٢٩٦ - رسالة الإمام أحمد في الصلاة
66 paragraphs · vol. 1, p. 483
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 483
قال مهنا بن يحيى الشامي: هذا كتاب في الصلاة، وعظم خطرها، وما يلزم الناس من تمامها وأحكامها يحتاج إليه أهل الإسلام، لما قد شملهم من
vol. 1, p. 484الاستخفاف بها، والتضييع لها، ومسابقة الإمام فيها، كتبه أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل -رضي اللَّه عنه- إلى قوم صلى معهم بعض الصلوات:
أي قوم، إني صليت معكم، فرأيت من أهل مسجدكم من سبق الإمام في الركوع والسجود، والرفع والخفض. وليس لمن سبق الإمام صلاة. بذلك جاءت الأحاديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعن أصحابه -رضوان اللَّه عليهم- جاء الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "أما يخاف الذي يرفع رأسه في الإمام أن يحول اللَّه رأسه رأس حمار" (١) وذلك لإساءته صلاته، لأنه لا صلاة له، ولو كانت له صلاة لرجي له الثواب، ولم يخف عليه العقاب: أن يحول اللَّه رأسه رأس حمار، وجاء عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "الإمام يركع قبلكم، ويسجد قبلكم، ويرفع قبلكم" (٢) .
- (١)رواه الإمام أحمد ٢/ ٢٨٠، والبخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧) من حديث أبي هريرة.
- (٢)رواه الإمام أحمد ٤/ ٤٠١، ومسلم (٤٠٤) من حديث أبي موسى، مطولًا، وسيأتي لفظه قريبًا.
-
وجاء عن البراء بن عازب، قال: كنا خلف النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكان إذا انحط من قيامه للسجود، لا يحني أحد منا ظهره حتى يضع رسول اللَّه جبهته على الأرض (٣) ، فكان أصحاب رسول اللَّه يلبثون خلفه قيامًا حتى ينحط النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويكبر ويضح جبهته على الأرض، وهم قيام، ثم يتبعونه.
- (٣)رواه الإمام أحمد ٤/ ٣٠٠، والبخاري (٦٩٠)، ومسلم (٤٧٤).
-
وجاء الحديث عن أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنهم قالوا: لقد كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يستوى قائمًا، وإنا لسجود بعد.
- vol. 1, p. 485
وجاء الحديث عن ابن مسعود أنه نظر إلى من سبق الإمام فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت (١) والذي لم يصل وحده، ولم يقتد بإمامه: فذلك لا صلاة له.
- (١)أورده عدد من الشراح دون تخريج، ولم أقف عليه مسندا.
-
وجاء الحديث عن ابن عمر: أنه نظر إلى من سبق الإمام، فقال له: لا صليت وحدك، ولا صليت مع الإمام. ثم ضربه، وأمره أن يعيد الصلاة (٢) . ولو كانت [له] صلاة عند عبد اللَّه بن عمر ما أوجب عليه الإعادة.
- (٢)السابق.
-
وجاء عن حطان بن عبد اللَّه أنه قال: صلى بنا أبو موسى الأشعري فقال رجل خلفه: أقرنت الصلاة بالبر والزكاة. فلما قضى أبو موسى الصلاة قال: أيكم القائل هذِه الكلمات؟ فأرم القوم، ثم سألهم فأرموا، فقال: لعلك يا حطان قلتها؟ قال: قلت: واللَّه ما قلتها. ولقد خفت أن تبكعني بها، فقال أبو موسى: أما تدرون ما تقولون في صلاتكم؟ إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- علمنا صلاتنا وعلمنا ما نقول فيها، قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) } فقولوا: (آمين) يجبكم اللَّه، وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا، فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم" . فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فتلك بتلك، وإذا رفع رأسه فقال: سمع اللَّه لمن حمده، فارفعوا رءوسكم وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمع اللَّه لكم، وإذا كبر وسجد، فكبروا واسجدوا،
vol. 1, p. 486وإذا رفع رأسه فكبر، فارفعوا رؤوسكم وكبروا ". قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: " فتلك بتلك، وإذا كان في القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات للَّه والصلوات والطيبات حتى تفرغوا من التشهد " (١) .
- (١)رواه الإمام أحمد ٤/ ٣٩٣، ومسلم (٤٠٤).
-
قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا كبر فكبروا " معناه: أن تنتظروا الإمام حتى يكبر ويفرغ من تكبيره وينقطع صوته، ثم تكبرون بعده، والناس يغلطون في هذِه الأحاديث ويجهلونها، مع ما عليه عامتهم من الاستخفاف بالصلاة، والاستهانة بها، فساعة يأخذ الإمام في التكبر يأخذون معه في التكبير، وهذا خطأ، لا ينبغي لهم أن يأخذوا في التكبير حتى يكبر الإمام ويفرغ من تكبيره، وينقطع صوته، وهكذا قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: " إذا كبر الإمام فكبروا " والإمام لا يكون مكبرًا حتى يقول: (اللَّه أكبر) . لأن الإمام لو قال (اللَّه) ثم سكت: لم يكن مكبرًا، حتى يقول: (اللَّه أكبر) . فيكبر الناس بعد قوله: (اللَّه أكبر) . وأخذهم في التكبير مع الإمام خطأ وترك لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لأنك لو قلت: إذا صلى فلان فكلمه، معناه: أن تنتظره حتى إذا صلى وفرغ من صلاته كلمه، وليس معناه: أن تكلمه وهو يصلي، فكذلك معنى قول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: " إذا كبر الإمام فكَبروا". وربما طول الإمام في التكبير، إذا لم يكن له فقه، والذي يكبر معه ربما جزم التكبير، ففرغ من التكبير قبل أن يفرغ الإمام، فقد صار هذا مكبرًا قبل الإمام، ومن كبر قبل الإمام فليست له صلاة؛ لأنه دخل في الصلاة قبل الإمام، وكبر قبل الإمام. فلا صلاة له.
