القسم الثاني في المجاز

15 paragraphs · vol. 1, p. 321

  1. القسم الثاني في المجاز وفيه مسائل المسألة الأولى في أقسام المجاز المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط أو في مركباتها أو فيهما معا أما الذي يقع في المفردات فكإطلاق له لفظ الأسد على الشجاع والحمار على البليد وأما الذي يقع في التركيب فهو أن يستعمل كل واحد من الألفاظ المفردة في موضوعه الأصلي لكن التركيب لا يكون مطابقا لما في الوجود كقوله أشاب الصغير وأفنى الكبير كر الغداة ومر العشي

    vol. 1, p. 322فكل واحد من الألفاظ المفردة التي في هذا البيت مستعمل في موضوعه الأصلي لكن اسناد أشاب إلى كر الغداة غير مطابق لما عليه الحقيقة فإن الشيب يحصل بفعل الله تعالى لا بكر الغداة وأما الذي يقع في المفردات والتركيب معا فكقولك لمن تداعبه ذلك أحياني اكتحالي بطلعتك فإنه استعمل الإحياء لا في موضوعه الأصلي ولفظ الاكتحال لا في موضوعه الأصلي ثم نسب الإحياء إلى الاكتحال مع أنه غير منتسب إليه وقد جاء في القرآن والأخبار من الأقسام الثلاثة شئ كثير والأصوليون لم يتنبهوا للفرق بين هذه الأقسام وإنما لخصه الشيخ عبد القاهر النحوي المسألة الثانية

    vol. 1, p. 321
  2. في إثبات المجاز المفرد الدليل عليه أنهم يستعملون الأسد في الشجاع والحمار في البليد مع اعترافهم بأن الأسد والحمار غير موضوعين في أول الأمر لهذين المعنيين بل إنهما أطلقا عليهما لما بين مفهوميهما وبين هذين الأمرين من المشابهة ولا معنى للمجاز إلا ذلك

    vol. 1, p. 323واحتج المانعون منه بأن اللفظ لو أفاد المعنى على سبيل المجاز فإما أن يفيده مع القرينة أو بدون القرينة والأول باطل لأنه مع القرينة المخصوصة لا يحتمل غير ذلك فيكون هو مع تلك القرينة حقيقة فيه لا مجازا وبدون تلك القرينة غير مفيد له أصلا فلا يكون حقيقة ولا مجازا فظهر أن اللفظ على هذا التقدير لا يكون مجازا لا حال القرينة ولا حال عدم القرينة والثاني أيضا باطل لأن اللفظ لو أفاد معناه المجازي بدون قرينة لكان حقيقة فيه لأنه لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالإفادة بدون القرينة والجواب أن هذا نزاع في العبارة ولنا أن نقول اللفظ الذي لا يفيد إلا مع القرينة هو المجاز ولا يقال اللفظ مع القرينة حقيقة فيه لأن دلالة القرينة ليست دلالة وضعية حتى يجعل المجموع لفظا واحدا دالا على المسمى المسألة الثالثة في أقسام هذا المجاز والذي يحضرنا منه اثنا عشر وجها أحدها اطلاق اسم السبب على المسبب والأسباب أربعة القابل

  3. والصورة والفاعل والغاية مثال تسمية الشئ باسم قابله قولهم سال الوادي

    vol. 1, p. 324ومثال التسمية باسم الصورة تسميتهم اليد بالقدرة ومثال التسمية باسم بالفاعل حقيقة أو ظنا تسمية المطر بالسماء ومثال التسمية باسم الغاية تسمية العنب بالخمر والعقد بالنكاح وثانيها اطلاق اسم المسبب على السبب كتسمية المرض الشديد والمذلة العظيمة بالموت ويحتمل أن يكون وجه المجاز ها هنا ما بين الأمرين من المشابهة ثم ها هنا بحثان البحث الأول أن العلة الغائية حال كونها ذهنية علة العلل وحال كونها خارجية معلولة العلل فقد حصلت لها علاقتا محمد العلية والمعلولية وكل واحدة منها علة لحسن التجوز إلا أن نقل اسم السبب إلى المسبب أحسن من العكس لأن السبب المعين يقتضي المسبب المعين لذاته

    vol. 1, p. 325وأما المسبب المعين فإنه لا يقتضي لذاته السبب المعين على ما بينا الفرق بينهما في الكتب العقلية وإذا كان كذلك كان اطلاق اسم السبب على المسبب أولى من العكس الثاني هو أن العلة الغائية لما اجتمع فيها الوجهان السببية

