الباب التاسع في كيفية الاستدلال بخطاب الله وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم على الأحكام

22 paragraphs · vol. 1, p. 385

  1. الباب التاسع في كيفية الاستدلال بخطاب الله وخطاب رسوله صلى الله عليه وسلم على الأحكام وفيه مسائل المسألة الأولى في أنه لا يجوز أن يتكلم الله تعالى بشئ ولا يعني به شيئا والخلاف فيه مع الحشوية

    vol. 1, p. 386لنا وجهان أحدهما أن التكلم بما لا يفيد شيئا هذيان وهو نقص والنقص على الله تعالى محال وثانيها أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وشفاء وبيانا وذلك لا يحصل بما لا يفهم معناه

    vol. 1, p. 385
  2. واحتج المخالف بأمور أحدها أنه جاء في القرآن ما لا يفيد كقوله كهيعص وما يشبهه وقوله كأنه رءوس الشياطين وقوله فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة فقوله عشرة كاملة لا يفيد فائدة زائدة وقوله فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وقوله لا تتخذوا إليهن اثنين

    vol. 1, p. 387وثانيها أن الوقف على قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله واجب ومتى كان ذلك كذلك لزم القول بأن الله تعالى قد تكلم بما لا يفهم منه شئ بيان الأول أننا لو لم نقف هناك بل وقفنا على قوله والراسخون في العلم فاذا ابتدأنا بقوله يقولون آمنا كان المراد منه قائلين آمنا به كل من عند ربنا ويصير ذلك عائدا إلى المذكورات السالفة فيصير المعنى كأن الله تعالى قال الراسخون في العلم قالوا آمنا به كل من عند ربنا وذلك غير جائز على الله تعالى فثبت أن الوقف على قوله تعالى وما يعلم تأويله إلا الله واجب وإذا ثبت ذلك ظهر أنا لا نعلم تأويل المتشابهات وثالثها أن الله تعالى خاطب الفرس بلغة العرب مع أنهم لا يفهمون شيئا منها وإذا جاز ذلك فليجز مطلقا

    vol. 1, p. 388والجواب عن الأول أن لأهل التفسير فيها أقوالا مشهورة والحق فيها أنها أسماء السور

  3. وأما روس الشياطين فقيل إن العرب كانوا يستقبحون ذلك المتخيل ويضربون به المثل في القبح وأما قوله عشرة كاملة فذلك للتأكيد وهو الجواب أيضا عن سائر الآيات وعن الثاني أن موضع الوقف قوله والراسخون في العلم وما ذكرو من الاشكال فغايته أنه عام خص منه البعض بدليل العقل لامتناع عود ذلك الضمير إلى الله تعالى وعن الثالث أن للفرس طريقا إلى معرفة الخطاب بالرجوع إلى العرب المسألة الثانية في أنه لا يجوز أن يعني بكلامه خلاف ظاهره ولا يدل عليه ألبتة والخلاف فيه مع المرجئة

    vol. 1, p. 389لنا أن اللفظ الخالي عن البيان أبدا يكون بالنسبة إلى غير ظاهره مهملا وقد بينا أن التكلم بالمهمل غير جائز على الله تعالى فإن قيل ان عنيت بالمهمل ما لا فائدة فيه ألبتة فلا نسلم أن الأمر كذلك لأنه تعالى اذا تكلم بما ظاهره يقتضي الوعيد مع أنه لا يريد ذلك حصل منه تخويف الفساق والتخويف يمنعهم من الاقدام فقد حصلت هذه الفائدة وإن عنيت به أنه لا يحصل منه فائدة الإفهام فهو مسلم

