القسم الأول في أحكام الحقيقة
15 paragraphs · vol. 1, p. 295
- vol. 1, p. 295
القسم الأول في أحكام الحقيقة وفيه مسائل المسألة الأولى في اثبات الحقيقة اللغوية والدليل عليه أن ها هنا ألفاظا وضعت لمعان ولا شك أنها قد استعملت بعد وضعها فيها ولا معنى للحقيقة إلا ذلك واحتج الجمهور عليه بأن اللفظ إن استعمل في موضوعه الأصلي فهو الحقيقة وان استعمل في غير موضوعه الأصلي كان مجازا لكن المجاز فرع الحقيقة ومتى وجد الفرع وجد الأصل فالحقيقة موجودة لا محالة وهذا ضعيف لأن المجاز لا يستدعي إلا مجرد كونه موضوعا قبل ذلك لمعنى
-
آخر وستعرف أن اللفظ في الوضع الأول لا يكون حقيقة ولا مجازا فالمجاز غير متوقف على الحقيقة
vol. 1, p. 296المسألة الثانية في الحقيقة العرفية اللفظة العرفية هي التي انتقلت عن مسماها إلى غيره بعرف الاستعمال ثم ذلك العرف قد يكون عاما وقد يكون خاصا ولا شك في إمكان القسمين إنما النزاع في الوقوع فنقول أما القسم الأول فالحق أن تصرفات أهل العرف منحصرة في أمرين أحدهما أن يشتهر المجاز بحيث يستنكر معه استعمال الحقيقة ثم للمجاز جهات كما سيأتي تفصيلها ان شاء الله تعالى منها حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كاضافتهم ثنا الحرمة إلى الخمر وهي في الحقيقة مضافة إلى الشرب ومنها تسميتهم الشئ باسم شبيهه كتسميتهم حكاية كلام زيد بأنه كلام زيد ومنها تسميتهم الشئ باسم ما له به تعلق كتسميتهم قضاء الحاجة بالغائط الذي هو المكان المطمئن من الأرض وكتسميتهم المزادة بالرواية التي هي اسم الجمل الذي يحملها وثانيهما تخصيص الاسم ببعض مسمياته كالدابة فإنها مشتقة من
vol. 1, p. 297الدبيب ثم إنها اختصت ببعض البهائم والملك مأخوذ من الألوكة وهي الرسالة ثم اختص ببعض الرسل والجن مأخوذ من الاجتنان به ثم اختص ببعض من يستتر عن العيون وكذا القارورة والخابية موضوعتان لما يستقر فيه الشئ وتخبأ فيه ثم خصصا بشئ معين فالتصرف الواقع على هذين الوجهين هو الذي ثبت من أهل العرف ف أما على غير هذين الوجهين فلم يثبت عنهم فلا يجوز إثباته والذي يدل على وجود هذا القدر من التصرف أن علامات الحقيقة كما سنذكرها حاصلة في هذه الألفاظ عرفا فوجب كونها حقيقة فيه
vol. 1, p. 298وأما القسم الثاني وهو العرف الخاص فهو ما لكل طائفة من العلماء من الاصطلاحات التي تخصهم كالنقض والكسر والقلب والجمع والفرق للفقهاء والجوهر والعرض والكون للمتكلمين والرفع والنصب والجر للنحاة ولا شك في وقوعه المسألة الثالثة في الحقيقة الشرعية وهي اللفظة التي استفيد من الشرع وضعها للمعنى سواء كان المعنى واللفظ مجهولين عند أهل اللغة أو كانا معلومين لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى أو كان أحدهما مجهولا والآخر معلوما واتفقوا على إمكانه واختلفوا في وقوعه
-
فالقاضي أبو بكر منع منه مطلقا
vol. 1, p. 299والمعتزلة أثبتوه مطلقا وزعموا أنها منقسمة إلى أسماء أجريت على الأفعال وهي الصلاة والزكاة والصوم وغيرها وإلى أسماء أجريت على الفاعلين كالمؤمن والفاسق والكافر وهذا الضرب يسمى بالأسماء الدينية تفرقة بينهما وبين ما أجريت على الأفعال وإن كان الكل على السواء في أنه عرف شرعي والمختار إن اطلاق هذه الألفاظ على هذه المعاني على سبيل المجاز من الحقائق اللغوية لنا أن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني لو لم تكن لغوية لما كان القرآن كله عربيا وفساد اللازم يدل على فساد الملزوم أما الملازمة فلأن هذه الألفاظ مذكورة في القرآن فلو لم تكن إفادتها لهذه المعاني عربية لزم أن لا يكون القرآن كله عربيا
vol. 1, p. 300وأما فساد اللازم فلقوله تعالى قرآنا عربيا وقوله تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه فإن قيل هذا الدليل فاسد الوضع لأنه يقتضي أن تكون هذه الألفاظ مستعملة في عين ما كان العرب يستعملونها فيه وبالاتفاق ليس كذلك فإن الصلاة لا يراد بها في الشرع نفس الدعاء أو المتابعة فقط فإذن ما يقتضيه هذا الدليل لا تقولون به وما تقولون به لا يقتضيه هذا الدليل فكان فاسدا
-
سلمنا أنه ليس فاسد الوضع، لكن الملازمة ممنوعة.
