المسألة الثانية في أقوال العلماء فيما تستعمل فيه صيغة "افعل" على سبيل الحقيقة

31 paragraphs · vol. 2, p. 44

  1. والتنزيه والتحريم أضداد وإطلاق اسم الضد على الضد أحد وجوه المجاز والله أعلم

    vol. 2, p. 44
  2. المسألة الثانية الحق عندنا أن لفظة إفعل حقيقة في الترجيح المانع من النقيض وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وقال أبو هاشم إنه يفيد الندب ومنهم من قال بالوقف وهم فرق ثلاث الفرقة الأولى الذين يقولون أنه حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو ترجيح الفعل على الترك ثم جاء الوجوب يمتاز عن الندب بامتناع الترك والندب يمتاز عن الوجوب بجواز الترك وليس في الصيغة إشعار بهذين القيدين ويليق بمذهب هؤلاء أن يقولوا إنه يجب حمله على الندب لأن اللفظ يفيد رجحان الفعل على الترك وليس فيه ما يدل على المنع من الترك وقد كان جواز الترك معلوما بحكم الاستصحاب وإذا كان كذلك كان جواز

    vol. 2, p. 45الترك بحكم الاستصحاب ورجحان الفعل بدلالة اللفظ ولا معنى للندب إلا ذلك الفرقة الثانية الذين قالوا إن صيغة إفعل موضوعة للوجوب والندب على سبيل الاشتراك اللفظي وهو قول المرتضى من الشيعة الفرقة الثالثة الذين قالوا إنها حقيقة إما في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معا بالاشتراك لكنا لا ندري ما هو الحق من هذه الأقسام الثلاثة فلا جرم توقفنا في الكل وهو قول الغزالي منا لنا وجوه الدليل الأول التمسك بقوله تعالى لإبليس ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك وليس المراد منه الاستفهام بالاتفاق بل الذم فإنه لا عذر له في

  3. الإخلال بالسجود بعد ورود الأمر به هذا هو المفهوم من قول السيد لعبده ما منعك من دخول الدار إذ أمرتك إذا لم يكن مستفهما

    vol. 2, p. 46ولو لم يكن الأمر دالا على الوجوب لما ذمه الله تعالى على الترك ولكان لإبليس أن يقول إنك ما ألزمتني السجود فإن قلت لعل الأمر في تلك اللغة كان يفيد الوجوب فلم قلتم إنه في هذه اللغة للوجوب قلنا الظاهر يقتضي ترتيب الذم على مخالفة الأمر فتخصيصه بأمر خاص خلاف الظاهر الدليل الثاني التمسك بقوله تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ذمهم على انهم تركوا عل ما قيل لهم افعلوه ولو كان الأمر يفيد الندب لما حسن هذا الكلام كما إذا قيل لهم الأولى أن تفعلوه ويجوز لكم تركه فإنه ليس لنا أن نذمهم على تركه

    vol. 2, p. 47فإن قلت إنما ذمهم لا لأنهم تركوا المأمور به بل لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر والدليل عليه قوله تعالى ويل يومئذ للمكذبين وأيضا فصيغة إفعل قد تفيد الوجوب عند اقتران بعض القرائن بها فلعله تعالى إنما ذمهم لأنه كان قد وجدت قرينة دالة على الوجوب والجواب عن الأول أن المكذبين في قوله ويل يومئذ للمكذبين إما أن يكونوا هم الذين تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا أو غيرهم فإن كان الأول جاز أن يستحقوا الذم بترك الركوع والويل بسبب

  4. التكذيب فإن عندنا الكافر كما يستحق العقاب بترك الإيمان يستحق الذم والعقاب أيضا بترك العبادات وإن كان الثاني لم يكن إثبات الويل لإنسان بسبب التكذيب منافيا ثبوت الذم لإنسان آخر بسبب ترك المأمور به وعن الثاني أنه تعالى إنما ذمهم لمجرد أنهم تركوا الركوع لما قيل لهم اركعوا فدل على أن منشأ الذم هذا القدر لا القرينة الدليل الثالث لو لم يكن الأمر ملزما للفعل لما كان إلزام الأمر

    vol. 2, p. 48سببا للزوم المأمور به لكنه سبب للزوم المأمور به فوجب أن يكون الأمر ملزما للفعل بيان الشرطية أن بتقدير أن لا يكون الأمر ملزما للفعل كان إلزام الأمر إلزاما لشئ وذلك الشئ لا يوجب فعل المأمور به فوجب أن لا يكون هذا القدر سببا للزوم المأمور به وبيان أن إلزام الأمر سبب للزوم المأمور به قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم والقضاء هو الإلزام فقوله تعالى إذا قضى الله ورسوله أمرا معناه إذا ألزم الله ورسوله أمرا فإنه لا خيرة للمؤمنين في المأمور به ويجب ها هنا حمل لفظ الأمر على المأمور به إذ لو أجريناه على ظاهره لصار المعنى أنه لا خيرة للمؤمنين في صفة الله تعالى وذلك كلام غير مفيد وإذا تعذر حمله على نفس الآمر وجب حمله على المأمور به فيصير التقدير أن الله تعالى إذا ألزم المكلف أمرا فإنه لا خيرة له في المأمور

  5. به وإذا انتفت الخيرة بقي إما الحظر وإما الوجوب والحظر منتف بالإجماع فتعين الوجوب

    vol. 2, p. 49فإن قيل القضاء هو الإلزام والأمر قد يرد بمعنى شئ فقوله إذا قضى الله ورسوله أمرا أي إذا ألزم الله ورسوله شيئا ونحن نعترف بأن الله تعالى إذا ألزمنا شيئا فإنه يكون واجبا علينا ولكن لم قلت إنه بمجرد أن يأمرنا بالشئ فقد ألزمنا فإن ذلك عين المتنازع في والجواب قد بينا أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص وليس حقيقة في الشئ دفعا للاشتراك ولا ضرورة ها هنا في صرفه عن ظاهره إذا ثبت هذا فقوله إذا قضى الله ورسوله أمرا معناه إذا ألزم الله أمرا وإلزام الأمر هو توجيهه على المكلف شاء أم أبى وإلزام الأمر غير إلزام المأمور به فإن القاضي إذا قضى بإباحة شئ فقد ثبت إلزام الحكم ولو لم يثبت المحكوم به فكذا هاهنا إلزام الأمر عبارة عن توجيهه على المكلف والقطع بوقوع ذلك الأمر ثم الأمر إن لم يقتض الوجوب لم يكن إلزام الأمر إلزاما للمأمور به وإن كان مقتضبا للوجوب فهو الذي قلناه

    vol. 2, p. 50الدليل الرابع تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالف لذلك الأمر

