المسألة الرابعة اختلاف العلماء في بعض ألفاظ العموم وهي في خمسة فصول

22 paragraphs · vol. 2, p. 315

  1. المسألة الرابعة اختلف الناس في صيغة كل وجميع وأي وما ومن في المجازاة والاستفهام فذهبت المعتزلة وجماعة من الفقهاء إلى أنها للعموم فقط وهو المختار وأنكرت الواقفية ذلك ولهم قولان فالأكثرون ذهبوا إلى أنها مشتركة بين العموم والخصوص والأقلون قالوا لا ندري أنها حقيقة في العموم فقط أو الخصوص فقط أو الاشتراك فقط والكلام في هذه المسألة مرتب على فصول خمسة

    vol. 2, p. 317الفصل الأول في أن من وما وأين ومتى في الاستفهام للعموم فنقول هذه الصيغ إما أن تكون للعموم فقط أو للخصوص فقط أولهما على سبيل الاشتراك أو لا لواحد منهما والكل باطل إلا الأول أما أنه لا يجوز أن يقال إنها موضوعة للخصوص فقط فلأنه لو كان كذلك لما حس من المجيب أن يجيب بذكر كل العقلاء لأن الجواب

    vol. 2, p. 315
  2. يجب أن يكون مطابقا للسؤال لكن لا نزاع في حسن ذلك وأما أنه لا يجوز القول بالاشتراك فلأنه لو كان كذلك لما حسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قيل من عندك فلا بد أن تقول تسألني عن الرجال أو عن النساء فإذا قال عن الرجال فلا بد أن تقول تسألني عن العرب أو عن

    vol. 2, p. 318العجم فإذا قال عن العرب فلا بد أن تقول تسألني عن ربيعة أو عن مضر وهلم جرا إلى أن تأتي على جميع التقسيمات الممكنة وذلك لأن اللفظ إما أن يقال أنه مشترك بين الاستغراق وبين مرتبة معينة في الخصوص أو بين الاستغراق وبين جميع المراتب الممكنة والأول باطل لأن أحدا لم يقل به والثاني يقتضي أن لا يحسن من المجيب ذكر الجواب إلا بعد الاستفهام عن كل تلك الأقسام لأن الجواب لا بد وأن يكون مطابقا للسؤال فإذا كان السؤال محتملا لأمور كثيرة فلو أجاب قبل أن يعرف ما عنه وقع السؤال لاحتمل أن لا يكون الجواب مطابقا للسؤال وذلك غير جائز فثبت أنه لو صح الاشتراك لوجبت هذه الاستفهامات لكنها غير واجبة أما أولا فلأنه لا عام إلا وتحته عام آخر وإذا كان كذلك كانت التقسيمات الممكنة غير متناهية والسؤال عنها على سبيل التفصيل محال وأما ثانيا فلأنا نعلم بالضرورة من عادة أهل اللسان أنهم يستقبحون مثل هذه الاستفهامات وأما أنه لا يجوز أن تكون هذه الصيغة غير موضوعة للعموم

  3. ولا للخصوص فمتفق عليه

    vol. 2, p. 319فبطلت هذه الأقسام الثلاثة ولم يبق إلا القسم الأول وهو الحق فإن قيل لا نسلم أنها غير موضوعة للخصوص قوله لو كان كذلك لما حسن الجواب بذكر الكل قلنا متى إذا وجدت مع اللفظ قرينة تجعله للخصوص أو إذا لم توجد الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن من الجائز أن تكون هذه الصيغة موضوعة للخصوص إلا أنه قد يقترن بها من القرائن ما يصير المجموع للعموم لجواز أن يكون حكم المركب مخالفا لحكم المفرد سلمنا ذلك فلم لا يكون مشتركا قوله لو كان كذلك لوجبت الاستفهامات قلنا لم لا يجوز أن يقال هذه اللفظة لا تنفك عن قرينة دالة على

    vol. 2, p. 320المراد بعينه فلا جرم لا يحتاج إلى تلك الاستفهامات سلمنا إمكان خلوه عن تلك القرينة لكن متى يقبح الجواب بذكر الكل إذا كان ذكر الكل مفيدا لما هو المطلوب بالسؤال على كل التقديرات أو إذا لم يكن الأول ممنوع والثاني مسلم بيانه أن السؤال إما أن يكون قد وقع عن الكل أو عن البعض فإن وقع عن الكل كان ذكر الكل هو الواجب

