٨٦ - فصل: محنة الإمام مع المعتصم

76 paragraphs · vol. 1, p. 440

Page 2 of 2

  1. فأخرج وقد وضع طيلسانه وقميصه على يده، وكنتُ أول من وافى الباب فقال الناس: ما قلت يا أبا عبد اللَّه حتى نقول؟ قال: وما عسى أن أقول، اكتبوا يا أصحاب الأخبار، واشهدوا يا معشر العامة: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود.

    قال أحمد بن الفرج: وكنت أنظر إلى أحمد بن حنبل والسوط قد أخذ كتفيه وعليه سراويل فيه خيط فانقطع الخيط، ونزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك، فقال: نعم، إنه لما انقطع الخيط قلت: اللهم إلهي وسيدي، أوقفتني هذا الموقف، فلا تهتكني على رؤوس الخلائق. فعاد السراويل كما كان (١) .

    1. (١)قال الذهبي في "السير" ١١/ ٢٥٥: هذِه الحكاية لا تصح. قلت: قد روى مثل هذِه الحكاية كثير من تلاميذ الإمام، وممن شاهدوه في المحنة واللَّه أعلم.
    vol. 1, p. 458
  2. "حلية الأولياء" لابي نعيم ٩/ ٢٠٤ - ٢٠٦

    vol. 1, p. 459قال علي بن صالح المصري: حدثنا سليمان بن عبد اللَّه السجزي قال: أتيت إلى باب المعتصم وإذا الناس قد ازدحموا على بابه كيوم العيد، فدخلت الدار فرأيت بساطا مبسوطا وكرسيًّا مطروحًا، فوقفت بإزاء الكرسي، فبينما أنا قائم فإذا المعتصم قد أقبل، فجلس على الكرسي، ونزع نعله من رجله، ووضع رجلا على رجل، ثم قال: يحضر أحمد بن حنبل، فأحضر، فلما وقف بين يديه وسلم عليه قال له: يا أحمد، تكلم ولا تخف.

    فقال أحمد: واللَّه يا أمير المؤمنين، لقد دخلت عليك وما في قلبي مثقال حبة من الفزع.

    فقال له المعتصم: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام اللَّه قديم غير مخلوق، قال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] .

    فقال له: عندك حجة غير هذا؟ فقال أحمد: نعم يا أمير المؤمنين، قول اللَّه عز وجل: {الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ} ولم يقل: الرحمن خلق القرآن. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: {يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} ولم يقل: يس والقرآن المخلوق.

    فقال المعتصم: احبسوه. فحبس وتفرق الناس، فلما أصبحت قصدت الباب، فأدخل الناس فدخلت معهم، فأقبل المعتصم وجلس على كرسيه فقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما أن وقف بين يديه، قال له المعتصم: كيف كنت يا أحمد في محبسك البارحة.

    فقال: بخير والحمد للَّه، إلا أني رأيت يا أمير المؤمنين في محبسك أمرًا عجبا. قال له: وما رأيت؟ قال: قمت في نصف الليل فتوضأت للصلاة وصليت ركعتين، فقرأت في ركعة {الْحَمْدُ لِلَّهِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} وفي الثانية {الْحَمْدُ لِلَّهِ} و {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ} ثم

    vol. 1, p. 460جلست وتشهدت وسلمت، ثم قمت فكبرت وقرأت {الْحَمْدُ لِلَّهِ} وأردت أن أقرأ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فلم أقدر، ثم اجتهدت أن أقرأ غير ذلك من القرآن فلم أقدر، فمددت عيني في زاوية السجن، فإذا القرآن مسجًّى ميتا، فغسلته وكفنته، وصليت عليه ودفنته.

    فقال له: ويلك يا أحمد، والقرآن يموت؟ !

    فقال له أحمد: فأنت كذا تقول: إنه مخلوق، وكل مخلوق يموت.

    فقال المعتصم: قهرنا أحمد، قهرنا أحمد.

    فقال ابن أبي دؤاد وبشر المريسي: اقتله حتى نستريح منه.

    فقال: إني قد عاهدت اللَّه ألا أقتله بسيف ولا آمر بقتله بسيف.

    فقال له ابن أبي دؤاد: اضربه بالسياط.

    فقال: نعم، ثم قال: أحضروا الجلادين. فأحضروا، فقال المعتصم لواحد منهم: بكم سوط تقتله؟ فقال: بعشرة يا أمير المؤمنين.

    فقال: خذه إليك.

    قال سليمان السجزي: فأخرج أحمد بن حنبل من ثيابه، واتزر بمئزر من الصوف، وشد في يديه حبلان جديدان، وأخذ السوط في يده، وقال: أضربه يا أمير المؤمنين؟ فقال المعتصم: اضرب. فضربه سوطًا.

    فقال أحمد: الحمد للَّه.

  3. وضربه ثانيًا، فقال: ما شاء اللَّه كان.

  4. فضربه ثالثًا، فقال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.

