٨٦ - فصل: محنة الإمام مع المعتصم

76 paragraphs · vol. 1, p. 440

Page 1 of 2

  1. قال أبو الفضل: قال أبي رحمه اللَّه: لما كان في شهر رمضان ليلة تسع عشرة خلت منه، حولت من السجن إلى دار إسحاق بن إبراهيم، وأنا مقيد بقيد واحد، يوجه إلي كل يوم رجلين -سماهما أبي، قال أبو الفضل: وهما أجمد بن رباح وأبو شعيب -الحجام- يكلماني ويناظراني، فإذا أرادا الانصراف، دعي بقيد فقيدت فمكثت على هذِه الحال ثلاثة أيام، وصار في رجلي أربعة أقياد.

    vol. 1, p. 440
  2. فقال لي أحدهما في بعض الأيام في كلام دار، وسألته عن علم اللَّه؟

    فقال: علم اللَّه مخلوق. قلت: يا كافر، كفرت.

  3. فقال لي الرسول الذي كان يحضر معهم من قبل إسحاق: هذا رسول أمير المؤمنين.

    قال: فقلت: إن هذا قد كفر. وكان صاحبه الذي يجيء معه خارجًا، فلما دخل قلت: إن هذا زعم أن علم اللَّه مخلوق.

  4. فنظر إليه كالمنكر عليه. قال: ثم انصرف.

    قال أبي: وأسماء اللَّه في القرآن، والقرآن من علم اللَّه، فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن زعم أن أسماء اللَّه مخلوقة فقد كفر.

    قال أبي: فلما كان الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة وجه - يعني: المعتصم- ببغا (١) إلى إسحاق يأمره بحملي، فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسك، إنه قد حلف ألا يقتلك بالسيف،

    vol. 1, p. 441وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قال اللَّه تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟

    قال أبي: فقلت: فقد قال اللَّه تعالى: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} أفخلقهم؟ !

    قال: فقال: اذهبوا به. قال أبي: فأنُزلت إلى شاطئ دجلة، فأحدرت إلى الموضع المعروف بباب البستان، ومعي بغا الكبير ورسول من قبل إسحاق، فقال بغا لمحمد الحارس بالفارسية: ما يريدون من هذا؟

    قال: يريدون منه أن يقول: القرآن مخلوق.

    فقال: ما أعرف شيئا من هذا إلا قول: لا إله إلا اللَّه، وأن محمدا رسول اللَّه، وقرابة أمير المؤمنين من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    قال أبي: فلما صرنا إلى الشط، أخرجت من الزورق، وحملت على دابة، والأقياد عليَّ، وما معي أحد يمسكني، فجعلت أكاد أخِرُّ على وجهي حتى انتهى بي إلى الدار، فأُدخلت ثم خُرج بي إلى حجرة، فصيرت في بيت منها، وأغلق علي الباب، وأقعد عليه رجل، وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فاحتجت إلى الوضوء، فمددت يدي أطلب شيئا، فإذا بإناء فيه ماء وطست، فتهيأت للصلاة، وقمت أصلي.

    1. (١)بغا: أحد الأتراك من حاشية المعتصم.
  5. فلما أصبحت جاءني الرسول، فأخذ بيدي فأدخلني الدار، وإذا هو جالس، وابن أبي دؤاد حاضر، وقد جمع أصحابه والدار غاصة بأهلها، فلما دنوت منه سلمت، فقال: أدنه، أدنه.

  6. فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس. فجلست. وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت هنيهة، قلت: تأذن في الكلام.

    قال: تكلم. قلت: إلامَ دعا إليه رسوله؟

    vol. 1, p. 442قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه.

    قال: فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه.

    قال: ثم قلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرهم بالإيمان باللَّه تعالى، فقال: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ؟ " قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعلم.

    قَالَ: "شَهَادَةُ أَن لَا إله إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَن تُعْطُوا الخُمُسَ مِنْ المَغْنَمِ" .

    قال أبو الفضل: حدثني أبي قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: حدثني أبو جمرة قال: سمعت ابن عباس -رضي اللَّه عنه- قال: إن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أمرهم بالإيمان (١) ، فذكر مثل ذلك.

    قال أبو الفضل: قال أبي: فقال لي عند ذلك: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك، ثم التفت إلى عبد الرحمن بن إسحاق فقال له: يا عبد الرحمن، ألم آمرك أن ترفع المحنة؟

    قال أبي: فقلت في نفسي: اللَّه أكبر، إن في هذا لفرجا للمسلمين.