  4. وإن وقع عن البعض فذكر الكل يأتي على ذلك البعض فيكون ذكر الكل مفيدا لحصول المقصود على كل التقديرات وذكر البعض ليس كذلك فكان ذكر الكل أولى سلمنا أن الاشتراك يوجب تلك الاستفهامات لكن لا نسلم أنها لا تحسن ألا ترى أنه إذا قيل من عندك حسن منه أن يقول أعن الرجال تسألني أم عن النساء أعن الأحرار أم عن العبيد غاية ما في الباب أن يقال الاستفهام عن كل الأقسام الممكنة غير جائز لكنا نقول

    vol. 2, p. 321ليس الاستدلال بقبح بعض تلك الاستفهامات على عدم الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن بعضها على الاشتراك وعليكم الترجيح سلمنا أن ما ذكرتم يدل على قولكم لكنه معارض بأن هذه الصيغ لو كانت للعموم فقط لما حسن الجواب إلا بقوله لا أو نعم لأن قوله من عندك تقديره أكل الناس عندك ومعلوم أن ذلك لا يجاب إلا بلا أو بنعم فكذلك ها هنا والجواب قوله الصيغة وإن كانت حقيقة في الخصوص لكن لم لا يجوز أن يقترن بها ما يصير المجموع للعموم قلنا لثلاثة أوجه الأول أن هذا يقتضي أنه لو لم توجد تلك القرينة أن لا يحسن الجواب بذكر الكل ونحن نعلم بالضرورة من عادة أهل اللغة حسن ذلك سواء وجدت قرينة أخرى أم لم توجد الثاني أن هذه القرينة لا بد وأن تكون معلومة للسامع والمجيب معا

  5. لأنه يستحيل أن تكون تلك القرينة طريقا إلى العلم بكون هذه الصيغة للعموم مع أنا لا نعرف تلك القرينة

    vol. 2, p. 322ثم تلك القرينة إما أن تكون لفظا أو غيره والأول باطل لأنه إذا قيل لنا من عندك حسن منا أن نجيب بذكر كل من عندنا وإن لم نسمع من السائل لفظة أخرى والثاني باطل أيضا لأنا لا نعقل قسما آخر وراء اللفظ يدل على مقصود المتكلم إلا الإشارة وما يجري مجراها من تحريك العين والرأس وغيرهما وكل ذلك مما لا يطلع الأعمى عليه مع أنه يحسن منه أن يجيب بذكر الكل الثالث أن من كتب إلى غيره فقال من عندك حسن منه الجواب بذكر الكل مع أنه لم يوجد في الكتبة شئ من القرائن وبهذه الوجوه خرج الجواب أيضا عن قوله إنما لم يحسن الاستفهام عن جميع الأقسام لأن اللفظ لا ينفك عن القرينة الدالة وأيضا فقد إنعقد الإجماع على أن اللفظ المشترك يجوز خلوه عن جميع القرائن المعينة قوله إنما حسن الجواب بذكر الكل لأن المقصود حاصل على كل التقديرات قلنا يلزم منه لو قال من عندك من الرجال أن يحسن منه ذكر النساء مع الرجال لأن تخصيص الرجال بالسؤال عنهم لا يدل على أنه لا حاجة

    vol. 2, p. 323به إلى السؤال عن النساء فلما لم يحسن في هذا فكذا فيما ذكرتموه وأيضا فكما أنه يحتمل أن يكون غرضه من السؤال ذكر الكل أمكن أن يكون غرضه السؤال عن البعض مع السكوت عن الباقين قوله قد يحسن الاستفهام عن بعض الأقسام فليس الاستدلال بقبح البعض على نفي الاشتراك أولى من الاستدلال بحسن البعض على ثبوت الاشتراك قلنا قد ذكرنا أنه ليس في الأمة أحد يقول بأن هذه الصيغ مخصوصة ببعض مراتب الخصوص دون البعض فلو كانت حقيقة في الخصوص لكانت حقيقة في كل مراتب الخصوص ولو كان كذلك لوجب الاستفهام عن كل تلك المراتب فلما لم يكن كذلك علمنا فساد القول بالاشتراك فأما حسن بعض الاستفهامات فلا يدل على وقوع الاشتراك لما سنذكر إن شاء الله تعالى أن للاستفهام فوائد أخر سوى الاشتراك قوله لو كانت هذه الصيغة للعموم لما حسن الجواب إلا بلا أو نعم قلنا لا نسلم وذلك لأن السؤال ها هنا ما وقع عن التصديق