- vol. 1, p. 487
وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا كبر وركع، فكبروا، واركعوا" معناه: أن ينتظروا الإمام حتى يكبر ويركع، وينقطع صوته وهم قيام، ثم يتبعونه.
-
وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فإذا رفع وقال: سمع اللَّه لمن حمده. فارفعوا رءوسكم، وقولوا: اللهم ربنا لك الحمد" . معناه: أن ينتظروا الإمام ويثبتوا ركوعًا حتى يرفع الإمام رأسه، ويقول: سمع اللَّه لمن حمده. وينقطع صوته، وهم ركع، ثم يتبعونه، فيرفعون رءوسهم ويقولون: اللهم ربنا لك الحمد.
-
وقوله: " إذا كبر وسجد فكروا واسجدوا" معناه: أن يكونوا قياما حتى يكبر وينحط للسجود ويضع جبهته على الأرض، وهم قيام، ثم يتبعونه، وكذلك جاء عن البراء بن عازب، وهذا كله موافق لقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الإمام يركع قبلكم، ويسجد قبلكم، ويرفع قبلكم" .
-
وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "وإذا رفع رأسه وكبر، فارفعوا رءوسكم وكبروا" معناه: أن يثبتوا سجودًا حتى يرفع رأسه فيكبر وينقطع الإمام صوته وهم سجود اتبعوه، فرفعوا رءوسهم.
-
وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "فتلك بتلك" يعني انتظاركم إياه قيامًا حتى يكبر ويركع وأنتم قيام، ثم تتبعونه، وانتظاركم إياه ركوعًا حتى يرفع رأسه، ويقول: (سمع اللَّه لمن حمده) . وأنتم ركوع، فإذا قال: (سمع اللَّه لمن حمده) وانقطع صوته، وأنتم ركوع اتبعتموه، فرفعتم رءوسكم، وقلتم: (ربنا لك الحمد) . وقوله: "فتلك بتلك" . في كل رفع وخفض، وهذا تمام الصلاة، فاعقلوه وأبصروه، وأحكموه.
-
واعلموا أن أكثر الناس اليوم ما يكون لهم صلاة؛ لسبقهم الإمام بالركوع والسجود، والرفع والخفض، وقد جاء الحديث قال:
vol. 1, p. 488"يأتي على الناس زمان يصلون ولا يصلون" (١) : وقد تخوفت أن يكون هذا الزمان، لو صليت في مائة مسجد ما رأيت أهل مسجد واحد يقيمون الصلاة على ما جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعن أصحابه رحمة اللَّه عليهم، فاتقوا اللَّه، وانظروا في صلاتكم وصلاة من يصلي معكم.
- (١)لم أقف عليه.
-
واعلموا أن لو رجلًا أحسن الصلاة، فأتمها وأحكمها، ثم نظر إلى من أساء في صلاته وضيعها، وسبق الإمام فيها فسكت عنه، ولم يعلمه في إساءته في صلاته ومسابقته الإمام فيها، ولم ينهه عن ذلك، ولم ينصحه شاركه في وزرها وعارها.
-
فالمحسن في صلاته شريك للمسيء في إساءته، إذا لم ينهه ولم ينصحه، وجاء الحديث عن بلال بن سعد أنه قال: الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تغير ضرت العامة " (٢) . لتركهم ما لزمهم، وما وجب عليهم من التغيير والإنكار على من ظهرت منه الخطيئة، وجاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: " ويل للعالم من الجاهل، حيث لا يعلمه" (٣) فلولا أن تعليم الجاهل واجب على العالم لازم وفريضة، وليس بتطوع ما كان له الويل في السكوت عنه، وفي ترك تعليمه. واللَّه
vol. 1, p. 489تعالى لا يؤاخذ من ترك التطوع، إنما يؤاخذ من ترك الفرائض. فتعليم الجاهل فريضة، فلذلك كان له الويل في السكوت عنه وترك تعليمه. فاتقوا اللَّه تعالى في أموركم عامة، وفي صلاتكم خاصة، واتقوا اللَّه في تعليم الجاهل، فإن تعليمه فريضة واجب لازم، والتارك لذلك مخطئ آثم، فأمروا أهل مسجدكم بإحكام الصلاة وإتمامها، وأن لا يكون تكبيرهم إلا بعد تكبير الإمام، ولا يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم إلا بعد تكبير الإمام، وبعد ركوعه وسجوده ورفعه وخفضه، واعلموا أن ذلك من تمام الصلاة، وذلك الواجب على الناس، واللازم لهم؛ كذلك جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وعن أصحابه رحمة اللَّه عليهم.
- (٢)رواه البيهقي في "شعب الإيمان" ٦/ ٩٩ (٧٦٠١).