  6. ومخالف ذلك الأمر مستحق للعقاب فتارك ما أمر الله أو رسوله به مستحق للعقاب ولا معنى لقولنا الأمر للوجوب إلا ذلك وإنما قلنا إن تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالف لذلك الأمر لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة ألأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك ما أمر الله أو رسوله به مخالف لذلك الأمر وإنما قلنا إن مخالف ذلك الأمر يستحق العقاب لقوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم أمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العذاب والأمر بالحذر عن العذاب إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب فدل على أن مخالف أمر الله أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب به فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه

    vol. 2, p. 51قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه وما الدليل عليه ثم إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين آخرين أحدهما أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي به على سبيل الوجوب كان هذا مخالفة للأمر وثانيهما أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقا واجب القبول ومخالفته عبارة عن إنكار كونه حقا وجاب القبول

  7. سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكن ها هنا ما يدل على أنه ليس كذلك فإنه لو كان ترك المأمور به عبارة عن مخالفة الأمر لكان ترك المندوب مخالفة لأمر الله تعالى وذلك باطل لأن وصل الإنسان بأنه مخالف لأمر لله تعالى اسم ذم فلا يجوز إطلاقه على تارك المندوب سلمنا أن تارك المندوب مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب أما قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره الآية

    vol. 2, p. 52قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفا للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالف الأمر فلم لا يجوز أن تكون كذلك سلمنا ذلك ولكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر فلم قلت إن مخالف الأمر يلزمه الحذر فإن قلت لفظة عن صلة زائدة قلت الأصل في الكلام الاعتبار لا سيما في كلام الله تعالى فلا يكون زائدا سلمنا دلالة الآية على أن مخالف الأمر مأمور بالحذر عن العذاب فلم قلت يجب عليه الحذر عن العذاب أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت أن الأمر للوجوب فإن ذلك أول المسألة فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لا بد وأن يدل على

  8. حسن الحذر وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام ما يقتضي نزول

    vol. 2, p. 53العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة اجتهادية لا قطعية سلمنا دلالة الآية على قيام ما يقتضي نزول العذاب لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله عن أمره لا يفيد إلا أمرا واحدا وعندنا أن أمرا واحدا يفيد الوجوب عمرو فلم قلت إن كل أمر كذلك سلمنا أن كل أمر كذلك لكن الضمير في قوله عن أمره يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى رسوله فالآية لا تدل على أن الأمر للوجوب إلا في حق أحدهما فلم قلت إنه في حق الاخر كذلك والجواب قوله لم قلت إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال هذا العبد موافق للسيد ويجري على وفق أمره ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه وحسن هذا الإطلاق من أهل اللغة معلوم بالضرورة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله إفعل لا يدل

    vol. 2, p. 54إلا على اقتضاء الفعل فإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر وإذا لم يوجد مقتضى الأمر لم توجد الموافقة وإذا لم توجد موافقة الأمر حصلت مخالفته لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك الأمر حقا واجب القبول قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق فإن موافقة الشئ عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه فإذا دل الدليل على حقية الأمر كان الاعتراف بحقيته مستلزما تقرير مقتضى ذلك الدليل أما الأمر فلما اقتضى دخول ذلك الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما تقرر دخوله في الوجود وإدخاله في الوجود يقرر دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه قوله لو كانت مخالفة الأمر عبارة عن ترك المأمور به لكنا إذا تركنا المندوب فقد خالفنا الأمر قلنا هذا الإلزام إنما يصح لو كان المندوب مأمورا به وإنما يكون المندوب مأمورا به لو ثبت أن الأمر ليس للوجوب وهذا عين المتنازع فيه

    vol. 2, p. 55قوله لم لا يجوز أن يكون قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره أمرا بالحذر عن المخالف لا أمرا للمخالف بالحذر قلنا الدليل عليه وجوه أحدها أن النحويين اتفقوا على أن تعلق الفعل بفاعله أقوى من تعلقه

  9. بمفعوله فلو جعلناه أمرا للمخالف بالحذر لكنا قد أسندنا الفعل إلى الفاعل ولو جعلناه أمرا بالحذر عن المخالف لكنا قد أسندنا الفعل إلى المفعول فيكون الأول أولى وثانيها لو جعلناه أمرا بالحذر عن المخالف لم يتعين المأمور به فإن قلت المأمور به هو ما تقدم وهو قوله الذين يتسللون منكم لواذا قلت المتسللون منهم لواذا هم الذين خالفوا فلو أمروا بالحذر عن المخالف لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم وهو لا يحوز وثالثها إنا لو جعلناه أمرا بالحذر عن المخالف لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذا عن الذين يخالفون أمره وحينئذ يبقى قوله أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ضائعا لأن الحذر ليس فعلا يتعدى إلى مفعولين

    vol. 2, p. 56قوله الآية دالة على وجوب الحذر عمن خالف عن الأمر لا عمن خالف الأمر قلنا قال النحاة كلمة عن للبعد والمجاوزة يقال جلس عن يمينه أي متراخيا عن بدنه في المكان الذي بحيال يمينه فلما كانت مخالفة أمر الله تعالى بعدا عن أمر الله تعالى لا جرم ذكره بلفظ عن قوله لم قلت إن قوله تعالى فليحذر يدل على وجوب الحذر عن العذاب قلنا لا ندعي وجوب الحذر عن العقاب ولكنه لا أقل من أن