    vol. 2, p. 324حتى يكون جوابه بلا أو بنعم بل إنما وقع عن التصور فقوله من عندك معناه اذكر لي جميع من عندك من الأشخاص ولا تبق أحدا إلا وتذكره لي ومعلوم أنه يحسن الجواب عن هذا السؤال بلا أو بنعم والله أعلم

    vol. 2, p. 325الفصل الثاني

  6. في أن صيغة من وما في المجازاة للعموم ويدل عليه ثلاثة أوجه الأول أن قوله من دخل داري فأكرمه لو كان مشتركا بين الخصصوص والاستغراق لما حسن من المخاطب أن يجري على موجب الأمر إلا عند الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة لكنه حسن فدل على عدم الاشتراك وتقريره ما تقدم في الفصل الأول الوجه الثاني إنه إذا قال من دخل داري فأكرمه حسن منه استثناء كل واحد من العقلاء والعلم بحسن ذلك من عادة أهل اللغة ضروري والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك لأنه لا نزاع في

    vol. 2, p. 326أن المستثنى من الجنس لا بد وأن يصح دخوله تحت المستثنى منه فإما أن لا يعتبر مع الصحة الوجوب أو يعتبر والأول باطل وإلا لكان يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله جاءني فقهاء إلا زيدا وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله جاءني الفقهاء إلا زيدا فرق لصحة دخول زيد في الخطابين لكن الفرق معلوم بالضرورة من عادة العرب فعلمنا أن الاستثناء من الجمع المعرف يقتضي إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ وهو المطلوب فإن قيل ينتقض دليلكم بأمور ثلاثة أحدها جموع القلة كالأفعل والأفعال والأفعلة والفعلة

  7. وجمع السلامة فإنه للقلة بنص سيبوية مع أنه يصح استثناء كل واحد من أفراد ذلك الجنس عنها

    vol. 2, p. 327وثانيها أنه يصح أن يقال اصحب جمعا من الفقهاء إلا فلانا ومعلوم أن ذلك المستثنى لا يجب أن يكون داخلا تحت ذلك المنكر وثاليها ثم إنه يصح أن يقال صل إلا اليوم الفلاني ولو كان الاستثناء يقتضي إخراج ما لولاه لدخل لكان الأمر مقتضيا للفعل في كل الأزمنة فكان الأمر يفيد الفور والتكرار وأنتم لا تقولون بهما سلمنا سلامته عن النقض لكن لا نسلم أن قوله من دخل داري أكرمه يحسن استثناء وكل واحد من العقلاء منه فإنه لا يحسن منه أن يستثنى الملائكة والجن واللصوص ولا يحسن أن يقول إلا ملك الهند وملك الصين سلمنا حسن ذلك ولكن لم يدل على العموم قوله المستثنى يجب صحة دخوله تحت المستثنى منه فإما أن يكون الوجوب معتبرا مع هذه الصحة أو لا يكون قلنا لا نسلم أن المستثنى يجب صحة دخوله تحت المستثنى منه فإن استثناء الشئ من غير جنسه جائز

    vol. 2, p. 328سلمناه لكن لم قلت إنه لا بد من الوجوب قوله لو لم يكن الوجوب معتبرا لما بقي فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر وبين الاستثنا من الجمع المعرف قلنا نسلم أنه لا بد من فرق لكن لا نسلم أنه لا فرق إلا ما

  8. ذكرتموه سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على الوجوب لكن معنا ما يدل على أن الصحة كافية وبيانه من وجهين الأول أن الصحة أعم من الوجوب فيكون حمل اللفظ على الصحة حملا له على ما هو أعم فائدة الثاني أن القائل اذا قال لغيره أكرم جمعا من العلماء واقتل فرفة من الكفار حسن أن يستثنى كل واحد من العلماء والكفار فيقول إلا فلانا وفلانا ولو كان الاستثناء يخرج ما لولاه لوجب دخوله فيه لوجب أن يكون اللفظ المنكر للاستغراق سلمنا أن ما ذكرتموه يقتضي أن تكون صيغة من للعموم لكن لا يجب أن يكون الأمر كذلك بيانه أن الاستدلال بالمقدمتين المذكورتين على النتيجة إنما يصح لو ثبت أنه لا تجوز المناقضة على واضع اللغة إذا لو جازت المناقضة عليه