    vol. 1, p. 390لكن لم قلت إن ما يكون كذلك فإنه غير جائز على الله تعالى فإن هذا أول المسألة والجواب لو فتحنا هذا الباب لما بقي الاعتماد على شئ من خبر الله وخبر رسوله صلى الله عليه وأله وسلم لأنه ما من خبر إلا ويحتمل أن يكون المقصود منه أمرا وراء الإفهام ومعلوم أن ذلك ظاهرا الفساد والله أعلم المسألة الثالثة في أن الاستدلال بالخطاب هل يفيد القطع أم لا منهم من أنكره وقال إن الاستدلال بالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية والمبني على المقدمات الظنية ظني فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظن وإنما قلنا إنه مبني على مقدمات ظنية لأنه مبني على نقل اللغات ونقل النحو والتصريف وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والاضمار

    vol. 1, p. 391والتخصيص والتقديم والتأخير والناسخ والمعارض وكل ذلك أمور ظنية أما بيان أن نقل اللغات ظني فلأن المرجع فيه إلى أئمة اللغة وأجمع العقلاء على أنهم ما كانوا بحيث يقطع بعصمتهم فنقلهم لا يفيد إلا الظن وتمام الكلام في هذا المقام قد تقدم وأما النحو والتصريف فالمرجع في اثباتهما إلى أشعار المتقدمين إلا أن التمسك بتلك الأشعار مبني على مقدمتين ظنيتين احداهما أن هذه الأشعار رواها الآحاد ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن

  4. وأيضا إن الذين رووها روايتهم مرسلة لا مسندة والمرسل غير مقبول عند الأكثرين إذا كان خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم فكيف اذا كان خبر عن شخص لا يؤبه له ولا يلتفت إليه وثانيهما هب أنه صح هذا الشعر عن هذا الشاعر لكن لم قلت إن ذلك الشاعر لا يلحن أقصى ما في الباب أنه عربي لكن العربي قد يلحن في العربية كما أن الفارسي قد يلحن كثيرا في الفارسية

    vol. 1, p. 392والذي يؤيد هذا الاحتمال أن الأدباء لحنوا أكابر شعراء الجاهلية كامرئ القيس وطرفة ولبيد واذا كانوا معترفين بأنهم قد لحنوا فكيف يجوز التعويل في تصحيح الألفاظ واعرابها في قولهم ذكر القاضي أبو الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني في الكتاب الذي صنفه في الوساطة بين المتنبي وخصومه أن امرأ القيس أخطأ في قوله يا راكبا بلغ اخواننا ... من كان من كندة أو وائل

    vol. 1, p. 393فنصب بلغ وفي قوله فاليوم اشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل فسكن أشرب وقوله

  5. لها متنان خظاتا كما أكب على ساعديه النمر

    vol. 1, p. 394فأسقط النون من خظاتا بغير اضافة وقول لبيد ... تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها

    vol. 1, p. 395فسكن يرتبط ولا عمل للم فيه وقوله طرفة قد رفع الفخ فماذا تحذري فحذف النون

  6. ..فسكن نرقع وقول الفرزدق ... وعض زمان يا ابن مروان لم يدع من المال إلا مسحتا أو مجلف

    vol. 1, p. 398
  7. يقول الخنا وأبغض العجم ناطقا ... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع فأدخل الألف واللام على الفعل وقول رؤية أقفرت الوعثاء والعثاعث ما من بعدهم والبرق البوارث

    vol. 1, p. 401وإنما هي البرارث لا جمع برث وهي الأماكن السهلة من الأرض وقوله أيضا قد شفها اللوح بما زول أن ضيق ففتح الياء فهذه وأمثالها كثيرة

    vol. 1, p. 402وجرى بين الفرزدق وبين عبد الله بن اسحاق الحضرمي في إقوائه على وفي لحنه في قوله فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا ففتح الياء من موالي في حال الجر وجرى له مع عنبسة الفيل النحوي

    vol. 1, p. 403حتى قال فيه لقد كان في معدان للفيل شاغل ... لعنبسة الراوي علي القصائدا وكان القدماء يتبعون أشعار الأوائل من لحن وغلط وإحالة وفساد معنى وقال الأصمعي في الكميت إنه جرمقاني من جرامقة الشام لا يحتج