    قال: ثم قال: ناظروه، وكلموه. ثم قال: يا عبد الرحمن، كلمه.

    فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟

    قلت: ما تقول في علم اللَّه؟ قال: فسكت.

    قال أبي: فجعل يكلمني هذا وهذا، فأرد على هذا، ثم أقول: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئًا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله أقول به.

    1. (١)رواه الإمام أحمد ١/ ٢٢٨ بهذا الإسناد، ورواه البخاري (٥٣)، ومسلم (١٧).
  7. فيقول لي ابن أبي دؤاد: وأنت لا تقول إلا كما في كتاب اللَّه أو سنة

    vol. 1, p. 443رسوله! قال: فقلت له: تأولت تأويلًا فأنت أعلم، وما تأولت ما يحبس عليه ويقيد عليه.

    قال: فقال ابن أبي دؤاد: فهو واللَّه يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع يا أمير المؤمنين، وهؤلاء قضاتك والفقهاء فسلهم.

    قال: فيقول لهم: ما تقولون؟

  8. فيقولون: يا أمير المؤمنين، هو ضال مضل مبتدع.

    قال: فلا يزالون يكلموني. وقال: وجعل صوتي يعلو على أصواتهم، فقال لي إنسان منهم: قال اللَّه تعالى {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: ٢] فيكون محدثًا إلا مخلوقًا.

    قلت له: قال اللَّه تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: ١] فالذكر هو القرآن، وتلك ليس فيها ألف ولام.

    قال: فجعل ابن سماعة لا يفهم ما أقول.

    قال: فجعل يقول لهم ما يقول؟ قال: فقالوا: إنه يقول كذا وكذا.

    قال: فقال لي إنسان منهم: حديث خباب: يا هنتاه، تقرب إلى اللَّه بما استطعت؛ فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه (١) .

    قال: فقلت: نعم هكذا هو.

    قال: فجعل ابن أبي دؤاد ينظر إليه، ويلحظه متغيظا عليه.

    قال أبي: وقال بعضهم: أليس قال: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: ١٠٢] .

    قال: قلت: قد قال: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} [الأحقاف: ٢٥] فدمرت إلا ما أراد اللَّه.

    vol. 1, p. 444وقال: فقال لي بعضهم فيما يقول، وذكر حديث عمران بن حصين: "إن اللَّه تبارك وتعالى كتب الذكر" (١) فقال: إن اللَّه خلق الذكر.

    قال: فقلت: هذا خطأ. حدثنا غير واحد: "كتب الذكر" .

    قال أبي: فكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد يتكلم، فلما قارب الزوال، قال لهم: قوموا.

    1. (١)رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٣٦ (٣٠٠٨٩)، والآجري في "الشريعة" ص ٦٩ (١٤٨)، والحاكم ٢/ ٤٤١ وصححه.
    2. (١)رواه الإمام أحمد ٤/ ٤٣١، والبخاري (٣١٩١).
  9. ثم حبس عبد الرحمن بن إسحاق فخلا بي وبعبد الرحمن، فجعل يقول لي: أما كنت تعرف صالحا الرشيدي؟ كان مؤدبي، وكان في هذا الموضع جالسا. وأشار إلى ناحية من الدار، قال: فتكلم وذكر القرآن، فخالفني، فأمرت به فسحب ووطئ.

    قال أبي: ثم جعل يقول لي: ما أعرفك، ألم تكن تأتينا؟

    فقال له عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة، يرى طاعتك والحج والجهاد معك، وهو ملازم لمنزله.

    قال: فجعل يقول: واللَّه إنه لفقيه، وإنه لعالم، ومما يسرني أن يكون مثله معي يرد عني أهل الملل، ولئن أجابني إلى شيء له فيه أدنى فرج لأطلقن عنه بيدي، ولأوطئن عقبه، ولأركبن إليه بجندي.

    قال: ثم التفت إلي فيقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟ قال: فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله.