    vol. 2, p. 329جاز ان يقال إنهم حكموا بهاتين المقدمتين اللتين توجبان عليهم أن يحكموا بأن صيغة من للعموم ولكنهم لعلهم لم يحكموا بها لأنهم لم يحترزوا عن المناقضة بلى لو ثبت أن اللغات توفيقية اندفع هذا السؤال سلمنا أن صحة الاستثناء من هذه الصيغ دالة على أنها للعموم لكنها تدل على أنها ليست للعموم من وجه آخر وذلك لأنها لو كانت للعموم لكان الاستثناء نقضا على ما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى والجواب أما النقض بجموع القلة فلا نسلم أنه يحسن استثناء أي عدد شئنا منه مثلا لا يجوز أن يقول أكلت الأرغفة إلا ألف

  9. رغيف وتوافقنا على أنه يجوز استثناء أي عدد شئنا من صيغة من في المجازاة مثل أن يقول من دخل داري أكرمته إلا أهل البلدة الفلانية قوله ينتقض بقوله اصحب جمعا من الفقهاء إلا زيدا قلنا هب أن الاستثناء من الجمع المنكر يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله فيه فلم قلت إن في سائر الصور كذلك قوله يلزم أن تكون صيغة الأمر للتكرار قلنا لم لا يجوز أن يكون اقتران الاستثناء بلفظ الأمر قرينة دالة على دلالة الأمر على التكرار

    vol. 2, p. 330قوله لا يحسن استثناء الملائكة واللصوص وملك الهند وملك الصين قلنا لأن المقصود من الاستثناء خروج المستثنى من الخطاب وقد علم من دون الاستثناء خروج هذه الأشياء من الخطاب ولهذا لو لم يعلم خروجها منه لحسن الاستثناء ألا ترى أنه لو كان الخطاب صادرا عن الله تعالى لحسن منه تعالى هذا الاستثناء مثل أن يقول إني أطعم من خلقت إلا الملائكة وأنظر بعين الرحمة إلى جميع خلقي إلا الملوك المتكبرين قوله لم قلت إنه يجب صحة دخول المستثنى تحت المستثنى منه قلنا لأن الإجماع منعقد على ذلك في استثناء الشئ من جنسه فلا يتوجه جواز الاستثناء من غير الجنس

    vol. 2, p. 331ولأن الاستثناء مشتق من الثني وهو الصرف وإنما يحتاج إلى الصرف لو كان بحيث لولا الصارف لدخل قوله لم قلت إنه لا فرق بين الاستثناء من الجمع المنكر ومن الجمع المعرف إلا ما ذكرت قلنا لأن الجمع المنكر هو لاذي يدل على جمع يصلح أن يتناول كل واحد من الأشخاص فلو كان الجمع المعرف كذلك لم يبق بين الأمرين فرق وحينئذ لا يبقى بين الاستثناء من الجمعين فرق قوله حمل الاستثناء على الصحة أولى لكونها أعم فائدة قلنا يعارضه أن حمله على الوجوب أولى لأن الصحة جزء من الوجوب فلو حملناه على الوجوب لكنا قد أفدنا به الصحة والوجب معا ولو حملناه على الصحة وحدها لم نفد به الوجوب أصلا والجمع بين الدليلين بقدر الإمكان واجب قوله الاستثناء من الجمع المنكر ليس إلا لدفع الصحة

    vol. 2, p. 332قلنا هب أنه كذلك فلم قلت أن الاستثناء من صيغة من وما في المجازاة كذلك قوله لم قلت إن التناقض على الواضعين لا يجوز قلنا لأن الأصل عدم التناقض على العقلاء لا سيما وقد قرر الله تعالى ذلك الوضع قوله لو كانت الصيغة للعموم لكان الاستثناء نقضا قلنا سيجئ الجواب عنه إن شاء الله تعالى