-
بيانه: أن إفادة هذه الألفاظ لهذه المعاني وإن لم تكن عربية لكنها في الجملة ألفاظ عربية فإنهم كانوا يتكلمون بها في الجملة وإن كانوا يعنون بها غير هذه المعاني واذا كان كذلك كانت هذه الألفاظ عربية سلمنا أنها إذا استعملت في غير معانيها العربية لا تكون عربية لكن لم يلزم أن لا يكون القرآن عربيا
vol. 1, p. 301بيانه أن هذه الألفاظ قليلة جدا فلا يلزم خروج القرآن بسببها عن كونه عربيا فإن الثور الأسود لا يمتنع إطلاق اسم الأسود عليه لوجود شعرات بيض في جلده والشعر الفارسي يسمى فارسيا وان وجدت فيه كلمات كثيرة عربية سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز خروج كل القرآن عن كونه عربيا وأما الآيات فهي لا تدل على أن القرآن بكليته عربي لأن القرآن يقال بالاشتراك على مجموعه وعلى كل بعض منه لأربعة أوجه أحدها لو حلف أن لا يقرأ القرآن فقرأ آية حنث في يمينه ولولا أن الآية مسماة بالقرآن وإلا لما حنث الثاني أن الدليل يقتضي أن يسمى كل ما يقرأ قرآنا لأنه مأخوذ من القرأة أو القرء وهو الجمع خالفناه فيما عدا هذا الكتاب فنتمسك به في الكتاب بمجموعه وأجزائه
vol. 1, p. 302الثالث أنه يصح أن يقال هذا كل القرآن وهذا بعض القرآن ولو لم
-
يكن القرآن إلا اسما للكل لكان الأول تكرار والثاني نقضا الرابع قوله تعالى في سورة يوسف إنا أنزلناه قرآنا عربيا والمراد منه تلك السورة فثبت أن بعض القرآن قرآن وإذا ثبت هذا لم يلزم من كون القرآن عربيا كونه بالكلية كذلك سلمنا أن ما ذكرتم من الدليل يقتضي كون القرآن بالكلية عربيا لكنه معارض بما يدل على أنه ليس بالكلية عربيا فإن الحروف المذكورة في أوائل السور ليست عربية والمشكاة من لغة الحبشة والاستبرق والسجيل فارسيتان هذا معربتان ثم والقسطاس من لغة الروم
vol. 1, p. 303سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على مذهبكم لكنه معارض بأدلة أخرى من حيث الاجمال والتفصيل أما الاجمال فهو أنه قد ثبت بالشرع معان لم تكن ثابتة قبله وما لم يكن معقولا للعرب لا يجوز أن يضعوا له اسما وذا لم يكن لها شئ من الأسامي واحتيج إلى تعريفها فلا بد من وضع الأسامي لها كالولد الحادث والأداة الحادثة أما التفصيل فهو أن يتبين في كل واحد من هذه الألفاظ أنها مستعلمة لا في معانيها الأصلية أما الإيمان فهو في أصل اللغة عبارة عن التصديق وفي الشرع عبارة عن فعل الواجبات ويدل عليه ثمانية أوجه الأول أن فعل الواجبات هو الدين والدين هو الاسلام والاسلام هو الايمان ففعل الواجبات هو الايمان
vol. 1, p. 304وإنما قلنا إن فعل الواجبات هو الدين لقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة فقوله وذلك دين القيمة يرجع إلى كل ما تقدم فيجب أن يكون كل ما تقدم دينا وإنما قلنا إن الدين هو الإسلام لقوله تعالى إن الذين عند الله الإسلام وإنما قلنا إن الاسلام هو الايمان لوجهين أحدهما أن الايمان لو كان غير الاسلام لما كان مقبولا ممن ابتغاه لقوله تعالى ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه والثاني أنه تعالى استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ولولا الاتحاد لما صح الاستثناء الثاني قوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم قيل صلاتكم الثالث قوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله إلى آخر الآية ثم إن الله تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في