  4. والمسببية كان استعمال اللفظ المجازي فيها أولى من سائر المواضع لاجتماع الوجهين وثالثها تسمية الشئ باسم ما يشابهه كتسمية الشجاع أسدا والبليد حمارا وهذا القسم على الخصوص هو المسمى بالمستعار ورابعها تسمية الشئ باسم ضده كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم

    vol. 1, p. 326ويمكن جعل ذلك من باب المجاز للمشابهة لأن جزاء السيئة يشبهها في كونها سيئة بالنسبة إلى من يصل إليه ذلك الجزاء وخامسها تسمية الجزء باسم الكل كاطلاق اللفظ العام مع أن المراد منه الخصوص وسادسها تسمية الكل باسم الجزء كما يقال للزنجي إنه أسود والأول أولى لأن الجزء لازم الكل أما الكل فليس بلازم للجزء وسابعها تسمية إمكان الشئ باسم وجوده كنا يقال للخمر التي في الدن إنها مسكرة وثامنها إطلاق اللفظ المشتق بعد زوال المشتق منه كقولنا للانسان بعد فراغه من الضرب إنه ضارب وتاسعها المجاورة كنقل اسم الراوية من الجمل إلى ما يحمل عليه من ظرف الماء وكتسمية إلى الشراب بالكأس ويمكن جعله من المجاز بسبب القابل

    vol. 1, p. 327وعاشرها المجاز بسبب أن أهل العرف تركوا استعماله فيما كانوا يستعملونه فيه ك الدابة اذا استعملت في الحمار فإن قلت لفظ الدابة إما أن يكون مجازا من حيث إنه صار مستعملا في الفرس وحده أو من حيث منع من استعماله في غيره والأول من باب اطلاق اسم العام على الخاص فلا يكون قسما آخر والثاني باطل لأن المجازية كيفية عارضة للفظة من جهة دلالتها على المعنى لا من جهة عدم دلالتها على الغير قلت لفظ الدابة اذا استعمل في الحمار والكلب كان ذلك مجازا بالنسبة إلى الوضع العرفي لأنه يكون مستعملا في غير موضعه لعلاقة بينه وبين موضوعه ويكون ذلك حقيقة بالنسبة إلى الوضع اللغوي إلا أن هذا المجاز من باب المشابهة فلا يكون في الحقيقة قسما آخر وحادي عشرها المجاز بسبب الزيادة والنقصان وقد ذكرنا مثاليهما كان وبينا كيفية الحال فيهما وثاني عشرها تسمية المتعلق باسم المتعلق كتسمية المعلوم علما والمقدور قدرة

    vol. 1, p. 328المسألة الرابعة في أن المجاز بالذات لا يدخل دخولا أوليا إلا في أسماء الأجناس أما الحرف فلا يدخل فيه المجاز بالذات لأن مفهومه غير مستقل بنفسه بل لا بد أن ينضم إليه شئ آخر لتحصل الفائدة فإن ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه فهو حقيقة فيه وإلا فهو مجاز في المركب لا في المفرد