  10. فهذا أقصى ما يمكن تمحله رسول في هذه الطريقة الوجه الثالث لما أنزر ولا الله تعالى قوله إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم قال ابن الزبعري لأخصمن محمدا ثم أتى النبي ص فقال يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى فتمسك بعموم اللفظ ولم ينكر النبي ص ذلك حتى نزل قوله تعالى إن الذين سبقت لهم منا الحسنى

    vol. 2, p. 335فإن قلت السؤال كان خطأ لأن ما لا تتناول العقلاء قلت لا نسلم لقوله تعالى والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها والله أعلم

    vol. 2, p. 337الفصل الثالث في أن صيغة الكل والجميع تفيدان الاستغراق ويدل عليه وجوه الأول أن قوله جاءني كل فقيه في البلد يناقضه قوله ما جاءني كل فقيه في البلد ولذلك يستعمل كل واحد منهما في تكذيب الآخر والتناقض لا يتحقق إلا إذا أفاد الكل الاستغراق لأن النفي عن البعض لا يناقض الثبوت في البعض الثاني أن صيغة الكل مقابلة في اللفظ لصيغة البعض ولولا أن صيغة الكل غير محتملة للبعض وإلا لما كانت مقابلة لها الثالث أن الرجل إذا قال ضربت كل من في الدار وعلم أن في الدار

  11. عشرة ولم يعرف سوى هذه اللفظة أعني أنه لم يعرف أن في الدار أباه وغيره ممن يغلب على الظن أنه لا يضربه بل جوز أن يضربهم كلهم فإن الأسبق إلى الفهم الاستغراق ولو كانت لفظة الكل مشتركة بين الكل

    vol. 2, p. 338والبعض لما كان كذلك لأن اللفظ المشترك لما كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية امتنع أن تكون مبادرة الفهم إلى أحدهما أقوى منها إلى الآخر الرابع أن يتمسك بسقوط الاعتراض عن المطيع وتوجهه على العاصي أما الأول فهو أن السيد إذا قال لعبده كل من دخل اليوم داري فأعطه رغيفا فلو أعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه حتى أنه لو أعطى رجلا قصيرا فقال له لم أعطيته مع أني أردت الطوال فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال وإنما أمرتني بإعطاء من دخل وهذا قد دخل وكل عاقل سمع هذا الكلام رأي اعتراض السيد ساقطا وعذر العبد متوجها وأما الثاني فهو أن العبد لو أعطى الكل إلا واحدا فقال له السيد لم لم تعطه فقال لأنه طويل وكان لفظك عاما فقلت لعلك أردت القصار استوجب التأديب بهذا الكلام

    vol. 2, p. 339الخامس إذا قال أعتقت كل عبيدي وإمائي ومات في الحال ولم يعلم منه أمر آخر سوى هذه الألفاظ حكم بعتق كل عبيده وإمائه

  12. ولو قال غانم حر وله عبدان اسمهما غانم وجبت المراجعة والاستفهام فعلمنا عدم الاشتراك السادس إنا ندرك تفرقة بين قولنا جاءني فقهاء وبين قولنا جاءني كل الفقهاء ولولا دلالة الثاني على الاستغراق وإلا لما بقي الفرق السابع معلوم أن أهل اللغة إذا أرادوا التعبير عن معنى الاستغراق فزعوا إلى استعمال لفظة الكل والجميع ولا يستعملون الجموع المنكرة ولولا أن لفظة الكل والجميع موضوعة للاستغراق وإلا لكان استعمالهم هاتين اللفظتين عند إرادة الاستغراق كاستعمالهم للجموع المنكرة فإن قلت في جميع هذه المواضع إنما حكمنا بالعموم للقرينة قلت كل ما تفرضونه من القرائن أمكننا فرض عدمه مع بقاء الأحكام المذكورة وأيضا لو قيل كل من قال لك جيم فقل له دال فها هنا لا قرينة تدل على هذه الأحكام مع أن العموم مفهوم منه

    vol. 2, p. 340وأيضا فلو كتب في كتاب وقال اعملوا بما فيه حكم بالعموم مع عدم القرينة وأيضا الأعمى يفهم العموم من هذه الألفاظ مع أنه لا يعرف القرائن المبصرة وأما المسموعة فهي منفية لأنا فرضنا الكلام فيمن سمع هذه الألفاظ ولم يسمع شيئا آخر الثامن لما سمع عثمان رضي الله عنه قول لبيد

  13. وكل نعيم لا محالة زائل قال كذبت فإن نعيم الجنة لا يزول فلولا أن قوله أفاد العموم وإلا لما توجه عليه التكذيب والله أعلم

    vol. 2, p. 343الفصل الرابع في أن النكرة في سياق النفي تعم وذلك لوجهين الأول أن الإنسان إذا قال اليوم أكلت شيئا فمن أراد تكذيبه قال ما أكلت اليوم شيئا فذكرهم هذا النفي عند تكذيب ذلك الإثبات يدل على اتفاقهم على كونه مناقضا له ولو كان قوله ما أكلت اليوم شيئا لا يقتضي العموم لما ناقضه لأن السلب الجزئي لا يناقض الإيجاب الجزئي مثاله من كتاب الله أن اليهود لما قالت ما أنزل الله على بشر من شئ قال تعالى قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى وإنما أورد الله تعالى هذا الكلام نقضا لقولهم الثاني لو لم تكن النكرة في النفي للعموم لما كان قولنا لا إله إلا الله نفيا لجميع الآلهة سوى الله تعالى.

