الباب الثامن في تفسير حروف تشتد الحاجة في الفقه إلى معرفة معانيها
11 paragraphs · vol. 1, p. 363
- vol. 1, p. 363
الباب الثامن في تفسير حروف تشتد الحاجة في الفقه إلى معرفة معانيها وفيها مسائل المسألة الأولى ف ي أن الواو العاطفة لمطلق الجمع قال أبو علي الفارسي أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعا من كتابه أنها للجمع المطلق وقال بعضهم إنها للترتيب
vol. 1, p. 364لنا وجوه الأول أن الواو قد تستعمل فيما يمتنع حصول الترتيب فيه كقولهم تقاتل زيد وعمرو ولو قيل تقاتل زيد فعمرو أو تقاتل زيد ثم عمرو لم يصح والأصل في الكلام الحقيقة فوجب أن يكون حقيقة في غير الترتيب فوجب أن لا يكون حقيقة في الترتيب دفعا للاشتراك الثاني لو اقتضت الواو الترتيب لكان قوله رأيت زيدا وعمرا بعده تكريرا ولكان قوله رأيت زيدا وعمروا قبله متناقضا ولما لم يكن كذلك بالاجماع صح قولنا فان قلت يجوز أن يكون الشئ بإطلاقه لا يفيد حكما ثم إذا أضيف إليه شئ آخر تغير عما كان عليه فقوله زيد في الدار يفيد الجزم فإذا أدخلت عليه الهمزة فقيل أزيد في الدار
-
صار للاستخبار وبطل معنى الجزم قلت حاصل هذا السؤال يرجع إلى أن قوله قبله أو بعده كالمعارض لمقتضى الواو إلا أن التعارض خلاف الأصل فالمفضي إليه وجب أن لا يكون
vol. 1, p. 365الثالث قوله تعالى في سورة البقرة وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة وفي الأعراف وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا والقصة واحدة وقوله تعالى واسجدي واركعي مع أن شرعها تقدم الركوع وقوله تعالى فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله وقوله تعالى أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وقوله تعالى والسارق والسارقة وقوله الزانية والزاني ففي شئ من هذه المواضع لا تفيد الترتيب الرابع السيد إذا قال لعبده اشتر اللحم والخبز لم يفهم منه الترتيب الخامس روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له حين أراد السعي بين الصفا والمروة بأيهما نبدأ فقال ابدأوا بما
vol. 1, p. 366بدأ الله به ولو كانت الواو للترتيب لما اشتبه ذلك على أهل اللسان ولما احتيج في بيان وجوب الابتداء من الصفا إلى الاستدلال بأنه مذكور أولا فوجب أن تقع به البداءة السادس لو كانت الواو للترتيب لوجب أن القائل اذا قال رأيت زيدا وعمرا ثم علم أنه رآهما معا أن يكون كاذبا وبالاجماع ليس كذلك السابع قال أهل اللغة واو العطف في الأسماء المختلفة ك واو الجمع
-
وبالتثنية في الأسماء المتماثلة فإنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة بواو الجمع استعملوا فيها واو العطف ولما كان قولهم جاءني الزيدان واجتمع الزيدون يفيد الاشتراك في الحكم ولا يفيد الترتيب فيه فكذا القول في واو العطف وواو الجمع يجوز أن يشتركا في إفادة الاشتراك ف إن قلت واو العطف وواو الجمع يجوز أن يشتركا في إفادة الاشتراك ثم واو العطف يختص بفائدة زائدة وهي الترتيب
vol. 1, p. 367قلت إنهم نصوا على أن فائدة احداهما عين فائدة الأخرى وذلك ينفي الاحتمال المذكور احتج المخالف بأمور أحدها أن واحدا قام عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى فقال عليه الصلاة والسلام بئس الخطيب أنت هلا قلت ومن عصى الله ورسوله فقد غوى
vol. 1, p. 368ولو كانت الواو للجمع المطلق لما افترق الحل بين ما علمه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وبين ما قال الرجل وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع شاعرا يقول كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
vol. 1, p. 369فقال له عمر رضي الله عنه لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك
-
وهذا يدل على أن التأخير في اللفظ يدل على التأخير في الرتبة وروي أن الصحابة رضي الله عنهم قالوا لابن عباس رضي الله عنهما لم تأمرنا بالعمرة قبل الحج وقد قال الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وهم كانوا فصحاء العرب فثبت أنهم فهموا من الواو الترتيب