  10. فلما طال بنا المجلس ضجر فقام، فرددت إلى الموضع الذي كنت فيه، ثم وجه إلي برجلين - سماهما وهما: صاحب الشافعي وغسان، من أصحاب ابن أبي دؤاد- يناظراني فيقيمان معي، حتى إذا حضر

    vol. 1, p. 445الإفطار وجه إلينا بمائدة عليها طعام، فجعلا يأكلان، وجعلت أتعلل حتى رفع المائدة، وأقاما إلى غد، وفي خلال ذلك يجيء ابن أبي دؤاد فيقول لي: يا أحمد، يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟

  11. فأقول له: أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله حتى أقول به. فقال لي ابن أبي دؤاد: واللَّه لقد كتب اسمك في السبعة فمحوته، ولقد ساءني أخذهم إياك، وإنه واللَّه ليس هو السيف، إنه ضرب بعد ضرب، ثم يقول لي: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا مما رددت عليه، ثم يأتي رسوله، فيقول: أين أحمد بن عمار؟ أخو الرجل الذي أنزلت في حجرته، فيذهب ثم يعود، فيقول: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟

  12. فأرد عليه نحوا مما رددت على ابن أبي دؤاد، فلا تزال رسله تأتي. قال أحمد بن عمار وهو يختلف فيما بيني وبينه، ويقول: يقول لك أمير المؤمنين: أجبني حتى أجيء فأطلق عنك بيدي.

    قال: فلما كان في اليوم الثاني أدخلت عليه، فقال: ناظروه، كلموه.

    قال: فجعلوا يتكلمون، هذا من هاهنا وهذا من هاهنا، فأرد على هذا وهذا، فإذا جاءوا بشيء من الكلام مما ليس في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله صلى اللَّه عليه وسلم، ولا فيه خبر ولا أثر، قلت: ما أدري ما هذا؟ فيقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت عليه الحجة علينا وثب، وإذا كلمناه بشيء يقول: لا أدري ما هذا؟ قال: فيقول: ناظروه.

    قال: ثم يقول: يا أحمد، إني عليك شفيق.

    فقال رجل منهم: أراك تذكر الحديث وتنتحله.

    قال: فقلت له: ما تقول في قول اللَّه تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} .

    vol. 1, p. 446فقال: خص اللَّه بها المؤمنين. قال: فقلت له: ما تقول: إن كان قاتلًا أو كان قاتلًا عبدا يهوديا أو نصرانيا؟ قال: فسكت.

    قال أبي: وإنما احتججت عليه بهذا؛ لأنهم كانوا يحتجون علي بظاهر القرآن، ولقوله: أراك تنتحل الحديث.

  13. وكان إذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد، فيقول: يا أمير المؤمنين، واللَّه لئن أجابك لهو أحب إلي من مائة ألف دينار، ومائة ألف دينار. فيعيد ما شاء اللَّه من ذلك، ثم أمرهم بعد ذلك بالقيام، وخلا بي وبعبد الرحمن، فيدور بيننا كلام كثير، وفي خلال ذلك يقول لي: تدعو أحمد بن أبي دؤاد.

  14. فأقول: ذلك إليك.

  15. فيوجه إليه فيجيء فيتكلم، فلما طال بنا المجلس قام، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه، وجاءني الرجلان اللذان كانا عندي بالأمس، فجعلا يتكلمان، فدار بيننا كلام كثير، فلما كان وقت الإفطار جيء بطعام على نحو مما أتي به في أولى ليلة فأفطرا وتعللت، وجعلت رسله تأتي أحمد بن عمار، فيمضي إليه ويأتيني برسالته على نحو مما كان أول ليلة، وجاءني ابن أبي دؤاد فقال: إنه قد حلف أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس.

    فقلت له: فما أصنع؟ .

  16. حتى إذا كدت أن أصبح قلت: لخليق أن يحدث من أمري في هذا اليوم شيء. وقد كنت أخرجت تكَّتي من سراويلي، فشددت بها الأقياد أحملها بها إذا توجهت إليهم، فقلت لبعض من كان مع الموكلين: ارتَدْ لي خيطا، فجاءني بخيط، فشددت بها الأقياد، وأعدت التكة في

    vol. 1, p. 447السراويل، ولبسته كراهية أن يحدث شيئا من أمري فأتعرى.

  17. فلما كان في اليوم الثالث أدخلت عليه والقوم حضور، فجعلت أدخل من دار إلى دار وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك من الزي والسلاح وقد حشرت الدار الجند، ولم يكن في اليومين الماضيين كثير أحد من هؤلاء، حتى إذا صرت إليه قال: ناظروه كلموه.

