1, p. 205الموضوعة والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا وكذا القائلون بكونه موضوعا اختلفوا أيضا اختلافا كبيرا ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذه اللفظة علم أنها متعارضة وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين وكذلك اختلفوا في الايمان والكفر والصلاة والزكاة حتى إن كثيرا من المحققين في علم الاشتقاق زعموا أن اشتقاق الصلاة من الصلوين وهما عظما الورك ومن المعلوم أن هذا الاشتقاق غريب وكذلك اختلفوا في صيغ الأوامر والنواهي وصيغ العموم مع شدة
-
اشتهارها وشدة الحاجة اليها اختلافا شديدا وإذا كان الحال في هذه الألفاظ التي هي أشهر الألفاظ والحاجة إلى استعمالها ماسة جدا كذلك فما ظنك بسائر الألفاظ وإذا كان كذلك ظهر أن دعوى التواتر في اللغة والنحو متعذر ة
vol. 1, p. 206فإن قلت هب إنه لا يمكن دعوى التواتر في معاني هذه الألفاظ على سبيل التفصيل ولكنا نعلم معانيها في الجملة فنعلم أنهم يطلقون لفظ الله على افله علي سبحانه وتعالى وان كنا لا نعلم أن مسمى هذا اللفظ أهو الذات أم المعبودية أم القادرية وكذا القول في سائر الألفاظ قلت حاصل ما ذكرته أنا نعلم إطلاق لفظ الله على الإله سبحانه وتعالى من غير أن نعلم أن مسمى هذا الاسم ذاته أو كونه معبودا أو كونه قادرا على الاختراع أو كونه ملجأ الخلق أو كونه بحيث تتحير العقول في ادراكه إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ وذلك يفيد نفي القطع بمسماه واذا كان الأمر كذلك في هذه اللفظة مع غاية شهرتها ونهاية الحاجة إلى معرفتها كان الاحتمال فيما عداها أظهر وثانيها أن من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة فهب أنا علمنا حصول شرائط التواتر في حفاظ اللغة والنحو والتصريف في زماننا هذا فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمان فان قلت الطريق إليه أمران
vol. 1, p. 207أحدهما أن الذين شاهدناهم أخبرونا أن الذين أخبروهم بهذه اللغات
-
كانوا موصوفين بالصفات المعتبرة في التواتر وأن الذين أخبروا من أخبرهم كانوا كذلك إلى أن يتصل النقل بزمان الرسول صلى الله عليه وسلم وثانيهما أن هذه الألفاظ لو لم تكن موضوعة لهذه المعاني ثم وضعها واضع لهذه المعاني لاشتهر ذلك ولعرف فإن ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله قلت أما الأول فغير صحيح لأن كل واحد منا حين سمع لغة مخصوصة من انسان فإنه لم يسمع منه أنه سمع من أهل التواتر وأن الذين اسمعوا كل واحد من مسمعيه حتى سمعوها أيضا من أهل التواتر إلى أن يتصل ذلك بزمان الرسول صلى الله عليه وسلم بل تحرير هذه الدعوى على هذا الوجه مما لا يفهمه كثير من الأدباء فكيف يدعى أنهم علموه بالضرورة بل الغاية القصوى في راوي اللغة أن يسنده إلى كتاب مصحح أو
vol. 1, p. 208إلى استاذ متقن ومعلوم أن ذلك لا يفيد اليقين وأما الثاني فضعيف أيضا أما أولا فلأن ذلك الاشتهار إنما يجب في الأمور العظيمة ووضع اللفظة المعينة بإزاء المعنى المعين ليس من الأمور العظيمة التي يجب اشهارها وأما ثانيا فلأن ذلك ينتقض ب ما أنا نرى أكثر العرب في زماننا هذا يتكلمون بألفاظ مختلة واعرابات فاسدة مع أنا لا نعلم واضع تلك الألفاظ المختلة ولا زمان وضعها وينتقض أيضا بالألفاظ العرفية فإنها نقلت عن موضوعاتها الأصلية مع أنا لا نعلم المغير ولا زمان التغيير فكذا ها هنا سلمنا أنه يجب أن يشتهر ذلك لكن لا نسلم أنه لم يشتهر فإنه قد اشتهر
-
بل بلغ مبلغ التواتر أن هذه اللغات إنما أخذت عن جمع مخصوصين كالخليل وأبي عمرو بن العلاء والاصمعي وأبي عمرو
vol. 1, p. 209الشيباني وأضرابهم ولا شك أن هؤلاء ما كانوا معصومين ولا كانوا بالغين حد التواتر وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم أقصى ما في الباب أن يقال نعلم قطعا استحالة كون هذه اللغات بأسرها منقولة على سبيل الكذب إلا أنا نسلم ذلك ونقطع بأن فيها ما هو صدق قطعا لكن كل لفظة عيناها فإنه لا يمكننا القطع بأنها من قبيل ما نقل صدقا أو كذبا وحينئذ لا يبقى القطع في لفظ معين أصلا هذا هو الاشكال على من ادعى التواتر في نقل اللغات أما الآحاد فالاشكال عليها من وجوه أحدها أن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن ومعرفة القرآن والأخبار
vol. 1, p. 210مبنية على معرفة اللغة والنحو والتصريف والمبني على المظنون مظنون فوجب أن لا يحصل القطع بشئ من مدلولات القرآن والاخبار وذلك خلاف الاجماع وثانيها أن رواية الآحاد لا تفيد الظن إلا إذا سلمت عن القدح وهؤلاء الرواة مجرحون فإن بيانه أن أجل الكتب المصنفة في النحو واللغة كتاب سيبويه وكتاب العين أما كتاب سيبويه فقدح الكوفيين فيه وفي صاحبه أظهر من الشمس وأيضا فالمبرد عمر كان من أجل البصريين وهو قد أورد كتابا في القدح فيه