    vol. 1, p. 400
  8. بشعره وأنكر من شعر الطرماح ولحن ذا الرمة

    vol. 1, p. 404ثم ان القاضي على بن عبد العزيز طول في هذا المعنى وفي هذا القدر كفاية ومن أراد الاستقصاء فليطالع ذلك الكتاب وعند هذا نقول المرجع في صحة اللغات والنحو والتصريف إلى هؤلاء الأدباء واعتمادهم على تصحيح الصحيح منها وإفساد الفاسد على أقوال هؤلاء الأكابر من شعراء الجاهلية والمخضرمين واذا كان الأدباء قدحوا فيهم وبينوا لحنهم وخطأهم في اللفظ والمعنى والإعراب ف مع هذا كيف يمكن الرجوع إلى قولهم والاستدلال بشعرهم أقصى ما في الباب أن يقال هذه الأغلاط نادرة والنادر لا عبرة به لكنا نقول النادر لا يقدح في الظن لكن لا شك أنه يقدح في اليقين لقيام الاحتمال في كل واحد من تلك الألفاظ والاعرابات أنه من ذلك اللحن النادر فثبت أن المقصد الأقصى في صحة اللغة والنحو والتصريف الظن

    vol. 1, p. 405الظن الثاني عدم الاشتراك فإن بتقدير الاشتراك يجوز أن يكون مراد الله تعالى من هذا الكلام غير هذا المعنى الذي اعتقدناه لكن نفي الاشتراك ظني الظن الثالث عدم المجاز فإن حمل اللفظ على حقيقته إنما يتعين لو لم يكن محمولا على مجازه لكن عدم المجاز مظنون الظن الرابع أنه لا بد من عدم النقل فإن بتقدير أن يقال الشرع

  9. أو العرف نقله من معناه اللغوي إلى معنى آخر كان المراد هو المنقول إليه لا ذلك الأصل الظن الخامس أنه لا بد من عدم الإضمار فانه لو كان الحق هو لكان المراد هو ذلك الذي يدل عليه اللفظ بعد الإضمار لا هذا الظاهر الظن السادس عدم التخصيص وتقريره ظاهر

    vol. 1, p. 406الظن السابع عدم الناسخ ولا شك في كونه محتملا في الجملة وبتقدير وقوعه لم يكن الحكم ثابتا الظن الثامن عدم التقديم والتأخير ووجهه ظاهر الظن التاسع نفي المعارض العقلي فإنه لو قام دليل قاطع عقلي على نفي ما أشعر به ظاهر النقل فالقول بهما محال لاستحالة وقوع النفي والاثبات والقول بارتفاعهما الله محال لاستحالة عدم النفي والاثبات والقول بترجيح النقل على العقل محال لأن العقل أصل النقل فلو كذبنا العقل لكنا كذبنا أصل النقل ومتى كذبنا أصل النقل فقد كذبنا النقل فتصحيح النقل بتكذيب العقل يستلزم تكذيب النقل فعلمنا أنه لا بد من ترجيح دليل العقل فإذا رأينا دليلا نقليا فإنما يبقى دليلا عند السلامة عن

    vol. 1, p. 407هذه الوجوه التسعة ولا يمكن العلم بحصول السلامة عنها إلا إذا قيل بحثنا واجتهدنا فلم نجدها لكنا نعلم أن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود لا يفيد إلا الظن

  10. فثبت أن التمسك بالأدلة النقلية مبني على مقدمات ظنية والمبني على الظني ظني وذلك لا شك فيه فالتمسك بالدلائل النقلية لا يفيد إلا الظن فإن قلت المكلف إذا سمع دليلا نقليا فلو حصل فيه شئ من هذه المطاعن لوجب في حكمه الله أن يطلعه على ذلك قلت القول بالوجوب على الله تعالى مبني على قاعدة الحسن والقبح العقليين وقد تقدم القول فيها سلمنا ولكننا نقطع بأنه لا يجب على الله تعالى أن يطلعه على