  14. تنبيه النكرة في الآيات إذا كانت خبرا لا تقتضي العموم كقولك جاءني رجل وإذا كان أمرا فالأكثرون على أنه للعموم كقوله أعتق رقبة

    vol. 2, p. 344
  15. والدليل عليه أنه يخرج عن عهدة الأمر بفعل أيها كان ولولا أنها للعموم وإلا لما كان كذلك

    vol. 2, p. 345الفصل الخامس في شبه منكري العموم احتجوا بأمور أولها العلم بكون هذه الصيغ موضوعة للعموم إما أن يكون ضروريا وهو باطل وإلا وجب اشتراك العقلاء فيه أو نظريا وحينئذ لا بد فيه من دليل وذلك الدليل إما أن يكون عقليا وهو محال لأنه لا مجال للعقل في اللغات أو نقليا وهو إما أن يكون متواترا أو آحادا والمتواتر باطل وإلا لعرفه الكل والآحاد باطل لأنه لا يفيد إلا الظن والمسألة علمية وثانيها أن هذه الألفاظ مستعملة في الاستغرا لم تارة وفي الخصوص أخرى وذلك يدل على الاشتراك بيان المقدمة الأولى أن القائل اذا قال من دخل داري أهنته أو أكرمته فإنه قلما يريد به العموم وإذا قال لقيت العلماء وقصدت الشرفاء فقد يريد به العموم تارة والخصوص أخرى

    vol. 2, p. 346بيان المقدمة الثانية من وجهين الأول أن الظاهر من استعمال اللفظ في شئ كونه حقيقة فيه إلا أن يدلونا بدليل قاطع على أنهم باستعماله فيه متجوزون لأنا

  16. لو لم نجعل ذلك طريقا إلى كون اللفظ حقيقة في المسمى لتعذر علينا أن نحكم بكون لفظ ما حقيقة في معنى ما إذ لا طريق إلى كون اللفظ حقيقة سوى ذلك الثاني هو أن هذه الألفاظ لو لم تكن حقيقة في الاستغراق والخصوص لكان مجازا في أحدهما واللفظ لا يستعمل في المجاز إلا مع قرينة وذلك خلاف الأصل وأيضا فتلك القرينة إما أن تعرف ضرورة أو نظرا والأول باطل وإلا لامتنع وقوع الخلاف فيه والثاني أيضا باطل لأنا لما نطرنا ابن في أدلة المثبتين لهذه القرينة لم نجد فيها ما يمكن التعويل عليه

    vol. 2, p. 347وثالثها أن هذه الألفاظ لو كانت موضوعة للاستغراق لما حسن أن يستفهم المتكلم به لأن الاستفهام طلب الفهم وطلب الفهم عند حصول المقتضى للفهم عبث لكن من المعلوم أن من قال ضربت كل من في الدار أنه يحسن أن يقال اضربتهم قوله بالكلية وأن يقال أضربت أباك فيهم ورابعها أنها لو كانت للاستغراق لكان تأكيدها عبثا لأنها تفيد عين الفائدة الحاصلة من المؤكد وخامسها أنها لو كانت للاستغراق لكان الاستثناء نقضا وبيانه من وجهين الأول أن المتكلم قد دل على الاستغراق بأول كلامه ثم بالاستثناء رجع عن الدلالة على الكل إلى البعض فكان نقضا وجاريا