- (٣)رواه الديلمي في "الفردوس" ٤/ ٣٩٤ من حديث أنس، مطولًا، وأورده السيوطي في "الجامع" كما في "الفيض" ٦/ ٤٧٦، والمتقي الهندي في "الكنز" (٢٩٠٣٧) مختصرًا ثم عزواه لأبي يعلى في "مسنده"، وقد ضعف العراقي إسناده في "المغني" ١/ ١٤٣ (٥٦٦)، وكذا الألباني في "الضعيفة" (٤٧٥٦) إلا أنه كشف عن علل الضعف، فليراجعه من شاء.
-
ومن العجب أن يكون الرجل في منزله، فيسمع الأذان، فيقوم فزعًا يتهيأ، ويخرج من منزله يريد الصلاة، ولا يريد غيرها ثم لعله يخرج في الليلة المطيرة المظلمة، ويتخبط في الطين، ويخوض الماء وتبتل ثيابه، وإن كان في ليالي الصيف، فليس يأمن العقارب والهوام في ظلمة الليل، ولعله مع هذا أن يكون مريضًا ضعيفًا، فلا يدع الخروج إلى المسجد، فيتحمل هذا كله إيثارًا للصلاة، وحبًّا لها، وقصدًا إليها، لم يخرجه من منزله غيرها، فإذا دخل مع الإمام في الصلاة خدعه الشيطان، فيسابق الإمام في الركوع والسجود والرفع والخفض، خدعًا من الشيطان له؛ لما يريد من إبطال صلاته، وإحباط عمله، فيخرج من المسجد ولا صلاة له.
-
ومن العجب أنهم كلهم يستيقنون أنه ليس أحد ممن خلف الإمام ينصرف من صلاته حتى ينصرف الإمام، وكلهم ينتظرون الإمام حتى يسلم، وهم كلهم -إلا ما شاء اللَّه- يسابقونه في الركوع والسجود
vol. 1, p. 490والرفع والخفض، خدعًا من الشيطان لهم، واستخفافًا بالصلاة منهم، واستهانة بها، وذلك حظهم من الإسلام، وقد جاء الحديث قال: لاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة (١) .
- (١)هو من كلام عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- حين طعن وأيقظوه للصلاة. فقال: نعم. . وذكره. رواه مالك في "الموطأ" ص ٥٠ عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، عنه.
-
فكل مستخفٍ بالصلاة مستهين بها هو مستخفٌّ بالإسلام مستهين به، وإنما حظهم من الإسلام على قدر حظهم من الصَّلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصَّلاة، فاعرف نفسك يا عبد اللَّه، واعلم أنَّ حظَّك من الإسلام وقدر الإسلام عندك بقدر حظِّك من الصَّلاة وقدرها عندك، واحذر أن تلقى اللَّه ولا قدر للإسلام عندك، فإنَّ قدر الإسلام في قلبك كقدر الصَّلاة في قلبك، وقد جاء الحديث عن النبيِّ صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال: "الصلاةُ عمود الإسلام" (٢) ألست تعلم أنَّ الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع بالطنب ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب والأوتاد؟ ! فكذلك الصَّلاة من الإسلام.
- (٢)رواه هناد في "الزهد" ٢/ ٥١٦ (١٠٦٤)، والمروزي في "تعظيم قدر الصلاة" ١/ ٢٢١ (٢٠٠) من حديث أبي ذر قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما تقول في الصلاة؟ قال: "عمود الإسلام". قلت: وقد روي بلفظ آخر: "الصلاة عمود الدين" قال ابن حجر: رواه أبو نعيم -شيخ البخاري- في كتاب "الصلاة" عن حبيب بن سلم، عن بلال بن يحيى قال: جاء رجل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فسأله فقال. . فذكره ثم قال: وهو مرسل رجاله ثقات. "تلخيص الحبير" ١/ ١٧٣.
-
فانظروا -رحمكم اللَّه- واعقلوا، وأحكموا الصَّلاة، واتقوا اللَّه فيها، وتعاونوا عليها، وتناصحوا فيها بالتَّعليم من بعضكم لبعض، والتذكير من
vol. 1, p. 491بعضكم لبعض من الغفلة والنسيان، فإنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قد أمركم أن تعاونوا على البرِّ والتقوى، والصَّلاة أفضل البرِّ، وجاء الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون منه الصَّلاة، وليُصلبن أقوام لا خلاق لهم" (١) وجاء الحديث: "إن أوَّل ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته، فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه سائر عمله، وإن ردّ علاته رد سائر عمله" (٢) فصلاتنا آخر ديننا، وهي أوَّل ما نسأل عنه غدًا من أعمالنا، فليس بعد ذهاب الصَّلاة إسلام ولا دين، فإذا صارت الصَّلاة آخر ما يذهب من الإسلام، فكل شيء يذهب آخره فقد ذهب جميعه، فتمسَّكوا رحمكم اللَّه بآخر دينكم.
- (١)بهذا اللفظ روي موقوفًا عن ابن مسعود -رضي اللَّه عنه-، رواه عبد الرزاق ٣/ ٣٦٣ (٥٩٨١)، وابن أبي شيبة ٧/ ٥٠٥ (٣٧٥٧٤)، والطبراني ٩/ ١٤١ (٨٦٩٩، ٨٧٠٠)، والحاكم ٤/ ٥٠٤، والبيهقي ٦/ ٢٨٩، والخطيب في "تاريخ بغداد" ١٢/ ٨٠. والفقرتان الأوليان رويتا عن أنس مرفوعتين بلفظ: "أول ما تقدون من دينكم الأمانة وآخره الصلاة". رواه القضاعي في "مسند الشهاب، ١/ ١٥٥ (٢١٦، ٢١٧) وغيره، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٧٣٩) بشواهده.