    vol. 1, p. 408ذلك لما أنا نجد كثيرا من العلماء يسمعون آية أو خبرا مع أنهم لا يعرفون ما في نحوها ولغتها وتصريفها من الاحتمالات التسعة التي ذكرناها وانكار ذلك مكابرة ولو كان ذلك واجبا لما كان الأمر كذلك فعلمنا ضعف هذا العذر وفيه وجوه أخر من الفساد ذكرناها في الكتب الكلامية واعلم أن الانصاف أنه لا سبيل إلى استفاد ة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين سواء كانت تلك القرائن مشاهدة أو كانت منقولة الينا بالتواتر المسألة الرابعة في كيفية الاستدلال بالخطاب

    vol. 1, p. 409الخطاب إما أن يدل على الحكم بلفظه أو بمعناه أو لا يكون كذلك ولكنه بحيث لو ضم إليه شئ آخر لصار المجموع دليلا على

  11. الحكم القسم الأول ما يدل عليه بلفظه وقد عرفت أنه يجب حمل اللفظ على الحقيقة وعرفت أن الحقيقة ضربان أصلية وهي اللغوية وطارئة قال وهي العرفية والشرعية فإن كان الخطاب مستعملا في اللغة في شئ وفي العرف في شئ آخر ولم يخرج بالعرف عن أن يكون حقيقة في المعنى اللغوي فإنه يكون مشتركا بينهما وإن صار مجازا في المعنى اللغوي وجب حمله على العرفي لأنه هو المتبادر إلى الفهم ويجب مثل هذا في الاسم المنقول إلى معنى شرعي فالحاصل أن الخطاب يجب حمله على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم المعنى اللغوي الحقيقي ثم المجاز فإن خاطب الله تعالى طائفتين بخطاب هو حقيقة عند

    vol. 1, p. 410احداهما في شئ وعند الأخرى في شئ آخر وجب أن تحمله كل واحدة منهما على ما تتعارفه والالزم أن يقال أن الله تعالى خاطبه بغير ما هو ظاهر عنده مع عدم القرينة والله أعلم بالصواب القسم الثاني ما يدل عليه بمعناه وهو الدلالة الالتزامية وقد ذكرنا في الباب الثاني أقسام الدلالة الالتزامية القسم الثالث ما يكون بحيث لو ضم إليه شئ آخر لصار المجموع دليلا على الحكم

  12. فنقول ذلك الذي يضم إليه إما أن يكون دليلا شرعيا وهو نص أو إجماع أو قياس أويكون ذلك بشهادة حال المتكلم فهذه وجوه أربعة أحدها أن ينضم إلى النص آخر فيصير مجموعهما دليلا على الحكم وله مثالان

    vol. 1, p. 411الأول أن يدل أحد النصين على إحدى المقدمتين والثاني على الثانية فيحصل المطلوب كقولنا تارك المأمور عاص لقوله تعالى أفعصيت أمري والعاصي يستتحق عن العقاب لقوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها الثاني أن يدل أحد النصين على ثبوت الحكم لشيئين ويدل النص الآخر على أن بعض ذلك لأحدهما فوجب القطع بأن باقي الحكم ثابت للثاني كقوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا فهذا يدل على أن مدة الحمل والرضاع ثلاثون شهرا وقوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين فهذا يدل على أن مدة الرضاع سنتان فيلزم أن تكون مدة الحمل ستة أشهر وثانيها أن يضم إلى النص اجماع كما إذا دل النص على أن الخال لا يرث ودل الاجماع على أن الخالة بمثابته

    vol. 1, p. 412وثالثها أن يضم إلى النص قياس كما إذا دل النص على حرمة الربا في البر ودل القياس على أن التفاح بمثابته

