٧٧ - باب: الرؤية
8 paragraphs · vol. 1, p. 368
- vol. 1, p. 368
فصل: مناظرة الإمام للجهمية في النظر إلى وجه اللَّه يوم القيامة
قال الإمام أحمد رحمه اللَّه: فقلنا لهم: لم أنكرتم أن أهل الجنة ينظرون إلى ربهم؟ فقالوا: لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى ربه؛ لأن المنظور إليه معلوم موصوف، لا يرى، إلا شيء يفعله. فقلنا: أليس اللَّه يقول: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) } [القيامة: ٢٢ - ٢٣] .
فقالوا: إن معنى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) } أنها تنتظر الثواب من ربها، وإنما ينظرون إلى فعله وقدرته؛ وتلوا آية من القرآن: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} ، فقالوا: إنه حين قال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ} [الفرقان: ٤٥] إنهم لم يروا ربهم، ولكن المعنى: أَلَمْ تَرَ إِلَى فعل رَبِّكَ. فقلنا: إن فعل اللَّه لم يزل العباد يرونه، وإنما قال: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) }.
فقالوا: إنما تنظر الثواب من ربها.
-
فقلنا: إنها مع ما تنتظر الثواب هي ترى ربها.
فقالوا: إن اللَّه لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة.
-
وتلوا آية من المتشابه من قول اللَّه جل ثناؤه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) } [الأنعام: ١٠٣] . وقد كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يعرف معنى قول اللَّه: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} وقال: "إنكم سترون ربكم" (١) .
vol. 1, p. 369وقال لموسى: {لَنْ تَرَانِي} . ولم يقل: لن أرى، فأيهما أولى أن نتبع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حين قال: "إنكم سترون ربكم" . أو قول الجهمي حين قال: لا ترون ربكم؟ والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أهل الجنة يرون ربهم لا يختلف فيها أهل العلم.
- (١)رواه الإمام أحمد ٤/ ٣٦٠، والبخاري (٥٥٤)، ومسلم (٦٣٣/ ٢١١) من حديث جرير بن عبد اللَّه البجلي.
-
ومن حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد في قول اللَّه: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: ٢٦] . قال: النظر إلى وجه اللَّه (١) .
- (١)رواه الطبري في "التفسير" ٦/ ٥٤٩ (١٧٦٢٧)، والدارمي في "الرد على الجهمية" ١/ ١١٨ (١٩١)، وابن منده في "الرد على الجهمية" ١/ ٥١ (٨٣).
-
ومن حديث ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "إذا استقر أهل الجنة في الجنة نادى منادٍ: يا أهل الجنة، إن اللَّه قد أذن لكم في الزيادة، قال: فيكشف الحجاب (فينظرون) (٢) إلى اللَّه لا إله إلا هو" (٣) .
- (٢)في "الرد على الجهمية": (فينتظرون)، والمثبت هو الصواب، واللَّه أعلم.
- (٣)رواه الإمام أحمد ٤/ ٣٣٢، ومسلم (١٨١) من هذا الطريق عن صُهيب -رضي اللَّه عنه- مرفوعًا.
-
وإنا لنرجو أن يكون الجهم وشيعته ممن لا ينظرون إلى ربهم، ويحجبون عن اللَّه، لأن اللَّه قال للكفار: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) } [المطففين: ١٥] فإذا كان الكافر يحجب عن اللَّه، والمؤمن يحجب عن اللَّه، فما فضل المؤمن على الكافر؟
-
والحمد للَّه الذي لم يجعلنا مثل جهم وشيعته، وجعلنا ممن اتبع، ولم يجعلنا ممن ابتدع، والحمد للَّه وحده.
-
"الرد على الجهمية والزنادقة" ص ١٢٧ - ١٢٩