-
وأما كتاب العين فقد أطبق الجمهور من أهل اللغة على القدح فيه
vol. 1, p. 211وأيضا فإن ابن جني أورد بابا في كتاب الخصائص في قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض وتكذيب بعضهم بعضا وطول في ذلك وأفرد بابا آخر في أن لغة أهل الوبر أصح من لغة أهل المدر وغرضه من ذلك القدح في الكوفيين وأفرد بابا آخر في كلمات الغريب لا يعلم أحد اتى بها إلا ابن أحمر الباهلي وروي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان النبي ألفاظا لم يسمعاها ولم يسبقا
vol. 1, p. 212إليها وعلى نحو هذا قال المازني ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم وأيضا فالأصمعي كان منسوبا إلى الخلاعة ومشهورا أنه كان يزيد في اللغة ما لم يكن منها والعجب من الأصوليين أنهم أقاموا الدلالة على أن خبر الواحد حجة في الشرع ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة وكان هذا أولى لأن اثبات اللغة كالأصل للتمسك بخبر الواحد وبتقدير أن يقيموا الدلالة على ذلك فكان من الواجب عليهم أن يبحثوا عن أحوال رواة اللغاة وإن والنحو وأن يتفحصوا عن اسباب جرحهم وتعديلهم كما فعلوا ذلك في رواة الأخبار لكنهم تركوا ذلك بالكلية مع شدة الحاجة إليه فإن اللغة والنحو يجريان مجرى الأصل للاستدلال بالنصوص
vol. 1, p. 213وثالثهما أن رواية الراوي إنما تقبل إذا سلمت عن المعارض وهاهنا روايات دالة على أن هذه اللغة تتطرق إليها الزيادة والنقصان أما الزيادة فلما نقلنا عن رؤبة وأبيه من الزيادات وكذلك عن الأصمعي والمازني وأما النقصان فلما روى ابن جني باسناده عن ابن سيرين عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه فجاء الاسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم وغفلت عن الشعر وروايته فلما كثر الاسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا فيه إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب وقد هلك من العرب من هلك فحفظوا أقل ذلك وذهب عنهم أكثره
vol. 1, p. 214وروى ابن جني أيضا باسناده عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو ابن العلاء أنه قال ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جاءكم وافرا لجاءكم كما علم وشعر كثير قال ابن جني فهذا ما نراه وقد روي في معناه كثير وذلك يدل على تنقل الأحوال بهذه اللغة واعتراض الأحداث عليها وكثرة تغيرها وأيضا فالصحابة مع شدة عنايتهم بأمر الدين واجتهادهم في ضبط أحواله عجزوا عن ضبط الأمور التي شاهدوها في كل يوم خمس مرات وهو كون الإقامة فرادى أو مثناة والجهر بالقراءة ورفع اليدين فاذا كان الأمر في هذه الأشياء الظاهرة كذلك فما ظنك باللغات وكيفية الاعرابات مع قلة وقعها في القلوب ومع ما أنه لم يشتغل بتحصيلها
-
وتدوينها محصل إلا بعد انقراض عصر الصحابة والتابعين
vol. 1, p. 215واما ما يتركب من العقل والنقل فالاعتراض عليه أن الاستدلال بالمقدمتين النقليتين على النتيجة لا يصح إلا إذا ثبت أن المناقضة غير جائزة على الواضع وهذا إنما يثبت اذا ثبت أن الواضع هو الله تعالى وقد بينا أن ذلك غير معلوم فان قلت الناس قد أجمعوا على صحة هذا الطريق لأنهم لا يثبتون شيئا من مباحث علم النحو والتصريف إلا بهذا الطريق والاجماع حجة قلت اثبات الاجماع من فروع هذه القاعدة لأن اثبات الاجماع سمعي فلا بد فيه من اثبات الدلائل السمعية والدليل السمعي لا يصح إلا بعد ثبوت اللغة والنحو والتصريف فالإجماع فرع هذا الأصل فلو أثبتنا هذا الأصل بالاجماع لزم الدور وهو محال فهذا تمام الإشكال والجواب
vol. 1, p. 216أن اللغة والنحو على قسمين أحدهما المتداول المشهور والعلم الضروري حاصل بأنها في الأزمنة الماضية كانت موضوعة لهذه المعاني فإننا نجد أنفسنا جازمة بأن لفظ السماء والأرض كانتا مستعملتين في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم في هذين المسميين ونجد الشكوك التي ذكروها جارية مجرى شبه السوفسطائية القادحة في المحسوسات التي لا تستحق الجواب وثانيهما الألفاظ الغريبة والطريق إلى معرفتها الآحاد إذا عرفت
-
هذا فنقول أكثر ألفاظ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأول فلا جرم
vol. 1, p. 217قامت الحجة به وأما القسم الثاني فقليل جدا وما كان كذلك فإنا لا نتمسك به في المسائل القطعية ونتمسك به في الظنيات ونثبت وجوب العمل بالظن بالاجماع ونثبت الاجماع بآية واردة بلغات معلومة لا مظنونة وبهذا الطريق يزول الإشكال والله أعلم