- (٢)بلفظه رواه ابن أبي شيبة ٧/ ٢٦٢ (٣٥٨٩٥) عن تميم بن سلمة من كلامه. ويُروى معناه من حديث أبي هريرة مرفوعًا. رواه الإمام أحمد ٢/ ٢٩٠، وأبو داود (٨٦٤ - ٨٦٥)، والترمذي (٤١٣)، والنسائي ١/ ٢٣٣، وابن ماجه (١٤٢٥). قال البغوي في "شرح السنة" ٤/ ١٥٩ (١٠١٩): هذا حديث حسن. وكذا قال الألباني في "الصحيحة" (١٣٥٨).
-
وليعلم المتهاون بصلاته، المستخفُّ بها، المسابق الإمام فيها أنه لا صلاة له، وأنَّه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه، فعظموا الصَّلاة رحمكم اللَّه، وتمسَّكوا بها، واتقوا اللَّه فيها خاصَّةً، وفي أموركم عاقَةً.
- vol. 1, p. 492
واعلموا أن اللَّه عز وجل قد عظم خطر الصَّلاة في القرآن، وعظم أمرها وشرَّفها، وشرَّف أهلها، وخصَّها بالذكر من بين الطاعات كلها في مواضع من القرآن كثيرة، وأوصى بها خاصةً، فمن ذلك: أن ذكر اللَّه تعالى أعمال البر التي أوجب لأهلها الخلود في الفردوس، فافتتح تلك الأعمال بالصلاة، وختمها بالصلاة، وجعل تلك الأعمال التي جعل لأهلها الخلود في الفردوس بين ذكر الصلاة مرتين، قال اللَّه تعالى: {قَدْ أَفلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} فبدأ من صفتهم بالصَّلاة عند مديحه إيَّاهم، ثمَّ وصفهم بالأعمال الطاهرة الزاكية المرضية، إلى قوله عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) } فأوجب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لأهل هذِه الأعمال الشريفة الزَّاكية المرضية الخلود في الفردوس، وجعل هذِه الأعمال بين ذكر الصلاة مرقين، ثم عاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الناس كلهم وذمهم، ونسبهم إلى اللوم والهلع والجزع، والمنع للخير، إلا أهل الصَّلاة، فإنَّه استثناهم منهم، فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) } ثم استثنى المصلِّين منهم، فقال: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥) } ثم وصفهم بالأعمال الزاكية الطاهرة المرضية الشريفة، إلى قوله: {وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣) } ثم ختم بثنائه عليهم ومدحهم، بأن ذكرهم بمحافظتهم على الصَّلاة. فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥) } فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة في الجنة. وافتتح ذكر هذِه الأعمال بالصلاة وختمه بالصلاة. فجعل ذكر هذِه الأعمال بين ذكر الصَّلاة مرتين.
- vol. 1, p. 493
ثم ندب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى الطاعة كلها جملةً وأفرد الصَّلاة بالذكر من بين الطاعة كلها، والصلاة هي من الطاعة، فقال عَزَّ وَجَلَّ: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} ففي تلاوة الكتاب فعل جميع الطاعة، واجتناب جميع المعصية. فخصَّ الصَّلاة بالذِّكر، فقال: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} وإلى الصَّلاة خاصَّة ندبه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقال: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ} فأمره أن يأمر أهله بالصَّلاة ويصطبر عليها. ثمَّ أمر اللَّه تعالى جميع المؤمنين بالاستعانة على طاعته كلها بالصبر، ثمَّ خصَّ الصَّلاة بالذكر من بين الطاعة كلها فقرنها مع الصبر بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) } فكذلك أمر اللَّه تعالى بني إسرائيل بالاستعانة بالصبر والصلاة على جميع الطاعة، ثم أفرد الصَّلاة من بين الطاعة. فقال: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) }.
-
ومثل ذلك ما أخبر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ به من حكمه ووصيته خليله إبراهيم ولوطًا وإسحاق ويعقوب، فقال: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) } - إلى قوله: - {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا} إلى قوله: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} - إلى قوله: - {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ} فذكر الخيرات كلها جملةً، وهي جميع الطاعات واجتناب جميع المعصية.
-
وأفرد الصلاة بالذكر، وأوصاهم بها خاصة، ومثل ذلك: ما أخبر عن إسماعيل في قوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) } فبدأ بالصلاة، ومثل ذلك عن نجيِّه موسى عليه السلام في قوله: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) } إلى قوله: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) } فأجمل الطاعة واجتناب المعصية في قوله لموسى:
vol. 1, p. 494{فَاعْبُدْنِي} ، وأفرد الصَّلاة وأمر بها خاصةً، وقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} والتمسك بالكتاب يأتي على جميع الطاعة، واجتناب جميع المعصية، ثمَّ خصَّ الصلاة بالذكر، فقال: {وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} وإلى تضييع الصَّلاة نسب اللَّه من أوجب له العذاب قبل المعاصي فقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) } فمن اتباع الشهوات ركوب جميع المعاصي، فنسبهم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إلى جميع معصيته في تضييع الصلاة، فهذا ما أخبر اللَّه تعالى به من آي القرآن، من تعظيم الصَّلاة، وتقديمها بين يدي الأعمال كلَّها، وإفرادها بالذكر من بين جميع الطاعات. والوصيَّة بها دون أعمال البرِّ عامةً، فالصَّلاة: خطرها عظيم، وأمرها جسيم.