  18. فعادوا بمثل مناظرتهم، ودار بيننا كلام كثير، حتى إذا كان في الوقت الذي يخلو فيه، فجاءني ثم اجتمعوا فشاورهم، ثم نحاهم ودعاني فخلا بي وبعبد الرحمن، فقال لي: ويحك يا أحمد، أنا عليك واللَّه شفيق، وإني لأشفق عليك مثل شفقتي على هارون ابني فأجبني.

    فقلت: يا أمير المؤمنين أعطوني شيئا من كتاب اللَّه أو سنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  19. فلما ضجر وطال المجلس قال لي: عليك لعنة اللَّه، لقد كنت طمعت فيك، خذوه واسحبوه. قال: فأخذت وسحبت ثم خلعت، ثم قال: العقابين والسياط. فجيء بالعقابين والسياط.

    قال أبي: وقد كان صار إلي شعرة أو شعرتان من شعر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فصررتهما كم قميصي، فنظر إسحاق بن إبراهيم إلى الصرة في كم قميصي فوجه إلي: ما هذا المصرور في كمك؟ فقلت: شعر من شعر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

  20. وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه في وقت ما أقمت بين العقابين فقال لهم - يعني: المعتصم- لا تخرقوه انزعوه عنه.

    قال: إني ظننت أنه درئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، ثم صيرت بين العقابين وشدت يدي، وجيء بكرسي فجلس عليه، وابن أبي دؤاد قائم على رأسه، والناس أجمعون قيام ممن حضر، فقال

    vol. 1, p. 448لي إنسان ممن شدني: خذ بأي الخشبتين بيدك وشد عليهما. فلم أفهم ما قال، فتخالعتْ يداي لما شدت، ولم أمسك الخشبتين.

    قال أبو الفضل: ولم يزل أبي رحمة اللَّه عليه يتوجع منهما إلى أن توفي.

    ثم قال للجلادين: تقدموا، فنظر إلى السياط فقال: ائتوا بغيرها.

    ثم قال لهم: تقدموا، فقال لأحدهم: ادنه، أوجع، قطع اللَّه يدك.

  21. فتقدم فضربني سوطين ثم تنحى، ثم قال لآخر: ادنه، أوجع، شد، قطع اللَّه يدك، ثم تقدم فضربني سوطين ثم تنحى.

  22. فلم يزل يدعو واحدا بعد واحد يضربني سوطين ويتنحى، ثم قام حتى جاءني وهم محدقون بي فقال: ويحك يا أحمد، تقتل نفسك! ويحك أجبني حتى أطلق عنك بيدي!

  23. فجعل بعضهم يقول لي: ويلك إمامك على رأسك قائم!

    قال لي عجيف: فنخسني بقائم سيفه ويقول: تريد أن تغلب هؤلاء كلهم! وجعل إسحاق بن إبراهيم يقول: ويحك الخليفة على رأسك قائم!

    قال: ثم يقول بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي.

    قال: ثم رجع فجلس على الكرسي، ثم قال للجلاد: ادنه، شد، قطع اللَّه يدك. ثم لم يزل يدعو بجلاد بعد جلاد فيضربني بسوطين ويتنحى، وهو يقول: شد، قطع اللَّه يدك، ثم قام إليّ الثانية فجعل يقول: يا أحمد، أجبني.

  24. فجعل عبد الرحمن بن إسحاق يقول: من صنع بنفسه من أصحابك في هذا الأمر ما صنعت؟ ! هذا يحيى بن معين، وهذا أبو خيثمة وابن أبي إسرائيل! وجعل يعد عليَّ من أجاب.

    قال: وجعل وهو يقول: ويحك أجبني. قال: فجعلت أقول نحو

    vol. 1, p. 449ما كنت أقول لهم.

    قال: فرجع فجلس ثم جعل يقول للجلاد: شد، قطع اللَّه يدك.

    قال أبي: فذهب عقلي فما عقلت إلا وأنا في حجرة مطلق عني الأقياد، وقال لي إنسان ممن حضر: إنا أكببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك.

    قال أبي: فقلت: ما شعرت بذاك. قال: فجاءوني بسويق فقالوا: اشرب. فقلت: لا أفطر. فجيء به إلى دار إسحاق بن إبراهيم.

    قال أبي: فنودي بصلاة الظهر فصلينا الظهر.

    وقال ابن سماعة: صليتَ والدم يسيل من ضربك؟

    فقلت: به صلى عمر وجرحه يثعب دما (١) . فسكت.