  17. مجرى ما يقال ضربت كل من في الدار لم أضرب كل من في الدار الثاني أن لفظة العموم لو كانت موضوعة للاستغراق لجرت لفظة العموم مع الاستثناء مجرى تعديد الأشخاص واستثناء الواحد منهم بعد ذلك في القبح كما اذا قال ضربت زيدا ضربت عمرا وضربت

    vol. 2, p. 348خالدا ثم يقول إلا زيدا فلما لم يكن كذلك دل حسن الاستثناء على أن جنس هذه الصيغ ليست للاستغراق وسادسها أن صيغة من وما وأي في المجازاة يصح إدخال لفظ الكل عليها تارة والبعض أخرى تقول كل من دخل داري فأكرمه بعض من دخل داري فأكرمه ولو دلت تلك الصيغة على الاستغراق لكان إدخال الكل عليها تكريرا وسابعها لو كانت لفظة من للاستغراق لامتنع جمعها لأن الجمع يفيد أكثر مما يفيده الواحد ومعلوم أنه ليس بعد الاستغراق كثرة فيفيدها الجمع لكن يصح جمعها لقول الشاعر أتوا ناري فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاما والجواب عن الأول لا نسلم أنه غير معلوم بالضرورة فإنا بعد

    vol. 2, p. 349استقراء اللغات نعلم بالضرورة أن صيغ كل وجميع ومن وما وأي في الاستفهام والجزاء للعموم سلمناه فلم لا يجوز أن يعرف بالعقل قوله لا مجال للعقل في اللغات

  18. قلنا ابتداء أم بواسطة الاستعانة بمقدمات نقلية الأول مسلم والثاني ممنوع فلم قلت إنه لم توجد مقدمات نقلية يستنتج العقل منها ثبوت الحكم في هذه المسألة سلمناه فلم لا يجوز أن يعرف ذلك بالآحاد قوله المسألة قطعية قلنا لا نسلم كيف وقد بينا أن القطع لا يوجد في اللغات إلا نادرا والجواب عن الثاني لا نزاع في أن هذه الألفاظ قد تستعمل في الخصوص ولكنك إن ادعيت أنه لا يوجد الاستعمال إلا إذا كان حقيقة بطل قولك بالمجاز

    vol. 2, p. 350وإن سلمت أنه قد يوجد الاستعمال حيث لا حقيقة فحينئذ تعذر الاستدلال بالاستعمال على كونه حقيقة فإن قلت أستدل بالاستعمال مع أن المجاز خلاف الأصل على كونه حقيقة فيه قلت قولك المجاز خلاف الأصل لا يفيد إلا الظن وعندك المسألة قطعية يقينية وأيضا فكما أن المجاز خلاف الأصل فكذلك الاشتراك وقد تقدم في كتاب اللغات أنه إذا وقع التعارض بينهما كان دفع الاشتراك أولى وأما قوله أولا لو لم يجعل هذا طريقا إلى كون اللفظ حقيقة لم يبق لنا إليه طريق أصلا

  19. قلنا قد بينا فساد هذا الطريق فإن لم يكن ها هنا طريق آخر إلى الفرق بين الحقيقة والمجاز وجب أن يقال إنه لا طريق إلى ذلك الفرق لأن ما ظهر فساده لا يصير صحيحا لأجل فساد غيره قوله ثانيا ذلك الطريق إما أن يعرف بالضرورة أو بالدليل والضرورة باطلة لوقوع الخلاف والدليل باطل لأنا لم نجد في أدلة الخالفين ما يدل عليه

    vol. 2, p. 351قلنا الضروري لا ينكره الجمع العظيم من العقلاء وقد ينكره النفر اليسير ولا نسلم أن الجمع العظيم من أهل اللغة نازعوا في أن لفظ الكل وأي للعموم سلمنا ذلك لكن لا نسلم أنه لو يوجد ما يدل على كونها مجازا في الخصوص قوله نظرنا في أدلة المخالفين فلم نجد فيها ما يدل على ذلك قلنا عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود واعلم أن الشريف المرتضى عول على هذه الطريقة ومن تأمل كلامه فيها علم أنه في أكثر الأمر يدور على المطالبة بالدلالة على كون هذه الصيغة مجازا في الخصوص مع أنه شرع فيها شروع المستدل على كونها حقيقة في الاستغراق والخصوص والجواب عن الثالث لا نسلم أن حسن الاستفهام لا يكون إلا عند

    vol. 2, p. 352الاشتراك فما الدليل عليه ثم الدليل على أنه قد يكون لغيره وجهان الأول أنه لو كان حسن الاستفهام لأجل الاشتراك لوجب أن لا