-
وبالصلاة أمر اللَّه تبارك وتعالى رسوله، أول ما أوحي إليه بالنبوة قبل كل عمل، وقبل كل فريضة، وبالصلاة أوصى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند خروجه من الدنيا فقال: "اللَّه اللَّه في الصلاة وفيما ملكت أيمانكم" (١) في آخر وصيته إياهم، وجاء الحديث أنها آخر وصية كل نبي لأمته، وآخر عهده إليهم عند خروجه من الدنيا. وجاء في حديث آخر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنه كان يجود بنفسه ويقول: "الصلاة الصلاة الصلاة" (٢) .
- (١)رواه الإمام أحمد ١/ ٧٨ من حديث علي -رضي اللَّه عنه- ولفظه: كان آخر كلام رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "الصلاة الصلاة، اتقوا اللَّه فيما ملكت أيمانكم". كما رواه بنحوه من حديث أنس -رضي اللَّه عنه-٣/ ١١٧، وعن أم سلمة -رضي اللَّه عنهما- ٦/ ٣١١، وفي الباب عن غيرهم بألفاظ متقاربة، وقال البوصيري في "الزوائد" ص ٣٦٥ عن رواية أنس: هذا حديث حسن. وكذا صححه الألباني في "الإرواء" (٢١٧٨) وتكلم على الحديث بشيء من التفصيل، فليراجعه من شاء.
- (٢)يراجع التخريج السابق.
- vol. 1, p. 495
فالصلاة أول فريضة فرضت عليهم، وهي آخر ما أوصى به أمته، وآخر ما يذهب من الإسلام، وهي أول ما يسأل عنه العبد من عمله يوم القيامة، وهي عمود الإسلام، وليس بعد ذهابها دين، ولا إسلام، فاللَّه اللَّه في أموركم عامةً، وفي صلاتكم خاصَّة، فتمسكوا بها، واحذروا تضييعها والاستخفاف بها، ومسابقة الإمام فيها، وخداع الشيطان أحدكم عنها، وإخراجه إياكم منها، فإنَّها آخر دينكم، ومن ذهب آخر دينه فقد ذهب دينه كله، فتمسكوا بآخر دينكم.
-
وأمُر يا عبد اللَّه الإمام أن يهتم بصلاته، ويُعْنى بها ويتمكن؛ ليتمكنوا إذا ركع وسجد، فإنِّي صليت يومئذٍ، فما استمكنت من ثلاث تسبيحات في الركوع ولا ثلاث في السجود وذلك؛ لعجلته، لم يمكن ولم يستمكن، وعجَّل، فأعلمه أنَّ الإمام إذا أحسن الصَّلاة كان له أجر صلاته، ومثل أجر من يصلي خلفه، وإذا أساء كان عليه وزر إساءته، ووزر من يصلي خلفه، وجاء الحديث عن الحسن البصري أنه قال: التسبيح التام سبع، والوسط من ذلك خمس، وأدناه ثلاث تسبيحات (١) .
- (١)رواه ابن أبي شيبة ١/ ٢٢٥ (٢٥٦٨).
-
وأدنى ما يسبح الإمام في الرُّكوع: (سبحان ربي العظيم) ثلاث مرات، وفي السجود: (سبحان ربي الأعلى) ثلاث مرات، وإذا سبح في الركوع والسجود ثلاثًا ثلاثًا. فينبغي له أن لا يعجل بالتسبيح، ولا يسرع فيه، ولا يبادر، وليكن بتمام من كلامه وتأد وتمكن، فإنه إذا عجل بالتسبيح وبادر به لم يدرك من خلفه التسبيح، وصاروا مبادرين إذا بادر، وسابقوه، ففسدت صلاتهم، فكان عليه مثل وزرهم جميعًا، وإذا لم
vol. 1, p. 496يبادر الإمام وتمكن، وأتمَّ صلاته وتسبيحه أدرك من خلفه ولم يبادروا؛ فيكون الإمام قد قضى ما عليه، وليس عليه إثم ولا وزر.
-
وأمره إذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع اللَّه لمن حمده. يثبت قائمًا معتدلًا حتَّى يقول: ربنا ولك الحمد. وهو قائم معتدل، من غير عجلة في كلامه ولا مبادرة، وإن زاد على ذلك فقال: ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض. كان أحبَّ إليَّ؛ لأنَّه جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنَّه رفع رأسه فقال: "ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد" (١) وهذا لا يكاد يُطمع فيه اليوم من النَّاس. وجاء عن أنس قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رفع رأسه من الرُّكوع يقوم، حتَّى يقال: قد نسي (٢) . وما في هذا مطمع من الناس اليوم ولكن ينبغي للإمام أن لا يبادر إذا رفع رأسه من الرُّكوع، ولا يعجل بقوله: (ربنا ولك الحمد) . وليكن ذلك بتمام من كلامه، وتمكن وتأن من غير عجلة ولا مبادرة؛ حتى يدرك الناسُ معه.
- (١)رواه الإمام أحمد ١/ ٢٧٠ مختصرًا، ومسلم (٤٧٨) بتمامه، كلاهما من حديث ابن عباس، وفي الباب عن أبي سعيد الخدري رواه مسلم أيضًا (٤٧٧).
- (٢)رواه الإمام أحمد ٣/ ١٧٢، والبخاري (٨٠٠)، ومسلم (٤٧٢).