    1. (١)رواه مالك ص ٥٠ ومن طريقه البيهقي ١/ ٣٥٧، وابن أبي شيبة في "الإيمان" (١٠٣) -تحقيق الألباني- عن ابن نمير كلاهما -مالك وابن نمير- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، وزاد ابن أبي شيبة ذكر ابن عباس فيه. ورواه عبد الرزاق ١/ ١٥٠ (٥٧٩) عن الثوري، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٧ (٨٣٨٨) من طريق أبي معاوية كلاهما عن هشام، عن أبيه عن سليمان بن يسار، عن المسور به. ورواه عبد الرزاق (٥٨٠) عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة قال: دخل المسور وابن عباس على عمر بعدما طعن. . الحديث، ورواه (٥٨١) عن معمر عن الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه، عن ابن عباس به. ورواه ابن سعد في "الطبقات" ٣/ ٣٥٠ عن وكيع، عن هشام، عن أبيه عن المسور أن ابن عباس دخل على عمر. . الحديث. ورواه الدارقطني ١/ ٢٢٤ من طريق الزهري عن سليمان بن يسار، عن المسور بن مخرمة به، ومن طريق أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن المسور به. وقد صححه الألباني في "الإرواء" (٢٠٩)، و"الإيمان" لابن أبي شيبة؛ فقال في طريق مالك وابن نمير: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
  25. ثم خلي عنه فصار إلى المنزل، ووجه إليه الرجل من السجن ممن يبصر الضرب والجراحات يعالج منه فنظر إليه، فقال: قال لنا: واللَّه لقد رأيت منه ضرب السيوط ما رأيت ضربًا أشد من هذا، لقد جر عليه من خلفه ومن قدامه. ثم أدخل ميلًا في بعض تلك الجراحات، فقال: لم ينفذ. فجعل يأتيه فيعالجه، وقد كان أصاب وجهه غير ضربة ثم مكث يعالجه ما شاء اللَّه، ثم قال له: إن هذا شيء أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يعلق اللحم بها ويقطعه بسكين معه، وهو صابر يحمد اللَّه لذلك فبرأ منه، ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بَيِّنًا في ظهره إلى أن توفي رحمة اللَّه عليه.

    قال صالح: سمعت أبي يقول: واللَّه لقد أعطيت المجهود من نفسي، ولوددت أن أنجو من هذا الأمر كفافا لا علي ولا لي.

    قال أبو الفضل: أخبرني أحد الرجلين اللذين كانا معه -وقد كان هذا الرجل صاحب حديث قد سمع ونظر، ثم جاءني بعد فقال: يا ابن أخي، رحمة اللَّه على أبي عبد اللَّه، واللَّه ما رأيت أحدا - يعني: يشبهه.

    vol. 1, p. 450
  26. لقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا الطعام: يا أبا عبد اللَّه، أنت صائم وأنت في موضع تقية! ولقد عطش.

    فقال لصاحب الشراب: ناولني.

  27. فناوله قدحا فيه ماء ثلج فأخذه فنظر إليه هنيهة ثم رده عليه، قال: فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش وما هو فيه من الهول.

    قال أبو الفضل: قد كنت ألتمس وأحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفًا أو رغيفين في هذِه الأيام فلم أقدر على ذلك.

  28. وأخبرني رجل حضره قال: فقدته في هذِه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه

    vol. 1, p. 451ويكلمونه، فما لحن ولا ظننت أن يكون أحد في مثل شجاعته وشدة قلبه.

    قال أبو الفضل: دخلت على أبي رحمة اللَّه عليه يومًا وقلت له: بلغني أن رجلًا جاء إلى فضل الأنماطي، فقال: اجعلني في حل إذ لم أقم بنصرتك. فقال فضل: لا جعلت أحدا في حل.

  29. فتبسم أبي وسكت، فلما كان بعد أيام مررت بهذِه الآية: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: ٤٠] فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني به هاشم بن القاسم قال: حدثنا المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي اللَّه تبارك وتعالى يوم القيامة نودوا: ليقم من أجره على اللَّه. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا (١) .

    قال أبي: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب اللَّه بسببه أحدًا.