  5. وأما الفعل فهو لفظ دال على ثبوت شئ لموضوع غير معين في زمان معين فيكون الفعل مركبا من المصدر وغيره فما لم يدخل المجاز في المصدر استحال دخوله في الفعل الذي لا يفيد إلا ثبوت ذلك المصدر لشئ وأما الاسم فهو إما علم أو مشتق أو اسم جنس أما العلم فلا يكون مجازا لأن شرط المجاز أن يكون النقل لأجل علاقة بين الأصل والفرع وهي غير موجودة في الأعلام

    vol. 1, p. 329وأما المشتق فما لم يتطرق المجاز إلى المشتق منه فلا يتطرق إلى المشتق الذي لا معنى له إلا أنه أمر ما حصل له المشتق منه فاذن المجاز لا يتطرق في الحقيقة إلا إلى أسماء الأجناس والله أعلم المسألة الخامسة في أن استعمال اللفظ في معناه المجازي يتوقف على السمع الدليل عليه أن لفظ الأسد لا يستعار للرجل الشجاع إلا لأجل المشابهة في الشجاعة لكن الرجل الشجاع كما يشبه الأسد في شجاعته فقد يشبهه في صفات أخر كالبخر وغيره فلو كانت المشابهة كافية في ذلك ل جاز استعارة الأسد للأبخر أبو ولما لم يجز ذلك صح قولنا ولأنهم قد يطلقون النخلة على الرجل الطويل ولا يطلقونها على غير الانسان وذلك يدل على اعتبار الاستعمال في المجاز واحتج المخالف بوجهين الأول اتفقوا على أن وجوه المجازات والاستعارات مما يحتاج في استخراجها إلى تدقيق النظر وما يكون نقليا لا يكون كذلك

  6. الثاني أنك إذا قلت رأيت أسدا وعنيت به الشجاع فالغرض من

    vol. 1, p. 330التعظيم إنما يحصل بإعارة معنى الأسد له فإنك لو أعطيته الاسم بدون المعنى لم يحصل التعظيم وإذا كانت إعارة اللفظ تابعة لاعارة المعنى وإعارة المعنى حاصلة بمجرد قصد المبالغة وجب أن لا يتوقف استعمال اللفظ المستعار على السمع والجواب عن الأول أن المستخرج بالفكر جهات حسن المجاز وعن الثاني أن هذه الاعارة ليست أمرا حقيقيا بل أمرا تقديريا فلم لا يجوز أن يمنع الواضع منه في بعض المواضع دون البعض المسألة السادسة في أن المجاز مركب عقلي ومثاله في القرآن قوله تعالى وأخرجت الأرض أثقالها وقوله مما تنبت الأرض فالإخراج والإنبات غير مستندين في نفس الأمر إلى الأرض بل إلى الله تعالى وذلك حكم عقلي ثابت في نفس

    vol. 1, p. 331الأمر فنقله عن متعلقه إلى غيره نقل لحم عقلي لا للفظ لغوي فلا يكون هذا المجاز إلا عقليا فإن قلت لم لا يجوز أن يقال صيغة أخرج وأنبت وضعت في أصل اللغة بازاء صدور الخروج والنبات من القادر فاذا استعملت في صدورهما من الأرض فقد استعملت الصيغة في غير

  7. موضوعها فيكون هذا المجاز لغويا قلت إن أمثلة الأفعال لا تدل بالتضمن على خصوصية المؤثر والدليل عليه وجوه أحدها أنه لو كانت كذلك لكان المفهوم من لفظة أخرج أن القادر صدر عنه هذا الأثر فيكون مجرد قولنا أخرج خبرا تاما فكان يلزم أن يتطرق إليه وحده التصديق ولتكذيب ومعلوم أنه ليس كذلك وثانيها أنه يصح أن يقال أخرجه القادر ولو كان القادر جزءا من مفهوم أخرج لكان التصريح بذكر القادر تكرارا وثالثها هب أنها دالة على صدور الفعل عن القادر فأما عن القادر المعين فلا وإلا لزم حصول الاشتراك اللفظي بحسب كل واحد واحد من القادرين إذا ثبت هذا فنقول إذا أضيف ذلك الفعل إلى غير ذلك القادر الذي هو

    vol. 1, p. 332صادر عنه لم يكن التغيير واقعا في مفهومات الألفاظ بل في إسناد مفهوماتها إلى غير ما هو مستندها فإن قال قائل ما الفرق بين هذا المجاز وبين الكذب قلنا الفارق هو القرينة وهي قد تكون حالية وقد تكون مقالية أما الحالية فهي ما إذا علم أو ظن أن المتكلم لا يتكلم بالكذب فيعلم أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز ومنها أن يقترن الكلام بهيئات مخصوصة قائمة بالمتكلم دالة على أن المراد ليس هو الحقيقة بل المجاز ومنها أن يعلم بسبب خصوص الواقعة أنه لم يكن للمتكلم داع