  10. يدل على جواز الحذر وجواز الحذر عن الشئ مشروط بوجود ما يقتضي وقوعه لأنه لو لم يوجد المقتضي لوقوعه لكان الحذر عنه حذرا عما لم يوجد ولم يوجد المقتضى لوقوعه وذلك سفه وعبث فلا يجوز ورود الأمر به

    vol. 2, p. 57قوله دلت الآية على أن مخالف أمر الله يستحق العقاب أو على أن مخالف كل أمر يستحق العقاب قلنا دلت على الثاني لوجوه الأول أنه يجوز استثنار قبل كل واحد من أنواع المخالفات نحو أن يقول فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا مخالفة الأمر الفلاني والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه وذلك يفيد العموم الثاني أنه تعالى رتب استحقاق العقاب على مخالفة الأمر وترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية الثالث أنه لما ثبت أن مخالف الأمر في بعض الصور يستحق العقاب فنقول إنما استحق العقاب لأن مخالفة الأمر تقتضي عدم المبالاة بالأمر وذلك يناسبه الزجر وهذا المعنى قائم في كل المخالفات فوجب ترتب العقاب على الكل قوله هب أن أمر الله أو أمر الله، أو رسوله للوجوب - فلم قلتم: إن أمر الآخر كذلك قلنا: لأنه لا قائل بالفرق.

  11. الدليل الخامس تارك المأمور به عاص وكل عاص يستحق

    vol. 2, p. 58
  12. العقاب فتارك المأمور به يستحق العقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك بيان الأول قوله تعالى ولا أعصي لك أمرا أفعصيت أمري لا يعصون الله ما أمرهم بيان الثاني قوله تعالى ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا الدا فيها فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به عاص وبيانه من وجوه ألأول قوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به لكان معنى قوله لا يعصون الله ما أمرهم أنهم يفعلون ما يؤمرون به فكان قوله ويفعلون ما يؤمرون تكرارا الثاني أجمع المسلمون على أن الأمر قد يكون أمر إيجاب وقد يكون أمر استحباب وتارك المندوب غير عاص وإلا لاستحق النار لما ذكرتموه فعلمنا أن المعصية ليست عبارة عن ترك المأمور به

    vol. 2, p. 59سلمنا أن المعصية عبارة عن ترك ترك المأمور به لكن إذا كان الأمر أمر إيجاب أو مطلقا الأول مسلم والثاني ممنوع بيانه أن قوله تعالى لا يعصون الله ما أمرهم حكاية حال فيكفي في تحقيقها تنزيلها على صورة واحدة فلعل ذلك الأمر كان أمر إيجاب فلا جرم كان تركه معصية سلمنا أن تارك المأمور به عاص مطلقا فلم قلت إن العاصي يستحق العقاب والآية المذكورة مختصة بالكفار لقرينة الخلود

  13. والجواب قد بينا أن تارك المأمور به عاص قوله لو كان كذلك لكان قوله ويفعلون ما يؤمرون تكرارا قلنا لا نسلم بل معنى الآية والله أعلم لا يعصون الله ما أمرهم به في الماضي ويفعلون ما يؤمرون به في المستقبل قوله الأمر قد يكون أمر استحباب قلنا لا نسلم كون المستحب مأمورا به حقيقة بل مجازا لأن

    vol. 2, p. 60الاستحباب لازم للوجوب وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز فإن قلت ليس الحكم بكون هذه الصيغة للوجوب محافظة على عموم قوله ومن يعص الله ورسوله أولى من القول بأن المستحب مامور به محافظة على صيغ الأوامر الواردة في المندوبات قلت بل ما ذكرناه أولى للاحتياط ولأنا لو حملناه على الوجوب لكان أصل الترجيح داخلا فيه فيكون لازما للمسمى فيجوز جعله مجازا في أصل الترجيح أما لو جعلناه لأصل الترجيح لم يكن الوجوب لازما له فلا يمكن جعله مجازا عن الوجوب فكان الأول أولى قوله هذه الآية حكاية حال قلنا الله تعالى رتب اسم المعصية على مخالفة الأمر فيكون المتقضي لاستحقاق هذا الاسم هذا المعنى فيعم الاسم لعموم ما يقتضي استحقاقه قوله الآية مختصة بالكفار بقرينة الخلود

  14. قلنا الخلود هو المكث الطويل لا الدائم والله أعلم واعلم أن هذا الدليل قد يقرر على وجه آخر فيقال إنما قلنا إن تارك المأمور به عاص لأن بناء لفظة العصيان على

    vol. 2, p. 61الامتناع ولذلك سميت العصا عصا لأنه يمتنع بها وتسمى الجماعة عصا يقال شققت عصا المسلمين أي جماعتهم لأنها يمتنع بكثرتها وهذا كلام مستعص على الحفظ أي ممتنع وهذا الحطب مستعص على الكسر وقال عليه الصلاة والسلام لولا أنا نعصي الله لما عصانا أي لم يمتنع عن إجابتنا فثبت أن العصيان عبارة عن الامتناع عما يقتضيه الشئ وإذا

    vol. 2, p. 62كان لفظ إفعل مقتضيا للفعل كان عدم الإتيان به والامتناع منه عصيانا لا محالة وإنما قلنا إن تسمية تارك المأمور به بالعاصي تدل على أن الأمر للوجوب لوجهين أحدهما أن الإنسان إنما يكون عاصيا للأمر وللآمر إذا أقدم على ما يحظره الآمر ويمنع منه ألا ترى أن الله تعالى لو أوجب علينا فعلا فلم نفعله لكنا عصاة ولو ندبنا إليه فقال ألأولى أن تفعلوه ولكم أن لا تفعلوه فلم نفعله لم نكن عصاة