vol. 1, p. 305آخر هذه الآية ان يستغفر لهم والفاسق لا يستغفر له الرسول حال كونه فاسقا بل يلعنه ويذمه فدل على أنه غير مؤمن الرابع أن قاطع الطريق يخزى يوم القيامة والمؤمن لا يخزى يوم القيامة فقاطع الطريق ليس بمؤمن
-
أما الأول فلأن الله تعالى يدخله النار يوم القيامة وكل من كان كذلك فقد أخزي أما الأول فلقوله تعالى في صفتهم ولهم في الآخرة عذاب عظيم وأما الثاني فلقوله تعالى حكاية عنهم ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ولم يكذبهم فدل على صدقهم فيه وإنما قلنا إن المؤمن لا يخزى يوم القيامة لقوله تعالى يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه الخامس لو كان الايمان في عرف الشرع عبارة عن التصديق لما صح وصف المكلف به إلا في الوقت الذي يكون مشتغلا به على ما مر بيانه في باب الاشتقاق لكن ليس كذلك لأن من أتى بأفعال الايمان ولم يحبطها يقال إنه مؤمن بل حال كونه نائما يوصف بأنه مؤمن السادس يلزم أن يوصف بالايمان كل مصدق بأمر من الأمور سواء كان مصدقا بالله تعالى أو بالجبت والطاغوت
vol. 1, p. 306السابع من علم بالله تعالى ثم سجد للشمس وجب أن يكون مؤمنا وبالاجماع ليس كذلك الثامن قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون أثبت الايمان مع الشرك والتصديق بوحدانية الله لا يجامع الشرك فالايمان غير التصديق أما الصلاة فهي في أصل اللغة أما للمتابعة كما يسمى الطائر الذي يتبع السابق مصليا
-
وإما للدعاء كما في قول الشاعر وصلى على دنها وارتسم أو لعظم الورك كما قال بعضهم الصلاة إنما سميت صلاة لأن العادة في الصلاة أن يقف المسلمون صفوفا فإذا ركعوا كان رأس أحدهم عند صلا الآخر وهو عظم الورك
vol. 1, p. 307ثم إنها في الشرع لا تفيد شيئا من هذه المعاني الثلاثة لوجهين الأول أنا إذا أطلقناها لم يخطر ببال السامع شئ من هذه الثلاثة ومن شأن الحقيقة المبادرة إلى الفهم الثاني أن صلاة الامام والمنفردة صلاة ولم يوجد فيها شئ من المتابعة ولا يكون رأسه عند عظم ورك غيره واذا انتقل الانسان من الدعاء إلى غيره لا يقال إنه فارق صلاته ولأن صلاة الأخرس صلاة ولا دعاء فيها فدل على أن هذه اللفظة غير مستعملة في معانيها اللغوية وأما الزكاة فإنها في اللغة للنماء والزيادة وفي الشرع لتنقيص المال على وجه مخصوص وأما الصوم فإنه في اللغة لمطلق الامساك وفي الشرع للامساك المخصوص ولا يتبادر الذهن عند سماعه إلى مطلق الامساك والجواب قوله الدليل فاسد الوضع لأنه يقتضي كون هذه الألفاظ موضوعة في المعاني التي كانت العرب يستعملونها فيها
-
قلنا هذا الدليل يقتضي كون هذه الألفاظ مستعملة في المعاني التي كانت