  8. إلى ذكر الحقيقة فيعلم أن المراد هو المجاز وأما القرينة المقالية فهي أن يذكر المتكلم عقيب ذلك الكلام ما يدل على أن المراد من الكلام الأول غير ما أشعر به ظاهره المسألة السابعة ف ي جواز دخول المجاز في خطاب الله تعالى وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم

    vol. 1, p. 333الأكثرون جوزوا ذلك خلافا لأبي بكر بن داود الأصفهاني لنا قوله تعالى جدارا يريد أن ينقض فأقامه وجاء ربك وقد ثبت بالدليل أنه لا يجوز أن يكون المراد منها ظواهرها فوجب صرفها إلى غير ظواهرها وهو المجاز واحتج المخالف بأمور أحدها لو خاطب الله بالمجاز لجاز وصفه بأنه متجوز ومستعير وثانيها أن المجاز لا ينبئ بنفسه عن معناه فورود القرآن به يقتضي الالتباس وثالثها أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة وهو على الله تعالى محال ورابعها أن كلام الله تعالى كله حق وكل حق فله حقيقة وكل ما كان حقيقة فإنه لا يكون مجازا

    vol. 1, p. 334والجواب عن الأول أن أسامي الله تعالى توقيفية وبتقدير

  9. كونها اصطلاحية لكن لفظ المتجوز يوهم كونه تعالى فاعلا ما لا ينبغي فعله وهو في حق الله تعالى محال وعن الثاني أنه لا التباس مع القرينة الدالة على المراد وعن الثالث أن العدول عن الحقيقة إلى المجاز لأغراض سنذكرها إن شاء الله تعالى وعن الرابع أن كلام الله تعالى كله حقيقة بمعنى أنه صدق لا بمعنى كون ألفاظه بأسرها مستعملة في موضوعاتها الأصلية والله أعلم المسألة الثامنة في الداعي إلى التكلم بالمجاز العدول عن الحقيقة إلى المجاز إما لأجل اللفظ أو المعنى أو لهما أما الذي لأجل اللفظ فإما أن يكون لأجل جوهر اللفظ أو لأجل أحوال عارضة للفظ

    vol. 1, p. 335أما الأول فهو أن يكون اللفظ الدال على الشئ بالحقيقة ثقيلا على اللسان أما لأجل مفردات حروفه أو لتنافر تركيبه أو لثقل وزنه واللفظ المجازي يكون عذبا فتترك الحقيقة إلى هذا المجاز وأما الثاني وهو أن يكون لأجل أحوال عارضة للفظ فهو أن تكون اللفظة المجازية صالحة للشعر أو السجع وسائر اصناف البديع واللفظة الحقيقية لا تصلح لذلك وأما الذي يكون لأجل المعنى فقد تترك الحقيقة إلى المجاز لأجل التعظيم والتحقير ولزيادة البيان ولتلطيف أو الكلام

  10. أما فكما يقال سلام على المجلس العالي فإنه تركت الحقيقة ها هنا لأجل الاجلال وأما التحقير فكما يعبر عن قضاء الحاجة بالغائط الذي هو اسم للمكان المطمئن من الأرض وأما زيادة البيان فقد تكون لتقوية حال المذكور وقد تكون لتقوية الذكر أما الأول فكقولهم رأيت أسدا فإنه لو قال رأيت انسانا