  15. ولهذا يوصف تارك الواجب بأنه عاص لله تعالى ولا يوصف تارك النوافل بذلك الثاني أن العاصي للقول مقدم على مخالفته وترك موافقته فليس تخلو مخالفته إما أن تكون بالإقدام على ما يمنع منه الأمر فقط أو قد تثبت بالإقدام على ما لا يتعرض له الأمر بمنع ولا إيحاب

    vol. 2, p. 63وهذا الثاني باطل لأنا لو كنا عصاة للأمر بفعل ما نمنع منه لوجب إذا أمرنا الله بالصلاة غدا فتصدقنا اليوم أن نكون عصاة لذلك الأمر بتصدقنا يحيى اليوم فبان أن مخالفة الأمر إنما تثبت بالإقدام على ما يمنع منه فإذا كان تارك ما أمر به عاصيا للأمر والعاصي للأمر هو المقدم على مخالفة مقتضاه فالمقدم على مخالفة مقتضاه مقدم على ما يحظره الآمر ويمنع منه ثبت أن ترك المأمور به يحظره الآمر ويمنع منه وهذا هو معنى الوجوب الدليل السادس أنه عليه الصلاة والسلام دعا أبا سعيد الخدري فلم يجبه لأنه كان في الصلاة فقال ما منعك أن تستجيب وقد سمعت قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول فذمه على ترك

    vol. 2, p. 66الاستجابة عند مجرد ورود الأمر فلولا أن مجرد الأمر للوجوب وإلا لما جاز ذلك فإن قيل هذا خبر واحد فلا يجوز التمسك به في مسألة علمية وأيضا فالنبي ص ما ذمه ولكنه راد أن يبين له أن دعاءه ص مخالف لدعاء غيره

  16. والجواب عن الأول أنا بينا أن المباحث اللفظية لا يرجى فيها

    vol. 2, p. 67اليقين وهذه المسألة وإن لم تكن في نفسها عملية لكنها وسيلة إلى العمل فيجوز التمسك فيها بالظن لأنه لا فرق في العقل بين أن يحصل ظن الحكم وبين أن يحصل العلم بوجود ما يقتضي ظن الحكم في جواز التمسك بهما في العمليات وعن الثاني أن بتقدير أن لا يدل الأمر على الوجوب يكون المانع من الأجابة قائما وهو الصلاة فإنها تحرم الكلام وإذا كان المانع الظاهر قائما لم يجز من الرسول عليه الصلاة والسلام أن يسأل عن المانع بلى إذا كان قوله تعالى استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم يفيد الوجوب فحينئذ يصح السؤال وأيضا فظاهر الكلام يقتضي اللوم وهو في معنى الأخبار عن نفي العذر وذلك لا يكون إلا والأمر للوجوب الدليل السابع هو قوله عليه الصلاة والسلام لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة

    vol. 2, p. 68وكلمة لولا تفيد انتفاء الشئ لوجود غيره فها هنا تفيد انتفاء الأمر لوجود المشقة فهذا الخبر يدل على أنه لم يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة والإجماع قائم على أن ذلك مندوب فلو كان المندوب مأمورا به لكان الأمر قائما عند كل صلاة فلما لم يوجد الأمر علمنا أن المندوب غير مأمور به

  17. فإن قلت لم لا يجوز أن يقال هذا الوجه أمارة تدل على أنه أراد لأمرتهم به على وجه يقتضي الوجوب وليس يمتنع أن يقتضي الأمر الوجوب بدلالة أخرى قلت كلمة لولا دخلت على الأمر فوجب أن لا يكون الأمر حاصلا والندب حاصل فوجب أن لا يكون الندب أمرا وإلا لزم التناقض الدليل الثامن خبر بريرة فإنها قالت لرسول الله ص أتأمرني بذلك

    vol. 2, p. 69فقال لا إنما أنا شفيع نفى الأمر مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب ونفي الأمر عند ثبوت الندبية يدل على أن المندوب غير مأمور به وإذا كان كذلك وجب أن لا يتناول الأمر الندب الدليل التاسع إن الصحابة تمسكوا بالأمر على الوجوب ولم يظهر من أحد منهم الإنكار عليه وذلك يدل على أنهم أجمعوا على أن ظاهر الأمر للوجوب وإنما قلنا إنهم تمسكوا بالأمر على الوجوب لأنهم أوجبوا أخذ

    vol. 2, p. 70الجزية من المجوس لما روى عبد الرحمن أنه عليه الصلاة والسلام قال سنوا بهم سنة أهل الكتاب وأوجبوا غسل الإناء من ولوغ الكلب بقوله عليه الصلاة والسلام فليغسله سبعا وأوجبوا إعادة الصلاة عند ذكرها بقوله عليه الصلاة والسلام فليصلها إذا ذكرها

    vol. 2, p. 71وأما أنه لم يظهر من أحد منهم إنكار عليه وأنه متى كان كذلك فقد حصل الإجماع فتمام تقريرهما مذكور في كتاب القياس فإن قيل كما اعتقدوا الوجوب عند هذه الأوامر فإنهم لم يعتقدوا عند غيرها نحو قوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم وقوله فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء وقوله وإذا حللتم فاصطادوا وإذا ثبت هذا فليس القول بأنهم لم يعتقدوا الوجوب في هذه الأوامر لدليل منفصل بأولى من القول بأنهم إنما اعتقدوا الوجوب في تلك الأوامر لدليل متصل والجواب أن نقول لو لم يكن الأمر للوجوب لامتنع أن يفيد الوجوب

    vol. 2, p. 72في صورة أصلا ولو لم يفد الوجوب في شئ من الصور أصلا لكان دليلهم على وجوب أخذ الجزية شيئا غير خبر عبد الرحمن ولو كان كذلك لوجب اشتهار ذلك الدليل وحيث لم يشتهر علمنا أنه لو يوجد ولما لم يوجد كان دليلهم على وجوب أخذ الجزية ظاهر الأمر أما لو قلنا بأن الأمر للوجوب لم يلزم من عدم الوجوب في بعض الأوامر أن لا يفيد الوجوب أصلا لاحتمال أن يقال الحكم تخلف ها هنا لمانع فثبت أن الاحتمال الذي ذكرناه أولى الدليل العاشر لفظ إفعل إما أن يكون حقيقة في الوجوب فقط أو في الندب فقط أو فيهما معا أولا في واحد منهما والأقسام الثلاثة الأخيرة الرحمن باطلة فتعين الأول وهو أن يكون للوجوب فقط