-
وإذا سجد ورفع رأسه من السُّجود فليعتدل جالسًا، وليثبت بين السجدتين شيئًا بقدر ما يقول: (رب اغفر لي) . من غير عجلة؛ حتى يدركه النَّاس قبل أن يسجد الثانية، ولا يبادر، فساعة يرفع رأسه من السجدة الأولى يعود ساجدًا، فيبادر النَّاسُ لمبادرتهم، ويقعون في المسابقة، فتذهب صلاتهم، ويلزم الإمام وزر ذلك وإثمه، فإن النَّاس
vol. 1, p. 497إذا علموا أنه يثبت ثبتوا، ولم يبادروا، وقد جاء الحديث: أنَّ كلَّ مصل راع ومسئول عن رعيته (١) .
- (١)لم أقف عليه.
-
وقد قيل: إنَّ الإمام راع لمن يصلي بهم، فما أولى بالإمام النصيحة لمن يصلي خلفه، وأن ينهاهم عن المسابقة في الركوع والسجود، وأن لا يركعوا ويسجدوا مع الإمام، بل يأمرهم بأن يكون ركوعهم وسجودهم ورفعهم وخفضهم بعده، وأن يحسن أدبهم وتعليمهم؛ إذ كان راعيًا لهم. وكان غدًا مسئولًا عنهم، وما أولى بالإمام أن يحسن صلاته، ويتمها ويحكمها، وتشتد عنايته بها، إذ كان له مثل أجر من يصلي خلفه إذا أحسن، وعليه مثل وزرهم إذا أساء.
-
ومن الحق الواجب على المسلمين: أن يقدموا خيارهم، وأهل الدين والفضل منهم، وأهل العلم باللَّه تعالى، الذين يخافون اللَّه ويراقبونه، وقد جاء الحديث: "إذا أم بالقوم رجل، وخلفه من هو أفضل منه، لم يزالوا في سفال" (٢) وجاء الحديث: "اجعلوا أمر دينكم إلى فقهائكم، وأئمتكم قراؤكم" (٣) وإنما معناه: الفقهاء والقراء أهل الدين والفضل والعلم
vol. 1, p. 498باللَّه، والخوف من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، الذين يعنون بصلاتهم وصلاة من خلفهم، ويتقون ما يلزمهم من وزر أنفسهم ووزر من خلفهم، إن أساءوا في صلاتهم، ومعنى القراء: ليس على الحفظ للقرآن، فقد يحفظ القرآن من لا يعمل به، ولا يعبأ بدينه، ولا بإقامة حدود القرآن، وما فرض اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عليه فيه، وقد جاء الحديث: إن أحق النَّاس بهذا القرآن من كان يعمل به، وإن كان لا يقرأ (١) . فالإمامة بالنَّاس، المقدَّم بين أيديهم في الصلاة بهم على الفضل، فليس للناس أن يقدموا بين أيديهم إلا أعلمهم باللَّه، وأخوفهم له، ذلك واجب عليهم، ولازم لهم، فتزكوا صلاتهم، وإن تركوا ذلك لم يزالوا في سفال وإدبار، وانتقاص في دينهم، وبعد من اللَّه، ومن رضوانه، ومن جنته.
- (٢)رواه العقيلي في "الضعفاء" ٤/ ٣٥٥، والطبراني في "الأوسط" ٥/ ٢٨ (٤٥٨٢)، وابن عدي في "الكامل" ٣/ ٢٧٠ من حديث ابن عمر مرفوعًا، قال الهيثمي في "المجمع" ٢/ ٦٤: فيه الهيثم بن عقاب، قال الأزدي: لا يعرف، قلت: ذكره ابن حبان في "الثقات". اهـ وقال الألباني في "الضعيفة" (١٤١٥): ضعيف جدًّا. ثم أخذ يناقش علله.
- (٣)لم أهتد إليه هكذا، لكن يعضد محل الشاهد -"أئمتكم قراؤكم"- ما رواه مسلم (٦٧٣) من حديث أبي مسعود الأنصاري أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: "يؤم القوم أقرؤهم. . " الحديث، وبنحوه أيضًا برقم (٦٧٢) من حديث أبي سعيد الخدري.
- (١)رواه الخطيب في "اقتضاء العلم العمل" (١٠٩) موقوفًا عن عمر -رضي اللَّه عنه- لكن: لا يغرركم من قرأ القرآن، إنما هو كلام نتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به.
-
فرحم اللَّه قومًا عنوا بصلاتهم، وعنوا بدينهم، فقدَّموا خيارهم، واتبعوا في ذلك سنَّة نبيهم -صلى اللَّه عليه وسلم-، وطلبوا بذلك القربة إلى ربهم عَزَّ وَجَلَّ.
-
وأْمُرْ يا عبد اللَّه الإمام أن لا يكبر -أول ما يقوم مقامه للصلاة- حتى يلتفت يمينًا وشمالًا، فإن رأى الصف معوجًّا والمناكب مختلفة أمرهم أن يسووا صفوفهم وأن يحاذوا مناكبهم، فإن رأى بين كلِّ رجلين فرجة أمرهم أن يدنوا بعضهم من بعض، حتى تماسَّ مناكبهم.