    1. (١)رواه أسد بن موسى في "الزهد" (٨٠) عن المبارك بن فضالة، عن رجل، عن الحسن به.
  30. "سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٥١ - ٦٥

    قال ابن بطة: وأخبرني أبو عمرو عثمان بن عمر قال: حدثنا أحمد بن محمد بن هارون قال: وأخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الحميد الكوفي قال: سمعت عبيد بن محمد القصير قال: سمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل، فقال له أبو إسحاق: يا أحمد، إن كنت تخشى من هؤلاء النابتة جئتك أنا في جيشي إلى بيتك حتى أسمع منك الحديث.

    قال: فقال له: يا أمير المؤمنين، خذ من غير هذا، واسأل عن العلم، واسأل عن الفقه، أي شيء تسأل عن هذا؟

    vol. 1, p. 452قال عبيد بن محمد: وسمعت من حضر مجلس أبي إسحاق يوم ضرب أحمد بن حنبل قال: التفت إليه المعتصم فقال: تعرف هذا؟ قال: لا.

    قال: تعرف هذا؟ قال: لا.

  31. فالتفت أحمد فوقعت عينه على ابن أبي دؤاد، فحول وجهه، فكأنما وقعت عينه على قرد.

    قال: تعرف هذا - يعني: عبد الرحمن؟ قال: نعم.

    قال: قل: اللَّه رب القرآن. قال: القرآن كلام اللَّه.

    قال: فشهد ابن سماعة وقتلته، فقالوا: قد كفر، اقتله ودمه في أعناقنا.

  32. "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣ (٤٣٩)

    قال ابن بطة: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي قال: حدثنا أبو بكر المروذي قال: كان أبو عبد اللَّه لا يلحن في الكلام.

    قال: وأخبرت أنه لما نوظر بين يدي الخليفة لم يتعلق عليه بلحن، حتى حكي أنه جعل يقول: فكيف أقول ما لم يقل؟ !

    قال أبو بكر المروذي: وقال لي ابن أبي حسان الوراق: طلب مني أبو عبد اللَّه وهو في السجن كتاب حمزة في العربية؛ فدفعته إليه، فنظر فيه قبل أن يمتحن.

    وقال ابن بطة: أخبرني أبو عمرو عثمان بن عمر قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون، وأخبرنا محمد بن علي السمسار قال: رأيت شيخًا قد جاء إلى أبي عبد اللَّه وهو مريض، فجعل يبكي وقال: إنه ممن حضر ضربه. فلما خرج سمعته يقول: واللَّه لقد كلمت ثلاثة من الخلفاء ووطئت بسطهم ما هبتهم، وما دخلني من الرعب ما دخلني منه وهو مسجى، واللَّه لقد رأيته يناظر وهو عالٍ عليهم قوي القلب،

    vol. 1, p. 453والمعتصم يكلمه ويقول: أجبني إلى ما أسألك، أو شيء منه.

  33. فيقول: لا أقول إلا ما في كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه.

  34. فيقول له: ألا تقول: القرآن مخلوق؟

  35. فيقول له: وكيف أقول ما لم يقل؟ !

    قال الرجل: فقلت لرجل كان إلى جانبي: ما تراه ما يرهب ما هو فيه، ولا يلحن في مثل هذا الوقت، والسياط والعقابين بين يديه، وليس في يده منه شيء!

    وقال ابن بطة: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الشيرجي قال: حدثنا المروذي قال: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: لما ضربت كانا جلادين يضرب كل واحد منهما سوطًا ويتنحى، ويضرب الآخر سوطًا ويتنحى.

    قلت: قام إليك أبو إسحاق مرتين؟ قال: أما مرة فأحفظ أنه خرج إلى الرواق وقال: خذوه. فأخذوا بضبعي وجروني نحوًا من مائة ذراع إلى العقابين فخلعوني، وأنا أجد ذلك في كتفي إلى الساعة، وكان علي شعر كثير، وانقطعت تكتي، فقلت: الآن تسود - يعني: وهو بينهم.

    قلت: من ناولك خيطًا في ذلك الموضع؟ قال: لا أدري، فشددت سراويلي، وأخبرت أنهم خلعوا القميص ولم يحرقوه، وكان في كمه شعر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    قال المروذي: وبلغني عن يعقوب الفلاس قال: سمعت عيسى الفتاح يقول: قال لي أبو عبد اللَّه: يا أبا موسى! ما رأيت هؤلاء قط كان أشد علي من تلفت الجلاد، ثم يثب علي.