  18. وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون للندب فقط لأنه لو كان للندب فقد لما كان الواجب مأمورا به فيمتنع أن يكون الأمر للندب فقط بيان الملازمة أن المندوب هو الراجح فعله مع جواز الترك والواجب هو الراجح فعله مع المنع من الترك فالجمع بينهما محال فلو كان الأمر للندب فقط لم يكن الواجب مأمورا به فإن قلت لو كان للوجوب فقط لما كان المندوب مأمورا به

    vol. 2, p. 73قلت ألتزم هذا لأن كثيرا من الأصوليين صرحوا بأن المندوب غير مأمور به ولا يمكنك أن تلتزم بأن الواجب غير مأمور به لأن أحدا من الأمة لم يقل به فثبت أن الأمر لا يجوز أن يكون حقيقة في الندب فقط وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون حقيقة في الوجوب والندب معا لأنه لو كان حقيقة فيهما لكان إما أن يكون كونه حقيقة فيهما بحسب معنى مشترك بينهما كما يقال إنه حقيقة في ترجيح جانب الفعل على الترك فقط من غير إشعار بجواز الترك أو بالمنع منه أو يكون حقيقة فيهما لا بحسب معنى مشترك وألأول باطل لأنا لو جعلناه حقيقة في اصل الترجيح لم يمكن جعله مجازا في الوجوب لأن الوجوب غير ملازم لأصل الترجيح أعني القدر المشترك بين الواجب والمندوب ولو جعلناه حقيقة في الوجوب كان الترجيح جزءا من مسماه ولازما له فيمكن جعله مجازا عن أصل الترجيح وإذا كان كذلك كان جعله حقيقة في الوجوب ليكون مجازا في أصل الترجيح أولى من جعله حقيقة في اصل الترجيح مع أنه لا يكون حقيقة في

  19. الوجوب ولا مجازا فيه والثاني وهو أن يجعل حقيقة في الوجوب والندب لا بحسب معنى

    vol. 2, p. 74مشترك بينهما فهذا يقتضي كون اللفظ مشتركا وقد عرفت أن ذلك خلاف الأصل وإنما قلنا إنه لا يجوز أن يقال إنه لا يتناول الواجب ولا المندوب أصلا لأن ذلك على خلاف الإجماع ولما ثبت فساد هذه الأقسام الثلاثة تعين القول بالوجوب والله أعلم الدليل الحادي عشر أن العبد إذا لم يفعل ما أمره به سيده اقتصر العقلاء من أهل اللغة في تعليل حسن ذمه على أن يقولوا أمره سيده بكذا فلم يفعله فدل كون ذلك علة في حسن ذمه على أن تركه لما أمره به ترك للواجب فإن قيل لا نسلم أنهم إنما ذموه لمجرد الترك بل لأجل أمور أخر أحدها أنهم علموا من سيده أنه كره ترك ذلك الفعل وثانيها أن الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده وثالثها أن السيد لا يأمر إلا بما فيه نفعه ودفع مضرته والعبد أيضا يلزمه إيصال المنافع إلى السيد ودفع المضار عنه سلمنا أنهم ذموه لمجرد الترك لكن لا نسلم أن فعلهم صواب ويدل عليه أمران أحدهما أنه لو كان المأمور به معصية لما استحق العبد الذم

    vol. 2, p. 75بتركه فدل على أن مجرد الترك ليس بعلة للذم

  20. وثانيهما أن كثيرا من الأوامر ورد في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ص بمعنى الندب فلو كان ترك المأمور به علة للذم لكان المندوب واجبا وهو محال فثبت بهذين الوجهين أن مجرد ترك المأمور به لا يمكن جعله علة للذم وإذا ثبت ذلك علمنا فساد ما ذكرتموه من أن العقلاء يعللون حسن ذمه بمجرد ترك المأمور به والجواب أن السيد إذا عاتب عبده عند عدم الامتثال فالعقلاء يقولون إنما عاتبه لأنه لم يمتثل الأمر ولولا أن علة حسن العتاب نفس مخالفة الأمر وإلا لما صح هذا الكلام وبهذا يظهر أن كراهية الترك لا مدخل لها في هذا الباب أما قوله الشريعة جاءت بوجوب طاعة العبد لسيده قلنا الشريعة إنما أوجبت على العبد طاعة السيد فيما أوجبه السيد على العبد ألا ترى أن سيده لو قال له الأولى أن تفعل كذا ولك أن لا تفعله لما ألزمته الشريعة فعله والأمر عند المخالف يجري مجرى هذا القول فينبغي أن لا يجب به على العبد شئ

    vol. 2, p. 76وأما قوله السيد لا يأمر عبده إلا بما فيه جر نفع أو دفع مضرة وذلك واجب قلنا مجرد هذا القدر لا يفيد الوجوب إلا إذا أوجبه السيد ولم يرخص في تركه

  21. ألا ترى أنه لو قال له الأولى أن تفعل كذا ويجوز أن لا تفعله جاز له أن لا يفعل وكذلك لو علم أن غيره يقوم مقامه في دفع المضرة قوله يشترط في جواز هذا التعليل أن لا يكون المأمور به معصية قلنا هب أن هذا الشرط معتبر ولكن يجب فيما وراءه إجراء اللفظ على ظاهره قوله لو كان ترك المأمور به علة للذم لما جاز ترك المندوب قلنا هذا إنما يصح لو كان المندوب مأمورا به وهذا أول المسألة والله أعلم الدليل الثاني عشر لفظ إفعل دال على اقتضاء الفعل ووجوده فوجب أن يكون مانعا من نقيضه قياسا على الخبر فإنه لما دل على المعنى كان مانعا من نقيضه والجامع بين الصورتين أن اللفظ لما وضع لإفادة معنى فلا بد

    vol. 2, p. 77أن يكون مانعا من النقيض تكميلا لذلك المقصود وتقوية لحصوله فإن قيل لا نزاع في أن ما دل على شئ فإنه يمنع من نقيضه لكن لم لا يجوز أن يقال مدلول قوله إفعل هو أن الأولى إدخاله في الوجود فلا جرم يمنع من عدم هذه الأولوية والجواب أن الفعل مشتق من المصدر فإشعاره وكان لا يكون إلا بالمصدر والمصدر في قولنا ضرب يضرب إضرب هو الضرب لا أولوية الضرب فإشعار روى لفظ الخبر والأمر بالضرب لا بأولوية الضرب وإذا كان إشعار الأمر والخبر ليس بأولوية الضرب بل بنفس