-
واعلم أنَّ اعوجاج الصفوف واختلاف المناكب ينقص من الصلاة، وأنَّ الفرجة التي تكون بين كل رجلين تنقص من الصلاة، فاحذروا ذلك، وقد جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "رصوا الصفوف، وحاذوا
vol. 1, p. 499المناكب، وسدوا الخلل، لا يقوم بينكم مثل أولاد الحذف - يعني: أولاد الغنم الصغار- من الشياطين " (١) وقد جاء الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنه كان إذا قام مقامه للصلاة لم يكبر حتى يلتفت يمينًا وشمالًا، فيأمرهم بتسوية مناكبهم، ويقول: " لا تختلفوا، فتختلف قلوبكم " (٢) وقد جاء عنه -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنه التفت يومًا، فرأى رجلًا قد خرج صدره من الصف، فقال: " لتسون منابكم، أو ليخالفن اللَّه بين قلوبكم" (٣) فتسوية الصفوف، ودنوُّ الرجال بعضهم من بعض من تمام الصلاة، وترك ذلك نقص في الصلاة، وجاء الحديث عن عمر أنه كان يقوم مقام الإمام، ثم لا يكبر حتى يأتيه رجل قد وكله بإقامة الصفوف، فيخبره أنهم قد استووا، فيكبر (٤) . وجاء عن عمر بن عبد العزيز مثل ذلك. وروي: أن بلالًا كان يسوي الصفوف، ويضرب عراقيبهم بالدرة، حتى يستووا (٥) .
vol. 1, p. 500قال بعض العلماء: وقد يشبه أن يكون هذا من بلال على عهد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- عند إقامته، قبل أن يدخل في الصلاة؛ لأن الحديث جاء عن بلال أنَّه لم يؤذن لأحد بعد النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- إلا يومًا واحدًا؛ إذ أتى مرجعه من الشام، ولم يكن للنَّاس عهد بأذانه حينًا، فطلب إليه أبو بكر وأصحاب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأذن، فلمَّا سمع أهل المدينة صوت بلال ذكروا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، بعد طول عهدهم بأذان بلال وصوته: جدد ذلك في قلوبهم أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، وشوقهم أذانه إليه، حتى قال بعضهم: بعث النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، شوقًا منهم إلى رؤيته، ولما هيجهم بلال عليه بأذانه وصوته، فرقوا عند ذلك وبكوا واشتد بكاؤهم عليه -صلى اللَّه عليه وسلم- حتَّى خرج العواتق من بيوتهن شوقًا إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين سمعن صوت بلال وأذانه، وذِكْر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولما قال بلال: (أشهد أن محمدًا رسول اللَّه) . امتنع بلال من الأذان فلم يقدر عليه، وقال بعضهم: سقط مغشيًّا عليه (١) ؛ حبًّا للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وشوقًا إليه، فرحم اللَّه بلالًا والمهاجرين والأنصار، وجعلنا وإياكم من التابعين لهم بإحسان.
- (١)رواه الإمام أحمد ٢/ ١٦٢، والطبراني ٨/ ١٧٤ (٧٧٢٧) من حديث أبي أمامة مطولًا، قال المنذري كما في "صحيح الترغيب" (٤٩١) رواه الإمام أحمد بإسناد لا بأس به، والطبراني وغيره. اهـ وقال الهيثمي في "المجمع" ٢/ ٩١: رجال أحمد موثقون. اهـ قلت: وفي تسوية الصفوف أحاديث كثيرة عند البخاري (٧١٨) وما بعده، وعند مسلم (٤٣٢) وما بعده.
- (٢)رواه الإمام أحمد ٤/ ١٢٢، ومسلم (٤٣٢) من حديث أبي مسعود، ورواه الإمام أحمد أيضًا ٤/ ٤٧١، والبخاري (٧١٧)، ومسلم (٤٣٦) من حديث النعمان بن بشير بلفظ: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن اللَّه بين وجوهكم".
- (٣)يراجع المصدر السابق.
- (٤)رواه عبد الرزاق ٢/ ٤٧ (٢٤٣٧).
- (٥)قال العراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" ١/ ١٤٣ (٥٦٧): لم أجده.
- (١)رواها ابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٧/ ١٣٧ وذكرها ابن الأثير في "أسد الغابة" ١/ ٢٤٤، ٢٤٥ وقال الحافظ في "لسان الميزان" ١/ ١٥٧ - ١٥٨: وهي قصة بيَّنة الوضع.
-
فاتقوا اللَّه معشر المسلمين، وأحكموا صلاتكم، والزموا فيها سنة
نبيكم وأصحابه وعليهم أجمعين، فإن ذلك هو الواجب عليكم
واللازم لكم، وقد وعد اللَّه تعالى من اتبعهم، رضوانه والخلود في
جنته، قال اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ
vol. 1, p. 501بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) }؛ فاتباع المهاجرين والأنصار واجب على النَّاس إلى يوم القيامة.
-
وجاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان له سكتتان؛ سكتة عند افتتاح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من القراءة (١) ، وكان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يسكت إذا فرغ من القراءة قبل أن يركع، حتى يتنفس، وأكثر الأئمة على خلاف ذلك. فأمره يا عبد اللَّه، إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع، وخصلة قد غلب عليها النَّاس في صلاتهم إلا ما شاء اللَّه، من غير علَّة، وقد يفعله شبابهم وأهل القوة والجلد منهم، ينحط أحدهم من قيامه للسُّجود ويضع يديه على الأرض قبل ركبتيه، وإذا نهض من سجوده أو بعد ما يفرغ من التشهُّد يرفع ركبتيه من الأرض قبل يديه، وهذا خطأ، وخلاف ما جاء عن الفقهاء، وإنما ينبغي له إذا انحط من قيامه للسجود أن يضع ركبتيه على الأرض، ثم يديه، ثم جبهته، وإذا نهض رفع رأسه، ثم يديه، ثم ركبتيه، بذلك جاء الأثر عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) ، فأمروا بذلك، وانهوا عنه من رأيتم يفعل خلاف ذلك، وأمُروه أن ينهض إذا نهض على صدور قدميه، ولا يقدم
vol. 1, p. 502إحدى رجليه، فإن ذلك مكروه، وقد جاء عن عبد اللَّه بن عباس وغيره أن تقديم إحدى الرجلين إذا نهض يقطع الصَّلاة (١) .