    قال: وسمعت الفلاس يقول: سمعت عيسى الفتاح قال: قال لي

    vol. 1, p. 454أبو عبد اللَّه: قال أبو إسحاق: ما رأيت ابن أنثى أشجع من هذا الرجل.

    قال المروذي: وسمعت عيسى الجلاء يقول: رأى رجل في النوم قائلًا يقول: وإذا جماعة ناحية فجعل يقول: {فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ} وأشار بيده إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه، {فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} [الأنعام: ٨٩] أحمد بن حنبل وأصحابه.

    قال المروذي: وأخبرت عن زياد بن أبي بادويه القصري، قال: سمعتُ الحماني يقول: رأيتُ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في المنام، قد جاء فأخذ بعضادتي فقال: نجا الناجون، وهلك الهالكون. فقلت: يا رسول اللَّه، بأبي أنت وأمي مَنِ الناجون؟ قال: أحمد بن حنبل وأصحابه.

    قال المروذي: وبلغني عن امرأة رأوها في النوم وقد شاب صدغها فقيل لها: ما هذا الشيب؟ فقالت: لما ضرب أحمد بن حنبل زفرت جهنم زفرة [لم] (١) يبق منا أحد إلا شاب.

    وقال ابن بطة: وحدثنا أبو إسحاق الشيرجي قال: حدثنا المروذي قال: حدثنا أبو عمر المخرمي قال: كنت مع سعيد بن منصور ونحن في الطواف قال: فسمعت هاتفًا يقول: ضرب أحمد بن حنبل اليوم بالسياط؟ قال: فقال لي سعيد: أوما سمعت -أو سمعت؟ قلت: بلى.

    قال - يعني: سعيد بن منصور: هذا من صالحي الجن أو من الملائكة، إن كان هذا حقّا، فإن اليوم قد ضرب أحمد بن حنبل.

    فقال: فنظرنا فإذا قد ضرب في ذلك اليوم.

    قال أبو عبد اللَّه: لما ضربت امتلأت ثيابي بالدماء، وكنت صائمًا،

    vol. 1, p. 455فجاءوا بسويق فلم أشرب، وأتممت صومي، وكان بعض الجيران ثم حاضرًا، فأي شيء نزل به - يعني: لما امتنع أبو عبد اللَّه من شرب السويق- لا أدري، إسحاق بن إبراهيم أو غيره، قال: وبلغني أنه لم يدخل على أبي عبد اللَّه طعام في قصر إسحاق، وقد كان منع أن يدخل إليه، وقال: تأكل من طعامنا. قال أبو عبد اللَّه: فمكثت يومين لا أطعم.

    قال المروذي: فقال لي النيسابوري - صاحب إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأمير: إذا جاءوا بإفطاره فأرونيه. قال: فجاءوا برغيفين وخبازة قال: فأروه الأمير، فقال: هذا لا يجيبنا إذا كان هذا يقنعه.

    1. (١)زيادة يقتضيها السياق.
  36. "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٧ (٤٤١ - ٤٥٠)

    قال أحمد بن الفرج: كنت أتولى شيئًا من أعمال السلطان، فبينا أنا ذات يوم قاعد في مجلس، إذا أنا بالناس قد أغلقوا أبواب دكاكينهم وأخذوا أسلحتهم، فقلت: ما لي أرى الناس قد استعدوا للفتنة؟ فقالوا: إن أحمد بن حنبل يحمل ليمتحن في القرآن، فلبست ثيابي وأتيت حاجب الخليفة وكان لي صادقًا فقلت: أريد أن تدخلني حتى أنظر كيف يناظر أحمد الخليفة؟ فقال: أتطيب نفسك بذلك؟ فقلت: نعم.

  37. فجمع جماعة وأشهدهم علي وتبرأ من إثمي، ثم قال لي: امض فإذا كان يوم الدخول بعثت إليك، فلما أن كان اليوم الذي أدخل فيه أحمد على الخليفة أتاني رسوله فقال: البس ثيابك واستعد للدخول، فلبست قباء فوقه قفطان، وتمنطقت بمنطقة وتقلدت سيفًا، وأتيت الحاجب فأخذ بيدي وأدخلني إلى الفوج الأول، مما يلي أمير المؤمنين، وإذا أنا بابن الزيات وإذا بكرسي من ذهب مرصع بالجوهر، قد غشي أعلاه بالديباج، فخرج الخليفة فقعد عليه، ثم قال: أين هذا الذي يزعم أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يتكلم

    vol. 1, p. 456بجارحتين، علي به. فأدخل أحمد وعليه قميص هروي وطيلسان أزرق، وقد وضع يدًا على يد، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه. حتى وقف بين يدي الخليفة، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟ فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل. فقال: أنت الذي بلغني أنك تقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. من أين قلت هذا؟