  22. الضرب وثبت أن المشعر بالشئ مانع من نقيضه وجب أن يكون لفظ إضرب مانعا من عدم الضرب لا من عدم أولوية الضرب ولأجل هذا كان الخبر مانعا من النقيض والله أعلم الدليل الثالث عشر الأمر يفيد رجحان الوجود على العدم وإذا كان كذلك وجب أن يكون مانعا من الترك وإنما قلنا إنه يفيد الرجحان لأن المأمور به إن لم تكن مصلحته راجحة إما أن يكون خاليا عن المصلحة أو تكون مصلحته مرجوحة أو تكون مساوية للمفسدة

    vol. 2, p. 78فإن كان خاليا عن المصلحة كان محض المفسدة فلا يجوز ورود الأمر به وإن كانت مصلحته مرجوحة فذلك القدر من المصلحة يصير معارضا بمثله من المفسدة فيقى القدر الزائد من المفسدة خاليا عن المعارض فيكون ورود الأمر به أمرا بالمفسدة الخالصة فيعود إلى القسم الأول وإن كانت مصلحته معادلة لمفسدته ولم كان ذلك عبثا وهو غير لائق بالحكيم وإذا بطلت هذه الأقسام لم يبق إلا أن تكون مصلحة خالية عن المفسدة وإن كان فيه شئ من المفاسد ولكن تكون مصلحته زائدة وعلى التقديرين يثبت رجحان المصلحة وإذا ثبت هذا فنقول وجب أن لا يرد الإذن بالترك لأن الإذن في تفويت المصلحة الراجحة إذن في تفويت المصلحة الخالصة لأنه إن وجدت مفسدة مرجوحة فتصير هي معارضة بما يعادلها من المصلحة فيبقى

  23. القدر الزائد من المصلحة مصلحة خالصة

    vol. 2, p. 79وإن لم توجد مفسدة أصلا كانت المصلحة خالصة فيكون الإذن في تفويته إذنا في تفويت المصلحة الخالصة عن شوائب المفسدة وذلك غير جائز عرفا فوجب أن لا يجوز شرعا لقوله عليه الصلاة والسلام ما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح فمقتضى هذه الدلالة أن لا يوجد شئ من المندوبات ألبتة ترك العمل به في حق البعض تخفيفا من الله تعالى على العباد فوجب أن يبقى الباقي على حكم الأصل فإن قيل ما ذكرتموه معارض بوجه آخر وهو أنه كما أن الإذن في تفويت المصلحة الخالصة قبيح عرفا فكذا إلزام المكلف استيفاء المصلحة

    vol. 2, p. 80بحيث لو لم يستوفها لاستحق العقاب قبيح أيضا لأنه يصير حاصل الأمر أن يقول الشرع استوف هذه المنافع لنفسك وإلا عاقبتك وهذا قبيح والجواب ما ذكرتموه قائم في كل التكاليف فلو كان ذلك معتبرا لما ثبت شئ من التكاليف الدليل الرابع عشر لا شك أن الأمر يدل على رجحان طرف الوجود على طرف العدم فنقول هذا الرجحان لا ينفك عن قيدين أحدهما المنع من الترك والآخر الإذن في الترك ولا شك أن إفضاء المنع من الترك إلى الوجود أكثر من إفضائه إلى

  24. العدم ولا شك أن إفضاء الإذن في الترك إلى العدم أكثر من إفضائه إلى الوجود ولا شك أن الذي يكون أكثر إفضاء إلى الشئ الراجح راجح في الظن على ما يكون أكثر إفضاء إلى المرجوح فإذن شرعية المنع من الترك راجح في الظن على شرعية الإذن في الترك والراجح في الظن واجب العمل به النص والمعقول أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام أنا أقضي بالظاهر

    vol. 2, p. 83وأما المعقول فمن وجهين الأول أن أحد النقيضين إذا كان راجحا على الآخر في الظن فلم يعمل بالراجح لوجب العمل بالمرجوح فيكون ذلك ترجيحا للمرجوح على الراجح وإنه غير جائز بالضرورة الثاني أنه وجب العمل بالفتوى والشهادة وقيم المتلفات وأروش الجنايات وتعيين القبلة عند حصول الظن وإنما وجب العمل به ترجيحا للراجح على المرجوح وذلك المعنى حاصل ها هنا قوجب بين العمل به الدليل الخامس عشر الوجوب ينبغي أن تكون له صيغة مفردة في اللغة وتلك الصيغة هي إفعل فوجب أن تكون إفعل للوجوب إنما قلنا إن الوجوب له صيغة مفردة في اللغة لأن الوجوب معنى

    vol. 2, p. 84تشتد الحاجة إلى التعبير عنه والناس قادرون على الوضع

  25. والمانع زائل ظاهرا والقادر إذا دعاه الداعي إلى الفعل حال عدم المانع وجب حصول الفعل منه فثبت أن الوجوب له صيغة مفردة في اللغة وإنما قلنا إن تلك الصغية هي صيغة إفعل لأن تلك الصيغة إما أن تكون صيغة إفعل أو غيرها والثاني باطل بالإجماع أما عند الخصم فلأنه ينكر ذلك على الإطلاق وأما عندنا فلأنا لا نقول به في غير صيغة إفعل وإذا بطل هذا القسم ثبت القسم الأول وإلا لكانت اللغة خالية عن لفظة مفردة دالة على الوجوب مع ان الدليل قد دل على وجودها فإن قيل لا نسلم أن الوجوب له صيغة في اللغة قوله الداعي قائم قلنا لا نسلم أن الداعي قائم قوله الوجوب معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه قلنا لا نسلم

    vol. 2, p. 85سلمناه لكن لم قلت إنه لا بد من تعريفه باللفظ ولم لا تكفي فيه قرينة الحال سلمنا شدة الحاجة إلى لفظ يدل عليه، لكنه قد وجد - وهو: قوله: أوجبت وألزمت وحتمت فإن ادعيت أنه لا بد من اللفظ المفرد طالبناك أهل بالدلالة عليه سلمنا قيام الدلالة وحصول الداعي فلم قلت إنه لا مانع ثم نقول المانع هو أن اللغات توقيفية لا حديث اصطلاحية وإذا كان