vol. 1, p. 370وثانيها إذا قال الزوج لامرأته التي لم يدخل بها أنت طالق وطالق طلقت طلقة واحدة ولم تلحقها الثانية ولولا أن الواو تقتضي الترتيب للحقتها الثانية كما أنها تطلق طلقتين إذا قال لها أنت طالق طلقتين وثالثها اذا قال رأيت زيدا وعمرا فالترتيب يستدعي سببا والترتيب في الوجود صالح له فوجب جعله سببا له إلى أن يذكر الخصم سببا آخر ورابعها أن الترتيب على سبيل التعقيب وضعوا له الفاء والترتيب على سبيل التراخي وضعوا له ثم ومطلق الترتيب وهو القدر المشترك بين هذين النوعين معنى معقول أيضا فلا بد له من لفظ يدل عليه وما ذاك إلا الواو
vol. 1, p. 371فإن قلت الجمع المطلق معنى معقول أيضا فلا بد له من لفظ يدل عليه وما ذاك إلا الواو قلت لما حصل التعارض وجب الترجيح وهو معنا وذلك لأنا لو جعلناه للترتيب المطلق كان معنى الجمع المطلق جزءا من المسمى ولازما له
-
فجاز جعله مجازا فيه بسبب الملازمة وأما لو جعلناه للجمع المطلق لم يكن الترتيب المطلق لازما له فلا يمكن جعله مجازا عنه لعدم الملازمة والجواب عن الأول أن الواو في قوله ومن عصى الله ورسوله لا تقتضي الترتيب لأن معصية الله تعالى ومعصية رسوله صلى الله عليه وسلم لا تنفك احداهما عن الأخرى فهذا بأن يدل على فساد قولكم أولى بل السبب فيه أن قوله ومن عصى الله ورسوله افراد لذكر الله تعالى عن ذكر غيره فكان أدخل في التعظيم وأما أثر عمر رضي الله عنه فهو محمول على أن الأدب أن يكون المقدم في الفضيلة مقدما في الذكر
vol. 1, p. 372وأما أثر ابن عباس رضي الله عنهما فهو معارض بأمر ابن عباس إياهم بتقديم العمرة على الحج وعن الثاني أن السبب في أن الطلقة الثانية لا تلحقها أن الطلاق الثاني ليس تفسيرا للكلام الأول والكلام الأول تام فبانت به أما إذا قالت أنت طالق طلقتين فالقول الأخير في حكم البيان للأول فكان تمام الكلام بآخره وعن الثالث أن الابتداء بالذكر لما كان دليلا على الترتيب لم تكن بنا حاجة إلى جعل الواو للترتيب وعن الرابع أن ما ذكرتموه من الترجيح معارض بوجه آخر وهو إن الحاجة إلى التعبير عن المعنى الأعم أشد من الحاجة إلى التعبير عن المعنى الأخص لأنه حيث يحتاج إلى ذكر الأخص يحتاج إلى ذكر الأعم لا محالة
-
ضمنا وقد يحتاج إلى ذكر الأعم حيث لا يحتاج إلى ذكر الأخص ألبتة فكانت الحاجة إلى ذكر الأعم أشد
vol. 1, p. 373المسألة الثانية الفاء للتعقيب على حسب ما يصح فلو قال دخلت بغداد فالبصرة أفاد التعقيب على ما يمكن لا على ما يمتنع وإنما قلنا إنها للتعقيب لإجماع أهل اللغة عليه ومنهم من استدل عليه بأنها لو لم تكن للتعقيب لما دخلت على الجزاء اذا لم يكن بلفظ الماضي والمضارع لكنها تدخل فيه فهي للتعقيب بيان الملازمة أن جزاء الشرط قد يكون بلفظ الماضي كقوله من دخل داري أكرمته وقد يكون بلفظ المضارع كقوله من دخل داري يكرم وقد يكون لا بهاتين اللفظتين وحينئذ لا بد من ذكر الفاء كقوله من دخل داري فله درهم وقول الشاعر من يفعل الحسنات ... الله يشكرها فقد أنكره المبرد وزعم أن الرواية الصحيحة من يفعل الخير فالرحمن يشكره
vol. 1, p. 375وإذا وجب دخول الفاء على الجزاء وثبت أن الجزاء لا بد أن يحصل عقيب الشرط علمنا أن الفاء تقتضي التعقيب واحتج المنازع بأمور
-
أحدها أن الفاء جاء في كتاب الله تعالى لا بمعنى التعقيب في قوله تعالى لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب والاسحات لا يقع عقيب الافتراء بل يتراخى إلى الآخرة وقال سبحانه وتعالى وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة مع أن ذلك قد لا يحصل عقيب المداينة
vol. 1, p. 376وثانيها أن الفاء قد تدخل على لفظ التعقيب ولو كانت الفاء للتعقيب لما جاز ذلك وثالثها أن التعقيب يصح الإخبار به وعنه والفاء ليست كذلك فالفاء مغايرة للتعقيب والجواب عن الكل أن ما ذكرتموه استدلال في مقابلة النص فلا يقدح في قولنا بل وجب حمل ما ذكروه أولا على المجاز وثانيا على التوكيد وأما الثالث ففيه بحث دقيق ذكرناه في كتاب المحرر في دقائق النحو المسألة الثالثة لفظة في للظرفية محققا أو مقدرا أما المحقق فكقولهم زيد في الدار وأما المقدر فكقوله تعالى ولأصلبنكم في جذوع النخل لتمكن المصلوب على الجذع تمكن الشئ في المكان