    قال أحمد: من كتاب اللَّه تعالى وخبر نبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    قال: وما قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: إن اللَّه كلم موسى بمائة ألف كلمة وعشرين ألف كلمة وثلاثمائة كلمة وثلاث عشرة كلمة، فكان الكلام من اللَّه والاستماع من موسى، فقال موسى: أي رب، أنت الذي تكلمني أم غيرك؟ قال اللَّه تعالى: يا موسى أنا أكلمك لا رسول بيني وبينك" (١) .

    vol. 1, p. 457قال: كذبت على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    قال أحمد: فإن يك هذا كذبًا مني على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقد قال اللَّه تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من غير اللَّه فهو مخلوق، وإن كان مخلوقًا فقد ادعى حركة لا يطيق فعلها.

    1. (١)قال أبو نعيم "الحلية" ٩/ ٢٠٦: وهم أحمد بن الفرج في حفظ إسناد هذا الحديث حين ذكره عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، وإنما يحفظ بعض هذا الحديث من حديث الضحاك عن ابن عباس اهـ. قلت: وحديث ابن عباس رواه عبد اللَّه في "السنة" ٢/ ٤٧٩ (١٠٩٩) والآجري في "الشريعة" ص ٢٧١ (٧٠٩)، والطبراني ١٢/ ١٢٠ (١٢٦٥) من طرق عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس بنحوه. ورواه ابن مردويه في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" ٤/ ٣٨١ موقوفًا. قال ابن كثير: إسناد ضعيف فإن جويبرًا ضُعف، والضحاك لم يدرك ابن عباس. وأورد الألباني المرفوع في "الضعيفة" (٥٢٥٨) وقال: ضعيفة جدا، فالآفة من جويبر، فإنه ضعيف جدا متروك، ثم إنه منقطع بين الضحاك وابن عباس، فإنه لم يسمع منه. اهـ بتصرف.
  38. فالتفت إلى أحمد وابن الزيات، فقال: ناظروه.

    قالوا: يا أمير المؤمنين، اقتله ودمه في أعناقنا.

    قال: فرفع يده فلطم حر وجهه فخر مغشيا عليه، فتفرق وجوه قواد خراسان، وكان أبوه من أبناء قواد خراسان، فخاف الخليفة على نفسه منهم، فدعا بكوز من ماء فجعل يرش على وجهه، فلما أفاق رفع رأسه إلى عمه وهو واقف بين يدي الخليفة، فقال: يا عم، لعل هذا الماء الذي صب على وجهي غضب صاحبه عليه.

    فقال الخليفة: ويحكم ما ترون ما يهجم علي من هذا الحديث، وقرابتي من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا رفعت عنه السوط حتى يقول: القرآن مخلوق.

  39. ثم دعا بجلاد - يقال له: أبو الدن- فقال: في كم تقتله؟

    قال: في خمسة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين. فقال: اقتله، فكلما أسرعت كان أخفى للأمر ثم قال: جردوه.

    قال: فنزعت ثيابه ووقف بين العقابين، وتقدم أبو الدن -قطع اللَّه يده- فضربه بضعة عشر سوطًا، فأقبل الدم من أكتافه إلى الأرض، وكان أحمد ضعيف الجسم، فقال إسحاق بن إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إنه إنسان ضعيف الجسم.

    فقال: قد سمعت قولي، وقرابتي من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لا رفعت السوط

    vol. 1, p. 458عنه حتى يقول كما أقول.

    فقال: يا أبا عبد اللَّه، البشرى، إن أمير المؤمنين قد تاب عن مقالته وهو يقول: لا إله إلا اللَّه.

    فقال أحمد: كلمة الإخلاص، وأنا أقول: لا إله إلا اللَّه.

    فقال: يا أمير المؤمنين، إنه قد قال كما تقول، فقال: خلِّ سبيله.

  40. وارتفعت بالباب، فقال: اخرج فانظر ما هذِه الضجة. فخرج ثم دخل فقال: يا أمير المؤمنين، إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فأخرج أحمد بن حنبل إني لك من الناصحين.