  26. كذلك كانوا ممنوعين من وضع الألفاظ للمعاني سلمنا قيام الداعي وزوال المانع فلم قلت بأنه يجب الفعل ثم نقول ما ذكرتموه من الدليل منقوض ومعارض أما النقض فلأن الحاجة إلى وضع لفظ يدل على الحال ولفظ آخر يدل على الاستقبال على التعيين شديدة مع أنه لم يوجد ذلك في اللغة وأيضا فأصناف الروائح مختلفة والحاجة إلى تعريفها شديدة مع أنه

    vol. 2, p. 86لم توضع لها ألفاظ مفردة وكذا أصناف الاعتمادات متميزة مع أنه لم توضع لها ألفاظ مفردة وأما المعارضة فمن وجهين أحدهما أن الوجوب كما أنه معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فكذا أصل الترجيح أعني القدر المشترك بين الوجوب والندب والندب معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فوجب أن يضعوا له لفظا ولا لفظ له سوى إفعل فوجب كونه موضوعا له ومن قال إنه للندب وحده قال الندبية معنى تشتد الحاجة إلى تعريفها فلا بد من لفظ ولا لفظ سوى هذا فوجب كونه للندب ومن قال بالاشتراك قال قد يحتاج إلى التعبير عن أحد هذين الأمرين على سبيل الإبهام فلا بد من لفظ ولا لفظ له إلا هذا فوجب كونه موضوعا لهما بالاشتراك وثانيهما أن الوجوب معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه فلو كانت صيغة إفعل موضوعة له وجب أن يعرف ذلك كل أحد ولو عرفه كل أحد

    vol. 2, p. 87لزال الخلاف فلما لم يزل علمنا أنه غير موضوع له سلمنا أنه لا بد من لفظ وأن ذلك اللفظ هو إفعل فلم لا يجوز أن يكون موضوعا للندب أيضا بالاشتراك ثم نقول الدليل الذي ذكرتموه يقتضي إثبات اللغة بالقياس وهو غير جائز والجواب قوله لا نسلم شدة الحاجة إلى التعبير عن معنى الوجوب قلنا الدليل عليه أن الإنسان الواحد لا يستقل بإصلاح كل ما يحتاج إليه بل لا بد من الجمع العظيم حتى يعين كل واحد منهم صاحبه في مهمة لتنتظم مصلحة الكل وإذا احتاج الإنسان إلى فعل يفعله الغير لا محالة وأن ذلك الغير لا يعلم منه ذلك إلا إذا عرفه فحينئذ يحتاج إلى أن يعرفه أنه لا بد وأن ياتي بذلك الفعل وأنه لا يجوز له الإخلال به فثبت أن هذا المعنى مما تشتد الحاجة إلى تعريفه قوله هب أنه لا بد من تعريفه فلم قلت إن ذلك التعريف لا يحصل إلا باللفظ

    vol. 2, p. 88قلنا لأنهم إنما اتخذوا العبارات معرفات لما في الضمائر دون غيرها لأجل أن الإتيان بالعبارات أسهل من الإتيان بغيرها وهذا المعنى قائم في مسألتنا فوجب القول به قوله لم لا يكفي فيه قوله أوجبت وألزمت قلنا لأن اللفظ المفرد أخف على اللسان من المركب فيغلب على

  27. الظن أن الواضع وضع لفظا مفردا لهذا المعنى قياسا على سائر الألفاظ المفردة قوله لم قلت إنه لا مانع قلنا لأن الموانع بأسرها كانت معدومة والأصل بقاء ذلك العدم فيحصل من هذا ظن أنه لا مانع والدليل الذي ذكرناه ظني فيكون ذلك كافيا في تقريره قوله اللغات توفيقية فلعلهم منعوا عن الوضع قلنا الأصل في كل أمر بقاؤه على ما كان والأصل عدم التوقيف وعدم المنع من الوضع فيحصل ظن بقاء ذلك قوله لم قلت إنه إذا وجد الداعي في حق القادر وانتفى الصارف وقع الفعل قلنا الدليل عليه أن القادر على الفعل إن لم يكن متمكنا من الترك فقد تعين الفعل وإن كان متمكنا من الترك فعند الداعي إما أن يترجح أو لا يترجح

    vol. 2, p. 89فإن لم يترجح البتة لم يكن الداعي داعيا وذلك محال وإن ترجح وجب الوقوع وتمام تقرير هذا الكلام في كتبنا العقلية وأما النقوض فهي مندفعة لأنا لا نسلم أن اشتداد الحاجة إلى تعيين الحال والاستقبال والروائح المخصوصة والاعتمادات المخصوصة مساوية لاشتداد الحاجة إلى التعبير عن معنى الإلزام فإن الإنسان قد تمر عليه مدة طويلة ولا يحتاج إلى التعبير عن تلك الاشياء مع

  28. أنه في كل لحظه يحتاج إلى التعبير عن معنى الوجوب وأما المعارضة الآولى فجوابها أنا لو جعلنا اللفظ حقيقة في الوجوب كان الترجيح لازما للمسمى فأمكن جعله مجازا عن الترجيح أما لو جعلناه حقيقة في الترجيح لم يكن الوجوب لازما للمسمى

    vol. 2, p. 90فلا يمكن جعله مجازا عنه فكان ذلك أولى قوله الحاجة إلى التعبير عن الندبية شديدة قلنا لكن الوجوب أولى لأن الواجب لا يجوز الإخلال به والمندوب يجوز الإخلال به والإخلال ببيان ما يجوز الإخلال به أولى من الإخلال ببيان ما لا يجوز الإخلال به وأما المعارضة الثانية فهي أن اللفظ لو كان للوجوب لاشتهر قلنا هذا إنما يلزم لو سلم عن المعارض أما إذا كان له معارض ولم يظهر الفرق بينه وبين معارضه إلا على وجه مخصوص غامض لم يلزم ذلك قوله هب أن لفظ أفعل موضوع للوجوب فلم لا يجوز أن يكون موضوعا للندب أيضا بالاشتراك قلنا لما تقدم أن الاشتراك على خلاف الأصل قوله هذا إثبات اللغة بالقياس

    vol. 2, p. 91قلنا سنبين في كتاب القياس إن شاء الله تعالى أنه جائز الدليل السادس عشر حمله على الوجوب يفيد القطع بعدم