  13. ورابعها أن يضم إلى النص شهادة حال المتكلم كما إذا كان كلام الشرع مترددا بين الحكم العقلي والشرعي فحمله على الشرعي أولى لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث لبيان الشرعيات لا لبيان ما يستقل العقل بإدراكه هذا إذا كان الخطاب مترددا بينهما أما إذا كان ظاهر هـ مع أحدهما لم يصح الترجيح بذلك والله أعلم المسألة الخامسة في الخطاب الذي لا يمكن حمله على ظاهره هذا الخطاب إما أن يكون خاصا أو عاما فان كان خاصا وكان حقيقة في شئ ثم وجدت قرينة تصرفه عنه فإما أن تدل القرينة على أن المراد ليس ظاهره أو تدل على أن المراد

    vol. 1, p. 413غير ظاهره أو على أن المراد ظاهره وغير ظاهره معا فإن دل على أن المراد ليس ظاهره خرج الظاهر عن أن يكون مرادا فيجب حمله على المجاز ثم إن المجاز إما أن يكون واحدا أو أكثر فإن كان واحدا حمل اللفظ عليه من غير افتقار إلى دلالة أخرى صونا للكلام عن الإلغاء وإن كان أكثر من واحد فإما أن يدل دليل في واحد معين على أنه مراد أو على أنه ليس بمراد أو لا يدل الدليل في واحد معين لا بكونه مرادا ولا بكونه غير مراد

  14. فإن دل الدليل على أنه مراد قضي به وإن دل الدليل على أنه غير مراد فإن لم يبق إلا وجه واحد حمل عليه وإن بقي أكثر من واحد كان القول فيه كما إذا لم يوجد الدليل على كونه مرادا ولا على كونه غير مراد وهذا هو القسم الثالث فنقول وجوه المجاز إما أن تكون محصورة أو غير محصورة فإن لم تكن محصورة فقال القاضي عبد الجبار لا بد من دلالة تدل على المراد لأنه لا يجوز أن يريدها أجمع مع تعذر حصرها علينا قال أبو الحسين ولقائل أن يقول إنه أرادها كلها على البدل لأن

    vol. 1, p. 414ذلك ممكن مع فقد الدلالة ومع فقد الحصر فإنه تعالى لو أوجب علينا ذبح بقرة فإنا نكون مخيرين في ذبح أي بقرة شئنا وإن لم يمكنا حصر البقر فأما من لا يجيز أن يراد بالكلمة الواحدة معنيان مختلفان فيجيئ على مذهبه أنه لا بد من دلالة تدل على المراد بعينه لأن اللفظ ما وضع للتخيير وأما إن كانت وجوه المجاز محصورة فإن كان البعض أقوى من الباقي حمل على الأقوى رعاية لزيادة القوة وإن تساوت حمل اللفظ عليها بأسرها على البدل أما على الكل فلأنه ليس حمل الخطاب على البعض أولى من الباقي وأما على البدل فلأن الخطاب ليس بعام حتى يحمل على الجميع هذا على قول من يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه فأما من لا يجوزه فإنه يقول لا بد من البيان القسم الأول

  15. وهو أن يدل الدليل على أن غير الظاهر مراد فذلك الدليل إما أن يعين ذلك الغير أو لا يعينه

    vol. 1, p. 415فإن عينه وجب حمله عليه وإن لم يعينه فالقول فيه كما في القسم الأول القسم الثاني وهو أن يدل دليل على أن ظاهر الخطاب مراد وغير ظاهره مراد فإن كان ذلك الغير معينا وجبت الحمل عليه فيكون اللفظ موضوعا لهما من جهة اللغة أو من جهة الشرع أو تكلم بالكلمة مرتين وان لم يتعين ذلك الغير فالكلام فيه كما في القسم الأول أما إن كان الخطاب عاما فإن تجرد عن القرينة حمل على العموم وان لم يتجرد فهذا يقع على وجوه أحدها أن تدل القرينة على أن المراد ظاهره وغير ظاهره معا فإن كان ذلك الغير معنيا حمل اللفظ عليه على التفصيل المذكور وان لم يكن معينا فالكلام فيه كما في الخاص إذا دلت الدلالة على أن المراد غير ظاهره وثانيها أن يدل الدليل على أن المراد ليس ظاهره وأن المراد

    vol. 1, p. 416غير ظاهره فها هنا لا بد أن يوجد الدليل على التعيين لأنه إذا لم يكن المراد ظاهره جاز أن يكون المراد بعض ما يتناوله وجاز أن يكون المراد شيئا آخر لم يتناوله الخطاب فاذا لم يصح اجتماعهما فلا بد من دليل يعين المراد وثالثها أن يدل الدليل على أن بعضه مراد وهذا لا يقتضي