- (١)رواه الإمام أحمد ٥/ ١٥، وأبو داود (٧٧٩) والترمذي (٢٥١)، وحسنه وابن ماجه (٨٤٤، ٨٥٥)، وصححه ابن خزيمة (١٥٧٨) من حديث سمرة بن جندب، وانظر "صفة الصلاة" ص ١٢٨.
- (٢)رواه أبو داود (٧٣٦)، والترمذي (٢٦٨) والنسائي ٢/ ٢٠٧، وابن ماجه (٨٨٢)، من حديث وائل بن حجر، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. . والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، يرون أن يضع الرجل ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه. اهـ والحديث ضعفه الألباني في "ضعيف ابن ماجه" (١٨٥).
- (١)ذكره البيهقي في "السنن" ٢/ ٢٨٨.
-
ويستحبُّ للمصلّي أن يكون بصره إلى موضع سجوده، ولا يرفع بصره إلى السَّماء، ولا يلتفت، فاحذروا الالتفات فإنه مكروه، وقد قيل: يقطع الصلاة، وإذا سجد فليرفع أصابع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وهو ساجدٌ، ويضمُّ أصابعه، ويوجهها نحو القبلة، ويبدي مرفقيه وساعديه، ولا يلزقهما بجنبه، جاء الحديث عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنه كان إذا سجد لو مرت بهمة تحت ذراعيه لنفذت (٢) ؛ وذلك لشدة مبالغته في رفع مرفقيه وضبيعه، وجاء عن أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنهم قالوا: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا سجد جافى بين ضبعيه (٣) ، فأحسنوا السّجود -رحمنا اللَّه وإياكم- ولا تضيعوا شيئًا، فقد جاء في الحديث: "إن العبد يسجد على سبعة أعضاء، فأي عضو منها ضيعه لم يزل ذلك العضو يلعنه" (٤) .
- (٢)رواه الإمام أحمد ٦/ ٣٣١، ومسلم (٤٩٦) من حديث ميمونة -رضي اللَّه عنها-.
- (٣)رواه البيهقي ٢/ ١١٤ عن عبد اللَّه بن مالك بن بحينة، بنحوه.
- (٤)الذي وقفت عليه رواه الإمام أحمد ١/ ٢٥٥، والبخاري (٨٠٩)، ومسلم (٤٩٠)، من حديث ابن عباس بلفظ: أمر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يسجد على سبعة أعظم ولا يكف شعرًا ولا ثوبًا. . الحديث.
-
وينبغي له إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه، ويسوي ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، فقد جاء عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: أنه كان إذا ركع لو كان قدح من ماء على ظهره ما تحرك من موضعه (٥) ؛ وذلك لاستواء ظهره، ومبالغته في ركوعه -صلى اللَّه عليه وسلم-.
- (٥)رواه عبد اللَّه بن أحمد في زوائد "المسند" ١/ ١٢٣ وجادة من حديث علي، قال الهيثمي = = في "المجمع" ٢/ ١٢٣: فيه رجل لم يسم، وسنان بن هارون اختلف فيه. اهـ. وقد رواه الطبراني في "الصغير" ١/ ٤٤ (٣٦) عن أنس، وقال الهيثيمي في "المجمع" ٢/ ١٢٣ فيه محمد بن ثابت، وهو ضعيف. اهـ
- vol. 1, p. 503
فأحسنوا صلاتكم -رحمكم اللَّه- وأتموا ركوعها وسجودها وحدودها، فإنه جاء الحديث: "إن العبد إذا صلَّى فأحسن الصلاة صعدت ولها نور، فإذا انتهت إلى أبواب السماء، فتحت لها أبواب السماء، وتشفع لصاحبها، وتقول: حفظك اللَّه كما حفظتني، وإذا أساء في صلاته، فلم يتم ركوعها وسجودها وحدودها صعدت ولها ظلمة فتقول: ضيَّعك اللَّه كما ضيعتني، فإذا انتهت إلى أبواب السَّماء غلقت أبواب السماء دونها، تم لفت كما يلف الثوب الخلق، فيضرب بها وجه صاحبها" (١) .
- (١)رواه أبو داود الطيالسي ١/ ٤٧٩ (٥٨٦)، والطبراني في "مسند الشاميين" ١/ ٢٣٩ (٤٢٧)، والبيهقي في "الشعب" ٣/ ١٤٣ (٣١٤٠) عن عبادة بن الصامت، وقال الهيثيمي في "المجمع" ٢/ ١٢٢: فيه الأحوص بن حكيم، وثقه ابن المديني والعجلي وضعفه جماعة، وبقية رجاله موثقون. اهـ. ورواه الطبراني في "الأوسط" ٣/ ٢٦٣ (٣٠٩٥) عن أنس، قال الهيثيمي في المجمع ٢/ ٣٠٢: فيه عباد بن كثير، وقد أجمعوا على ضعفه.