  20. يحسن الجواب إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة على ما قررناه في الفصل الأول الثاني أن الاستفهام قد يجاب عنه بذكر ما عنه وقع الاستفهام كما لو قال القائل ضربت القاضي فيقال له أضربت القاضي فيقول نعم ضربت القاضي ولا شك في حسن هذا الاستفهام في العرف فثبت بهذين الوجهين أن الاستفهام قد يحسن لا مع الاشتراك ثم نقول الاستفهام إما أن يقع ممن يجوز عليه السهو أو ممن لا يجوز عليه ذلك والأول قد يحسن لوجوه أربعة أخرى غير الذي ذكروه أحدها أن السامع ربما ظن أن المتكلم غير متحفظ في كلامه أو هو كالساهي فيستفهمه ويستبينه له حتى إن كان ساهيا زال سهوه وأخبره عن تيقظ ولذلك يحسن أن يجاب عن الاستفهام بعين ما وقع عنه الاستفهام

    vol. 2, p. 353وثانيها أن يظن السامع لأجل أمارة أن المتكلم قد أخبر بكلامه العام عن جماعة على سبيل المجازفة ويكون السامع شديد العناية بذلك فتدعوه شدة عنايته إلى الاستفهام عن ذلك الشئ لكي يعلم المتكلم اهتمام السامع به فلا يجازف في الكلام ولهذا قد يقول القائل رأيت كل من في الدار فإذا قيل له أرأيت زيدا فيهم فقال نعم زالت التهمة لأن اللفظ الخاص أقل إجمالا وربما لم يتحقق رؤيته فيدعوه ما رآه من اهتمام المستفهم إلى أن يقول لا أتحقق رؤيته

  21. وثالثها أن يستفهم طلبا لقوة الظن ورابعها أن توجد هناك قرينة تقتضي تخصيص ذلك العموم مثل أن يقول ضربت كل من في الدار وكان فيها الوزير فغلب على الظن أنه ما ضربه فإذا حصل التعارض استفهمه ليقع الجواب عنه بلفظ خاص لا يحتمل التخصيص

    vol. 2, p. 354وأما إن وقع ممن لا يجوز عليه السهو فذاك لأن دلالة الخاص أقوى من دلالة العام فيطلب الخاص بعد العام تحصيلا لتلك القوة والجواب عن الرابع من حيث المعارضة ومن حيث التحقيق أما المعارضة فمن ثلاثة أوجه أحدها تأكيد الخصوص كقولهم جاء زيد نفسه وثانيها تأكيد ألفاظ العدد كقوله تعالى تلك عشرة كاملة وثالثها إن التأكيد تقوية ما كان حاصلا فلو كان الحاصل هو الاشتراك لتأكد ذلك الاشتراك بهذا التأكيد فإن قلت التأكيد يعين اللفظ لأحد مفهوميه قلت هذا لا يكون تأكيدا بل بيانا وأما من حيث التحقيق فهو أن المتكلم إما أن يجوز عليه السهو أو

    vol. 2, p. 355لا يجوز فإجاز ذلك كان حسن التأكيد لوجوه أحدها أن السامع إذا سمع اللفظ بدون تأكيد جوز مجازفة المتكلم فإذا أكده صار ذلك التجويز أبعد

  22. وثانيها أنه ربما حصل هناك ما يقتضي تخصيص العام فإذا اقترن به التأكيد كان احتمال الخصوص أبعد وثالثها تقوية بعض ألفاظ العموم ببعض وأما إن لم يجز السهو على المتكلم لم يكن للتأكيد فائدة إلا تقوية الظن والجواب عن الخامس أنه منقوض بألفاظ العدد فإنها صريحة في ذلك العدد المخصوص ثم يتطرق الاستثناء إليها ثم الفرق بين ما ذكروه من الصورتين وبين مسألتنا ان الاستثناء إذا اتصل بالكلام صار جزءا من الكلام فتصير الجملة شيئا واحدا مفيدا لأنه لا يستقل بنفسه في الإفادة فيجب تعليقه بما يقدم عليه فإذا علقناه به صار جزءا من الكلام فتصير الجملة شيئا واحدا مفيدا وفائدته محمد إرادة ما عدا المستثنى بخلاف قوله ضربت كل من في الدار لم أضرب كل من في الدار لأن ها هنا كل واحد من الكلامين مستقل بنفسه فلا حاجة إلى تعليقه بما تقدم عليه وإذا لم يتعلق به أفاد الأول ضرب جميع من في الدار وأفاد الآخر نفي ذلك فكان نقضا وأما الثاني فنطالبهم بالجامع