  16. خروج البعض الآخر عن أن يكون مرادا لأنه لا ينافي ذلك فان دل على أن المراد هو البعض خرج البعض الآخر عن كونه مرادا لأن ذلك اخبار بأن ذلك البعض هو كمال المراد ورابعها أن يدل الدليل على أن بعضه ليس بمراد وحينئذ يخرج عن كونه مرادا ويبقى ما عداه تحت ذلك الخطاب والله أعلم

    vol. 1, p. 417المسألة السادسة في أن ثبوت حكم الخطاب اذا تناوله على وجه المجاز لا يدل على أنه مراد بالخطاب مثاله قوله تعالى أو لامستم النساء فإن قيام الدلالة على وجوب التيمم على المجامع وهو الذي تناوله اسم الملامسة على طريق الكناية هل يدل على أنه هو المراد بالآية فذهب الكرخي وأبو عبد الله البصري إلى أنه واجب وعندنا أنه ليس بواجب لنا المقتضى لاجراء الآية على ظاهرها موجود والمعارض الموجود وهو ثبوت حكم الخطاب فيما تناوله على وجه المجاز لا يصلح معارضا له لاحتمال ثبوته بدليل آخر أوجب اجراء الآية على ظاهرها

    vol. 1, p. 418واحتجوا بأن ثبوت الحكم في صورة المجاز لا بد له من دليل ولا دليل سوى هذا الظاهر وإلا لنقل واذا حمل الظاهر على مجازه وجب أن لا يحمل على الحقيقة لامتناع استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته معا

  17. كونه مرادا ويبقى ما عداه تحت ذلك الخطاب والله أعلم

    vol. 1, p. 417المسألة السادسة في أن ثبوت حكم الخطاب اذا تناوله على وجه المجاز لا يدل على أنه مراد بالخطاب مثاله قوله تعالى أو لامستم النساء فإن قيام الدلالة على وجوب التيمم على المجامع وهو الذي تناوله اسم الملامسة على طريق الكناية هل يدل على أنه هو المراد بالآية فذهب الكرخي وأبو عبد الله البصري إلى أنه واجب وعندنا أنه ليس بواجب لنا المقتضى لاجراء الآية على ظاهرها موجود والمعارض الموجود وهو ثبوت حكم الخطاب فيما تناوله على وجه المجاز لا يصلح معارضا له لاحتمال ثبوته بدليل آخر أوجب اجراء الآية على ظاهرها

    vol. 1, p. 418واحتجوا بأن ثبوت الحكم في صورة المجاز لا بد له من دليل ولا دليل سوى هذا الظاهر وإلا لنقل واذا حمل الظاهر على مجازه وجب أن لا يحمل على الحقيقة لامتناع استعمال اللفظ في مجازه وحقيقته معا والجواب لا نسلم أنه لا دليل سوى هذا الظاهر قوله لو وجد لنقل قلنا لعلهم استغنوا بالاجماع عن نقله والله أعلم.

  18. بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة للناشر الطبعة الثالثة ١٤١٨ هـ / ١٩٩٧ م حقوق الطبع محفوظة ١٩٩٢ م.

    vol. 2, p. 4
  19. لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو أي جزء منه.

  20. ولا يسمح باقتباس أي جزء من الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.

  21. المحصول في علم أصول الفقه للامام الأصولي النظار المفسر فخر الدين محمد بن عمر بن الحسين الرازي ٥٤٤ - ٦٠٦ هـ / ١١٤٩ - ١٢٠٩ م دراسة وتحقيق الدكتور طه جابر فياض العلواني الجزء الثاني

    vol. 2, p. 5
  22. مؤسسة الرسالة