  29. الإقدام على مخالفة الأمر وحمله على الندب يقتضي الشك فيه فوجب حمله على الوجوب وإنما قلنا إن حمله على الوجوب يفيد القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر لأن المأمور به إما أن يكون واجبا أو مندوبا فإن كان واجبا فحمله على الوجوب يقتضي القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر وإن كان مندوبا فالقول بوجوبه سعي في تحصيل ذلك المندوب بأبلغ الوجوه وذلك يفيد القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر فإذن على كلا التقديرين هو غير مقدم على مخالفة الأمر أما لو حملناه على الندب فبتقدير أن يكون المأمور به مندوبا حصل القطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر أما لو كان واجبا ونحن قد جوزنا له الترك كان ذلك الترك مخالفة للأمر فثبت إن حمله على الندب يقتضي الشك في كونه مخالفا للأمر وإذا ثبت هذا فنقول وجب حمله على الوجوب للنص والمعقول

    vol. 2, p. 92أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وأما المعقول فهو أنه إذا تعارض طريقان أحدهما آمن قطعا والآخر مخوف كان ترجيح الآمن على المخوف من موجبات العقول فإن قيل لا نسلم أن حمله على المندوب يقتضي الشك في الإقدام على المحظور قوله لأنه بتقدير أن يكون المأمور به واجبا كان حمله على الندب

    vol. 2, p. 93سعيا في الترك وإنه محظور قلنا لا نسلم أنه يمكن أن يكون المأمور به واجبا فإنا لو علمنا بدلالة لغوية أن الأمر ما وضع للوجوب وعلمنا أن الحكيم لا يجوز أن يجرده عن قرينه إلا والمأمور به غير واجب فإذا حملته على الندب أمنت الضرر سلمنا قيام هذا الاحتمال ولكن حمله على الوجوب فيه أيضا احتمال للضرر لأن بتقدير أن لا يكون الحق هو الوجوب كان اعتقاد كونه واجبا جهلا وتكون نية الوجوب قبيحة وكراهة أضداده قبيحة والجواب إذا علمنا أن لفظ إفعل لا يجوز استعماله إلا في أحد المعنيين إما الوجوب أو الندب فقبل أن يعلم ما يدل على كونه للوجوب فقط أو للندب فقط أولهما معا فإنا إذا حملناه على الوجوب قطعنا بأنا ما خالفنا الأمر وإذا حملناه على الندب لم نقطع بذلك فإذن قبل أن يعلم ما يدل على كونه للوجوب فقط أو للندب

    vol. 2, p. 94فقط يقتضي العقل حمله على الوجوب ليحصل القطع بعدم المخالفة ثم بعد ذلك قيام الدليل على أنه للندب إشارة إلى المعارض من ادعاه فعليه الدليل قوله حمله على الوجوب يقتضي احتمال الجهل قلنا ما ذكرتموه إشارة إلى احتمال الخطأ في الاعتقاد وهو قائم في الطرفين وما ذكرناه فهو احتمال الخطأ في العمل وهو حاصل على

  30. تقدير الندب دون تقدير الوجوب وإذا اشترك الطرفان في أحد نوعي الخطأ واختص أحدهما بمزيد خطأ كان الجانب الخالي عن هذا الخطأ الزائد أولى بالاعتبار والله أعلم واحتج من أنكر كون الأمر للوجوب بأمور أحدها أن العلم بكون الأمر للوجوب إما أن يكون عقليا أو نقليا فالأول باطل لأن العقل لا مجال له في اللغات وأما النقل فإما أن يكون تواترا أو آحادا والتواتر باطل وإلا لعرف كل واحد بالضرورة أنه للوجوب والآحاد باطل لأن المسألة علمية ورواية الآحاد لا تقيد العلم

    vol. 2, p. 95وهذه الحجة يحتج بها من يقول لا أدري أن اللفظ موضوع للوجوب فقط أو للندب فقط أولهما معا لأنه لو ادعى الاشتراك أو الندبيه لزمه أو يقال العلم بالاشتراك أو بالندبية إنما يستفاد من العقل أو النقل إلى آخر التقسيم وثانيها أن أهل اللغة قالوا لا فرق بين الأمر والسؤال إلا من حيث الرتبة وذلك يقتضي اشتراكهما في جميع الصفات سوى الرتبة فكما أن السؤال لا يدل على الإيجاب بل يفيد الندبية فكذلك الأمر وثالثها أن لفظ أفعل وارد في كتاب الله وسنة رسوله في الوجوب والندب والاشتراك والمجاز على خلاف الأصل فلا بد من جعله حقيقة في القدر المشترك وهو أصل الترجيح والدال على ما به الاشتراك غير الدال على ما به الامتياز لا بالوضع ولا بالاستلزام فلا يكون لهذه الصيغة إشعار البتة بالوجوب بل لا دلالة فيها إلا على ترجيح جانب

  31. الفعل وأما جواز الترك فقد كان معلوما بالعقل ولم يوجد ما يزيل ذلك الجواز فإذن وجب الحكم بأن ذلك العقل راجح الوجود على العدم مع كونه جائز الترك ولا معنى للندب إلا ذلك والجواب عن الأول أن نقول لم لا يجوز أن يعرف ذلك بدليل مركب من النقل والعقل مثل قولنا تارك المأمور به عاص والعاصي يستحق العقاب فيستلزم العقل من تركيب هاتين المقدمتين النقليتين أن الأمر للوجوب