vol. 1, p. 308العرب يستعملونها فيها على سبيل الحقيقة فقط أو سواء كانت حقيقة أو مجازا الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن العرب كما كانوا يتكلمون بالحقيقة كانوا يتكلمون بالمجاز ومن المجازات المشهورة تسميتهم الشئ باسم جزئه كما يقال للزنجي إنه أسود والدعاء أحد أجزاء هذا المجموع المسمى بالصلاة بل هو الجزء المقصود لقوله تعالى وأقم الصلاة لذكري ولأن المقصود من الصلاة التضرع والخضوع فلا جرم لم يكن اطلاق لفظ الصلاة عليه خارجا عن اللغة فإن كان مذهب المعتزلة في هذه الأسماء الشرعية ذلك فقد ارتفع النزاع وإلا فهو مردود بالدليل المذكور فإن قلت من شرط المجاز اللغوي تنصيص أهل اللغة على تجويزه وها هنا لم يوجد ذلك لأن هذه المعاني كانت معقولة لهم فكيف يمكن أن يقال إنهم جوزوا نقل لفظ الصلاة من الدعاء الذي هو أحد أجزاء هذا المجموع إليه قلت لا نسلم أن شرط حسن استعمال المجاز تصريح أهل اللغة بجوازه
vol. 1, p. 309سلمنا ذلك إلا أنهم صرحوا بأن اطلاق اسم الجزء على الكل على سبيل المجاز جائز فدخلت هذه الصورة فيه قوله افادة هذه اللفظة لهذا المعنى وإن لم تكن عربية فلم لا يجوز
-
أن يقال هذه اللفظة عربية قلنا لأن كون اللفظة عربية ليس حكما حاصلا لذات اللفظة من حيث هي هي بل حيث هي دالة على المعنى المخصوص فلو لم تكن دلالتها على معناها عربية لم تكن اللفظة عربية قوله اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة لا يخرجه عن كونه عربيا قلنا لا نسلم فإنه لما وجد فيه ما لا يكون عربيا وان كان في غاية القلة لم يكن المجموع عربيا وأما الثور الأسود الذي توجد فيه شعرة واحدة بيضاء والقصيدة الفارسية التي يوجد فيها ألفاظ عربية فلا نسلم جواز اطلاق الأسود والفارسي على مجموعهما على سبيل الحقيقة والدليل عليه جواز الاستثناء ولولا أنه يمجموعه رسول لا يسمى بهذا الاسم حقيقة وإلا لما جاز الاستثناء قوله القرآن اسم لمجموع الكتاب أوله ولبعضه قلنا بل للمجموع بدليل إجماع الأمة على أن الله تعالى ما
vol. 1, p. 310أنزل إلا قرآنا واحدا ولو كان لفظ القرآن حقيقة في كل بعض منه لما كان القرآن واحدا وما ذكروه من الوجوه الأربعة معارض بما يقال في كل آية وسورة إنه من القرآن وإنه بعض القرآن قوله وجد في القرآن ألفاظ عربية قلنا لا نسلم أما الحروف المذكورة في أوائل السور فعندنا أنها أسماء السور وأما المشكاة والقسطاس والاستبرق فلا مانع من كونها
-
عربية وإن كانت موجودة في سائر اللغات فإن توافق اللغات غير ممتنع سلمنا أنها ليست بعربية لكن العام إذا خص يبقى حجة فيما وراءه قوله هذه المسميات حدثت فلا بد م حدوث اسمائها قلنا لم لا يكفي فيها المجاز وهو تخصيص هذه الألفاظ المطلقة ببعض مواردها فإن الإيمان والصلاة والصوم كانت موضوعة لمطلق التصديق والدعاء والامساك ثم تخصصت بسبب الشرع بتصديق معين ودعاء معين وامساك معين والتخصيص لا يتم إلا بادخال قيود زائدة على الأصل وحينئذ يكون اطلاق اسم المطلق على المقيد اطلاقا لاسم الجزء على الكل وأما الزكاة فإنها من المجاز الذي ينقل فيه اسم المسبب إلى السبب