    vol. 1, p. 336يشبه الأسد في الشجاعة لم تكن في البلاغة كما اذا قال رأيت أسدا وتحقيق هذا الفرق مذكور في كتابنا في الاعجاز وأما الثاني فهو المجاز الذي يذكر للتأكيد وأما تلطيف الكلام فهو أن النفس إذا وقفت على تمام كلام فلو وقفت على تمام المقصود لم يبق لها شوق إليه أصلا لأن تحصيل الحاصل محال وإن لم تقف على شئ منه أصلا لم يحصل لها شوق إليه فأما إذا عرفته من بعض الوجوه دون البعض فإن القدر المعلوم يشوقها إلى تحصيل العلم بما ليس بمعلوم فيحصل لها بسبب علمها بالقدر الذي علمته لذة وبسبب حرمانها من الباقي ألم فتحصل هناك لذات وآلام متعاقبة واللذة إذا حصلت عقيب الألم كانت أقوى وشعور النفس بها أتم إذا عرفت هذا فنقول إذا عبر عن الشئ باللفظ الدال عليه على سبيل الحقيقة حصل كمال العلم به فلا تحصل اللذة القوية أما إذا عبر عنها بلوازمها الخارجية عرف لا على سبيل الكمال فتحصل

  11. الحالة المذكورة التي هي كالدغدغة) النفسانية فلأجل هذا كان التعبير عن المعاني بالعبارات المجازية ألذ من التعبير عنها بالألفاظ الحقيقية والله أعلم

    vol. 1, p. 337المسألة التاسعة في أن المجاز غير غالب على اللغات قال أبو الفتح ابن جني أكثر اللغة مجاز أما في الأفعال فنحو قولك قام زيد وقعد عمرو فإن الفعل يفيد المصدر فقولك قام زيد معناه كان منه القيام أي هذا الجنس من الفعل والجنس يتناول جميع الأفراد ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام لأنه لا يجتمع لانسان واحد في وقت واحد ولا في مائة ألف سنة القيام كله الداخل تحت الوهم أقول هذا ركيك لأنه ظن أن المصدر لفظ دال على جميع أشخاص تلك الماهية وهو باطل بل المصدر لفظ دال على الماهية أعني القدر المشترك بين الواحد والكل والماهية من حيث هي هي لا تستلزم الوحدة ولا الكثرة وإذا كان كذلك كان الفعل المشتق منه لا دلالة على الكثرة ولا على الوحدة وقال أيضا قولك ضربت عمرا مجاز من جهة أخرى لأنك إنما ضربت بعضه لا جميعه ولهذا إذا احتاط الانسان قال ضربت رأسه وهذا أيضا يكون مجازا وذلك عندما

    vol. 1, p. 338إذا ضربت جانبا من جوانب رأسه فقط اعترض أبو محمد بن متويه فقال المتألم بالضرب جملة عمرو لا عضو منه أقول هذا الاعتراض ساقط لأن ابن جني إنما ألزم المجاز في لفظ

  12. الضرب لا في لفظ التألم والضرب عبارة عن امساس جسم حيوان بعنف والامساس عبد حكم يرجع إلى الاجزاء لا إلى الجملة بالاتفاق فكان المضروب بالحقيقة هو الجزء الممسوس فقط فظهر سقوط هذا الاعتراض وأقول ها هنا وجوه أخر من المجازات السائغة فإني إذا قلت ضربت زيدا فزيد ليس عبارة عن جملة البنية المشاهدة لأنا نعلم أن زيدا هو الذي كان موجودا وقت ولادته ونعلم أن أجزاءه وقت شبابه أكثر مما كانت وقت ولادته ولا شك أن زيدا هو تلك الأجزاء الباقية من أول حدوثه إلى آخر فنائه وتلك الأجزاء قليلة فإذن المسمى بزيد هو تلك الأجزاء فإذا قلت ضربت زيدا فلعل هذا الامساس ما وقع على تلك

    vol. 1, p. 339الأجزاء فيكون الكلام أيضا مجازا من هذا الوجه ثم ها هنا دقيقة وهي أن هذه المجازات من باب المجاز العقلي لأنك إذا قلت رأيت زيدا وضربت عمروا فصيغتا عليه رأيت وضربت مستعملتان في موضوعيهما الأصليين فلا يكون مجازا وأما لفظة زيد فهي من الأعلام فلا تكون مجازا فلم يبق إلا أن المجاز واقع في النسبة فيكون مجازا عقليا والله أعلم المسألة العاشرة في أنت المجاز على خلاف الأصل والذي يدل عليه وجوه أحدها أن اللفظ إذا تجرد فإما أن يحمل على حقيقته أو على مجازه أو عليهما أو لا على واحد منهما والثلاثة الأخيرة باطلة فتعين الأول