vol. 1, p. 377وقولنا فلان في الصلاة وشاك في هذه المسألة من هذا الباب ومن الفقهاء من قال إنها للسببية كقوله عليه الصلاة والسلام
-
في النفس المؤمنة مائة من الإبل وهو ضعيف لأن أحدا من أهل اللغة ما ذكر ذلك مع أن المرجع في هذه المباحث اليهم المسألة الرابعة المشهور أن لفظة من ترد لابتداء الغاية كقولك سرت من الدار إلى السوق وللتبعيض كقولك باب من حديد وللتبيين كقوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان وقد تجئ صلة في الكلام كقولك ما جاءني من رجل والحق عندي أنه للتمييز فقولك سرت من الدار إلى السوق ميزت مبدأ السير عن غيره وقولك باب من حديد ميزت الشئ الذي يكون منه الباب عن غيره وقوله عز وجل فاجتنبوا الرجس من الأوثان
vol. 1, p. 378ميزت الرجس الذي يجب اجتنابه عن غيره وكذلك قولك ما جاءني من أحد ميزت الذي نفيت عنه المجئ وأما إلى فهي لانتهاء الغاية وقيل إنها مجملة لأنها في قوله تعالى وأيديكم إلى المرافق تستدخل الغاية وفي قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل تقتضي خروجها وهذا ضعيف لأن هذه اللفظة إنما تكون مجملة لو كانت موضوعة لدخول الغاية وعدم دخولها على سبيل الاشتراك لكنا بينا أن اللفظ لا يجوز أن يكون مشتركا بالنسبة إلى وجود الشئ وعدمه بل الحق أن الغاية إن كانت متميزة عن ذي الغاية بمفصل حسي كما في
-
الليل والنهار وجب خروجها وان لم تكن متميزة عنها بمفصل حسي كما في اليد والمرفق وجب دخولها لأنه ليس بعض المقادير أولى من بعض فليس تقدير القدر الذي يجوز إخراجه من المرفق عن وجوب
vol. 1, p. 379الغسل بقدر معين أولى من تقديره بما هو أزيد أو أنقص المسألة الخامسة الباء اذا دخلت على فعل يتعدى بنفسه كقوله تعالى وامسحوا برءوسكم تقتضي التبعيض خلافا للحنفية وأجمعنا على أنها إذا دخلت على فعل لا يتعدى بنفسه كقولك كتبت بالقلم ومررت بزيد فإنها لا تقتضي إلا مجرد الالصاق لنا أنا نعلم بالضرورة الفرق بين أن يقال مسحت يدي بالمنديل وبالحائط وبين أن يقال مسحت المنديل والحائط في أن الأول يفيد التبعيض والثاني يفيد الشمول
vol. 1, p. 380واحتج المخالف بأمرين الأول أن القائل إذا قال مررت بزيد وكتبت بالقلم وطفت بالبيت عقلوا منه الصاق الفعل بالمفعول به فدل على أن مقتضى اللفظ ليس إلا الصاق الفعل بالمفعول به الثاني أن أبا الفتح ابن جني ذكر أن الذي يقال من أن الباء للتبعيض شئ لا يعرفه أهل اللغة والجواب عن الأول أن قولهم مررت بزيد وكتبت
-
بالقلم إنما أفاد ذلك لأنه لا يتعدى بنفسه فلا يجوز أن يقال مررت زيدا وكتبت القلم فلذلك أفاد ما قالوه بخلاف ما ذكرنا وأما الطواف فهو عبارة عن الدوران حول جميع البيت ولهذا لا يسمى من دار ببعضه طائفا بخلاف ما نحن فيه فإن من مسح بعض الرأس يسمى ماسحا وعن الثاني أن الشهادة على النفي غير مقبولة فلنا أن نخطئ ابن
vol. 1, p. 381الجني بالدليل الظاهر الذي ذكرناه المسألة السادسة لفظة إنما للحصر خلافا لبعضهم لنا ثلاثة أوجه أحدها أن الشيخ ابا علي الفارسي حكى ذلك في كتاب الشيرازيات عن النحاة وصوبهم فيه وقولهم حجة وثانيها التمسك بقول الأعشى ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
vol. 1, p. 382وبقول الفرزدق أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
vol. 1, p. 383ولو لم تحمل إنما ها هنا على الحصر لما حصل مقصود الشاعر وثالثها أن كلمة إن تقتضي الاثبات وما تقتضي
-
النفي فعند تركيبها يجب أن يبقى كل واحد منهما على الأصل لأن الأصل عدم التغيير فإما أن نقول كلمة إن تقتضي ثبوت عين المذكور وكلمة ما تقتضي نفي المذكور وهذا هو الحصر وهو المراد واحتج المخالف بقوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وأجمعنا على أن من ليس كذلك فهو مؤمن أيضا والجواب أنه محمول على المبالغة