vol. 1, p. 311والجواب عن المعارضة الأولى أنا لا نسلم أن فعل الواجبات هو الدين أما قوله تعالى وذلك دين القيمة فنقول لا يمكن رجوعه إلى ما تقدم لوجهين أحدهما أن ذلك لفظ الوجدان فلا يجوز صرفه إلى الأمور الكثيرة والثاني أنه من ألفاظ الذكران فلا يجوز صرفه إلى إقامة الصلاة وإذا كان كذلك فلا بد من إضمار شئ آخر وهو أن يقولوا ذلك الذي أمرتم به دين القيمة وإذا كان كذلك فليسوا بأن يضمروا ذلك أولى منا بأن نضمر شيئا آخر وهو أن نقول معناه أن ذلك الاخلاص أو ذلك التدين دين القيمة ويكون قوله تعالى مخلصين له الدين دالا
-
على الاخلاص واذا تعارض الاحتمالات فعليهم الترجيح وهو معنا لأن إضمارهم يؤدي إلى تغيير اللغة واضمارنا ولا يؤدي إلى عدم التغيير والجواب عن الثاني أنا لا نسلم أن المراد في قوله تعالى وما كان الله
vol. 1, p. 312ليضيع إيمانكم أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل المراد منه موضوعه اللغوي وهو التصديق بوجوب تلك الصلاة وعن الثالث لا نسلم أن كلمة إنما للحصر سلمناه لكنه معارض بآيات منها ما يدل على أن محل الايمان هو القلب وذلك يدل على مغايرة الايمان لعمل الجوارح قال تعالى أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وقلبه مطمئن بالإيمان يشرح صدره للإسلام وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك
vol. 1, p. 313ومنها الآيات الدالة على أن الأعمال الصالحة أمور مضافة إلى الإيمان قال الله تعالى الذين آمنوا وعملوا الصالحات ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن ومنها الآيات الدالة على مجامعة الايمان مع المعاصي قال الله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا وهذا هو الجواب عن سائر الآيات التي تمسكوا بها
-
والجواب عن الخامس أن ما ذكروه لازم عليهم لأنه قد يسمى مؤمنا حال كونه غير مباشر لأعمال الجوارح
vol. 1, p. 314والجواب عن السادس أنا نعترف بأن الايمان في عرف الشرع ليس ل مطلق التصديق بل التصديق الخاص وهو تصديق محمد صلى الله عليه وأله وسلم في كل أمر ديني علم بالضرورة مجيئه به وهو الجواب عن السابع والثامن وأما الذي احتجوا به من أن الصلاة والصوم غير مستعملين في موضوعيهما اللغويين فمسلم ولكنهما مستعملان في أمور هي مجازات بالنسبة إلى تلك الموضوعات الأصلية وهم ما أقاموا الدلالة على فساده والله أعلم فروع على القول بالنقل الأول النقل خلاف الأصل ويدل عليه أمور أحدها أن النقل لا يتم إلا بثبوت الوضع اللغوي ثم نسخه ثم ثبوت الوضع الآخر وأما الوضع اللغوي فإنه يتم بوضع واحد وما يتوقف على ثلاثة أشياء مرجوح بالنسبة إلى ما لا يتوقف إلى على شئ واحد
vol. 1, p. 315وثانيها أن ثبوت الحكم في الحال يفيد ظن البقاء على ما سنقيم الدليل عليه في باب الاستصحاب وذلك يدل على أن البقاء على الوضع الأول أرجح وثالثها أنه لو كان احتمال بقاء اللغة على الوضع الأصلي معارضا لاحتمال
-
التغيير لما فهمنا عند التخاطب شيئا إلا إذا سألنا في كل لفظة هل بقيت على وضعها الأول واذا لم يكن كذلك ثبت ما قلناه الفرع الثاني لا شك في ثبوت الألفاظ المتواطئة في الاسماء الشرعية واختلفوا في وقوع الأسماء المشتركة والحق وقوعها لأن لفظ الصلاة مستعمل في معان شرعية لا يجمعها جامع لأن اسم الصلاة يتناول ما لا قراءة فيه كصلاة الأخرس وما لا سجود فيه ولا ركوع كصلاة الجنازة وما لا قيام فيه كصلاة القاعد والصلاة بالايماء على مذهب الشافعي رضي الله عنه ليس فيها شئ من ذلك وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك يجعل مسمى الصلاة فيها حقيقة