  13. وإنما قلنا إنه لا يجوز حمله على مجازه لأن شرط الحمل على المجاز حصول القرينة فإن الواضع لو أمر بحمل اللفظ عند تجرده على ذلك المعنى لكان حقيقة فيه إذ لا معنى للحقيقة إلا ذلك وأما أنه لا يجوز حمله عليهما معا فظاهر لأن الواضع لو قال احملوه وحده عليهما معا كان اللفظ حقيقة في ذلك المجموع ولو قال احملوه إما على هذا أو على ذاك كان مشتركا بينهما

    vol. 1, p. 340وأما أنه لا يجوز أن لا يحمل على واحد منهما ألبتة فلأنه على هذا التقدير يكون اللفظ حال تجرده من المهملات لا من المستعملات واذا بطلت هذه الأقسام الثلاثة تعين القسم الأول وهو المطلوب وثانيها أن المجاز لا يتحقق إلا عند نقل اللفظ من شئ إلى شئ لعلاقة بينهما وذلك يستدعي أمورا ثلاثة وضعه للأصل ثم نقله إلى الفرع ثم علة للنقل وأما الحقيقة فإنه يكفي فيها أمر واحد وهو وضعه للأصل ومن المعلوم أن الذي يتوقف على شئ واحد أغلب وجودا مما يتوقف على ذلك الشئ مع شيئين آخرين معه وثالثها أن واضع اللفظ للمعنى إنما يضعه له ليكتفي به في الدلالة عليه وليستعمل فيه فكأنه قال اذا سمعتموني أتكلم بهذا الكلام فاعلموا أنني أعني هذا المعنى وإذا تكلم به متكلم بلغتي فليعن به هذا

    vol. 1, p. 341فكل من تكلم بلغته يجب أن يعنى به ذلك المعنى ولهذا يسبق إلى

  14. أذهان السامعين ذلك المعنى دون ما هو مجاز فيه ولو قال لنا مثل ذلك في المجاز لكان حقيقة ولم يكن مجازا ورابعها إجماع الكل على أن الأصل في الكلام الحقيقة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال ما كنت أعرف معنى الفاطر حتى اختصم إلي شخصان في بئر فقال أحدهما فطرها أبي أي اخترعها وقال الأصمعي ما كنت أعرف الدهاق حتى سمعت جارية بدوية تقول اسقني دهاقا أي ملآنا فها هنا استدلوا بالاستعمال على الحقيقة فلولا أنهم عرفوا أن الأصل في الكلام الحقيقة وإلا لما جاز لهم ذلك وخامسها لو لم يكن الأصل في الكلام الحقيقة لكان الأصل إما أن يكون هو المجاز وهو باطل باجماع الأمة أو لا يكون واحد منهما

    vol. 1, p. 342أصلا فحينئذ يتردد كل كلام الشارع بين أمرين فيصير الكل مجملا وهو باطل بالاجماع ويلزم أن يصير كل ما يتكلم به في العرف مجملا لتردد تلك الألفاظ بين حقائقها ومجازاتها ولو كان الكل مجملا لما فهمنا المراد في شئ من الألفاظ إلا بعد الاستفسار وطلب تعيين المراد ولما كان ذلك باطلا علمنا أن الأصل في الكلام الحقيقة فرع إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح فأيهما أولى فعند أبي حنيفة رضي الله عنه الحقيقة المرجوحة أولى

  15. وعند أبي يوسف رحمه الله المجاز الراجح أولى ومن الناس من قال يحصل التعارض لأن كل واحد منهما راجح على الآخر من وجه ومرجوح من وجه آخر فيحصل التعارض