vol. 1, p. 316وأما المترادف فالأظهر أنه لم يوجد لأنه ثبت أنه على خلاف الأصل فيقدر بقدر الحاجة الفرع الثالث كما وجد الاسم الشرعي فهل وجد الفعل الشرعي والحرف الشرعي الأقرب أنه لم يوجد أما أولا فبالإستقراء لم وأما ثانيا فلأن الفعل صيغة دالة على وقوع المصدر بشئ غير معين في زمان معين فإن كان المصدر لغويا استحال كون الفعل شرعيا وإن كان شرعيا وجب كون الفعل أيضا شرعيا تبعا لكون المصدر شرعيا فيكون كون الفعل شرعيا أمرا حصل بالعرض لا بالذات الفرع الرابع في أن صيغ العقود انشاءات حدثنا ام إخبارات
vol. 1, p. 317لا شك أن قوله نذرت وبعت واشتريت صيغ الأخبار في اللغة وقد تستعمل في الشرع أيضا للإخبار وإنما النزاع في أنها حيث تستعمل لاستحداث الأحكام إخبارات أم إنشاءآت ابن والثاني هو الأقرب لوجوه الأول أن قوله أنت طالق لو كان إخبارا لكان إما أن يكون إخبارا عن الماضي أو الحال أو المستقبل والكل باطل فبطل القول بكونها أخبارا أما إنه لا يمكن أن يكون إخبارا عن الماضي والحاضر فلأنه لو كان كذلك لامتنع تعليقه على الشرط لأن التعليق عبارة عن توقيف دخوله في الوجود على دخوله في غيره الوجود وما دخل في الوجود لا يمكن توقيف دخوله في الوجود على دخول غيره في الوجود ولما صح تعليقه على الشرط بطل كونه إخبارا عن الماضي أو الحال وأما أنه لا يمكن أن يكون إخبارا عن المستقبل فلأن قوله أنت طالق في دلالته على الإخبار عن صيرورتها موصوفة بالطلاق في المستقبل ليس أقوى من تصريحه بذلك وهو قوله ستصيرين طالقا في المستقبل
vol. 1, p. 318لكنه لو صرح بذلك فإنه لا يقع الطلاق فما هو أضعف منه وهو قوله أنت طالق أولى بأن لا يقتضي وقوع الطلاق الثاني أن هذه الصيغ لو كانت أخبارا لكانت إما أن تكون كذبا أو صدقا فان كانت كذبا فلا عبرة بها وان كانت صدقا فوقوع الطالقية إما أن
-
يكون متوقفا على حصول هذه الصيغ أو لا يكون فإن كان متوقفا عليه فهو محال لأن كون الخبر صدقا يتوقف على وجود المخبر عنه والمخبر عنه ها هنا هو وجود الطالقية فلإخبار قوله عن الطالقية يتوقف كونها صدقا على حصول الطالقية فلو توقف حصول الطالقية على هذا الخبر لزم الدور وهو محال وإن لم يكن متوقفا عليه فهذا الحكم لا بد له من سبب آخر فبتقدير ح صول ذلك السبب تقع الطالقية وإن لم يوجد هذا الخبر وبتقدير عدمه لا توجد وإن وجد هذا الإخبار وذلك باطل بالاجماع فان قيل لم لا يجوز أن يكون تأثير ذلك المؤثر في حصول الطالقية يتوقف على هذه اللفظة
vol. 1, p. 319قلت هذه اللفظة إذا كانت شرطا لتأثير المؤثر في الطالقية وجب تقدمها على الطالقية لكنا بينا أنا متى جعلناه خبرا صادقا لزم تقدم الطالقية عليها فيعود الدور الثالث قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن أمر بالتطليق فيجب أن يكون قادرا على التطليق ومقدوره ليس إلا قوله طلقت فدل على أن ذلك مؤثر في الطالقية الرابع لو أضاف الطلاق إلى الرجعية وقع وان كان صادقا بدون الوقوع فثبت أنه انشاء لا إخبار والله أعلم