  5. فلما أراد أن يضربه السوط الرابع نظرت إلى المئزر من وسطه قد انحل ويريد أن يسقط، فرفع رأسه نحو السماء، وحرك شفتيه، وإذا الأرض قد انشقت وخرج منها يدان فوزرتاه بقدرة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فلما أن نظر المعتصم إلى

    vol. 1, p. 461ذلك قال: خلوه.

  6. فتقدم إليه ابن أبي دؤاد وقال له: يا أحمد، قل في أذني: إن القرآن مخلوق، حتى أخلصك من يد الخليفة.

    فقال له أحمد: يا ابن أبي دؤاد قل في أذني: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، حتى أخلصك من عذاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.

    فقال المعتصم: أدخلوه الحبس.

    قال سليمان: فحمل إلى الحبس، وانصرف الناس وانصرفت معهم، فلما كان الغد أقبل الناس وأقبلت معهم فوقفت بإزاء الكرسي، فخرج المعتصم وجلس على الكرسي، وقال: هاتوا أحمد بن حنبل. فجيء به، فلما وقف بين يديه قال له المعتصم: كيف كنت في محبسك الليلة يا ابن حنبل. قال: كنت بخير والحمد للَّه.

    فقال: يا أحمد، إني رأيت البارحة رؤيا.

    قال: وما رأيت يا أمير المؤمنين.

    قال: رأيت في منامي كأن أسدين قد أقبلا إلي وأرادا أن يفترساني، وإذا ملكان قد أقبلا ودفعاهما عني، ودفعا إلي كتابا وقالا لي: هذا المكتوب رؤيا رآها أحمد بن حنبل في محبسه. فما الذي رأيت يا ابن حنبل؟ فأقبل أحمد على المعتصم، فقال له: يا أمير المؤمنين، فالكتاب معك؟ قال: نعم، وقرأته لما أصبحت وفهمت ما فيه.

    فقال له أحمد: يا أمير المؤمنين رأيت كأن القيامة قد قامت، وكأن اللَّه قد جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد وهو يحاسبهم، فبينما أنا قائم إذ نودي بي، فقدمت حتى وقفت بين يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقال لي: يا أحمد، فيم ضربت؟ فقلت: من جهة القرآن.

    vol. 1, p. 462فقال لي: وما القرآن؟ فقلت: كلامك اللهم لك.

    فقال لي: من أين قلت هذا؟ فقلت: يا رب حدثني عبد الرزاق، فنودي بعبد الرزاق فجيء به حتى أقيم بين يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فقال له: ما تقول في القرآن يا عبد الرزاق؟ فقال: كلامك اللهم لك، فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: من أين قلت هذا؟ فقال: حدثني معمر، فنودي بمعمر، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ له: ما تقول في القرآن يا معمر؟ فقال معمر: كلامك اللهم لك.

    فقال له: من أين قلت هذا؟ فقال معمر: حدثني الزهري، فنودي بالزهري، فجيء به حتى أوقف بين يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ له: يا زهري ما تقول في القرآن؟ فقال الزهري: كلامك اللهم لك. فقال: يا زهري، من أين لك هذا؟ قال: حدثني عروة. فجيء به فقال: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.

    فقال له: يا عروة، من أين لك هذا؟ فقال: حدثتني عائشة بنت أبي بكر الصديق. فنوديت عائشة، فجيء بها، فوقفت بين يدي اللَّه، فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لها: يا عائشة، ما تقولين في القرآن؟ فقالت: كلامك اللهم لك.

    فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لها: من أين لك هذا؟ قالت: حدثني نبيك محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-.

    قال: فنودي بمحمد صلى اللَّه عليه وسلم، فجيء به، فوقف بين يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: يا محمد ما تقول في القرآن؟ فقال له: كلامك اللهم لك.

    فقال اللَّه له: من أين لك هذا؟ فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: حدثني به جبريل.

  7. فنودي بجبريل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه فقال له: يا جبريل ما تقول في القرآن؟ قال: كلامك اللهم لك.

    فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال: هكذا حدثنا إسرافيل.

  8. فنودي بإسرافيل، فجيء به حتى وقف بين يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقال اللَّه

    vol. 1, p. 463سبحانه: يا إسرافيل، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.

    فقال اللَّه له: ومن أين لك هذا؟ فقال إسرافيل: رأيتُ ذلك في اللوح المحفوظ.

  9. فجيء باللوح، فوقف بين يدي اللَّه، فقال له: أيها اللوح، ما تقول في القرآن؟ فقال: كلامك اللهم لك.

    فقال اللَّه تعالى له: من أين لك هذا؟ فقال اللوح: كذا جرى القلم علي.

  10. فأتي بالقلم حتى وقف بين يدي اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ له: يا قلم، ما تقول في القرآن؟ فقال القلم: كلامك اللهم لك.

    فقال اللَّه: من أين لك هذا؟ فقال القلم: أنت نطقت وأنا جريت.

    فقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: صدق القلم، صدق اللوح، صدق إسرافيل، صدق جبريل، صدق محمد، صدقت عائشة، صدق عروة، صدق الزهري، صدق معمر، صدق عبد الرزاق، صدق أحمد بن حنبل، القرآن كلامي غير مخلوق.

    قال سليمان السجزي: فوثب عند ذلك المعتصم فقال: صدقت يا ابن حنبل. وتاب المعتصم، وأمر بضرب رقبة بشر المريسي وابن أبي دؤاد، وأكرم أحمد بن حنبل وخلع عليه، فامتنع من ذلك فأمر به فحمل إلى بيته.

  11. "طبقات الحنابلة" ١/ ٤٣٨ - ٤٤٣

    قال ميمون بن الأصبغ: سمعت المعتصم يوم المحنة يقول لأحمد: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق؟

    فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين البلاغات تزيد وتنقص.

    vol. 1, p. 464فقال له أمير المؤمنين: فأيش تقول؟

    قال: أقول: غير مخلوق على أي الحالات كان.

    قال: ومن أين قلت؟ . فقال: حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إن كلام اللَّه الذي اختص به موسى مائة ألف كلمة وثلاثمائة وثلاثة عشر كلمة" (١) فكان الكلام من اللَّه والاستماع من موسى. .

    1. (١)لم أقف عليه، وانظر حديث ابن عمر.
  12. إلى أن قال: قال أحمد: قال اللَّه تعالى: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: ١٣] فإن يكن القول من اللَّه فالكلام كلام اللَّه.

    وقال ميمون بن الأصبغ: لما ضرب أحمد سوطًا قال: بسم اللَّه.

  13. فلما ضرب الثاني قال: الحمد للَّه، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه.

  14. فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.

  15. فلما ضرب الرابع قال: لن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا.

  16. فضربوه تسعة وعشرين سوطا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت، فنزلت السراويل إلى عانته، فرمى بطرفه نحو السماء، وحرك شفتيه، فما كان بأسرع أن بقي السراويل فلم تنزل.

  17. وذكر الكلام إلى أن قال: فدخلت إلى أحمد بعد سبعة أيام من ضربه وهو يقرأ في مصحف بين يديه، فقلت: يا أبا عبد اللَّه، رأيتك يوم ضربوك وقد انحل سراويلك، فرفعت طرفك نحو السماء ورأيتك تحرك شفتيك، فأيش قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به

    vol. 1, p. 465العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا.

  18. "طبقات الحنابلة" ٢/ ٤٠٧ - ٤٠٩

    قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو معمر القطيعي قال: لما حضرنا في دار السلطان أيام المحنة، وكان أبو عبد اللَّه أحمد بن حنبل قد أحضر، وكان رجلا لينا، فلما رأى الناس يجيبون، انتفخت أوداجه، واحمرت عيناه، وذهب ذلك اللين الذي كان فيه، فقلت: إنه قد غضب للَّه.

    قال أبو معمر: فلما رأيت ما به قلت: يا أبا عبد اللَّه، أبشر، حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان، عن الوليد بن عبد اللَّه بن جميع، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: كان من أصحاب النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من إذا أريد على شيء من دينه رأيت حماليق عينيه في رأسه تدور كأنه مجنون (١) .

    قال ابن أبي أسامة: حكي لنا أن أحمد بن حنبل قيل له أيام المحنة: يا أبا عبد اللَّه، ألا ترى الحق كيف ظهر عليه الباطل؟

    فقال: كلا. إن ظهور الباطل على الحق أن تنتقل القلوب من الهدى إلى الضلالة، وقلوبنا بعد لازمة للحق.

    1. (١)رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٧٩ (٢٦٠٤٩) عن محمد بن فضيل به، والبخاري في "الأدب المفرد" ص ١٩٠ (٥٥٥) عن إسحاق، عن محمد بن الفضيل -وقع في المطبوع (الفضل) - به، قال الحافظ في "الفتح" ١٠/ ٥٤٠: بسند حسن. وحسنه الألباني في تعليقه على "الأدب المفرد".
  19. "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٣٨٨ - ٣٨٩

    قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: قدم المعتصم من بلاد الروم بغداد في شهر رمضان سنة ثمان عشرة، فامتحن فيها أحمد وضرب بين يديه.

  20. فحدثني من أثق به من أصحابنا عن محمد بن إبراهيم بن مصعب -وهو يومئذ على الشرط للمعتصم، خليفة إسحاق بن إبراهيم- أنه قال: ما رأيت أحدًا لم يداخل السلطان، ولا خالط الملوك أثبت قلبًا من أحمد يومئذ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب.

    vol. 1, p. 466
  21. قال المروذي في محنة أحمد بن حنبل وهو بين الهنبارين: يا أستاذ، قال اللَّه تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: ٢٩] فقال أحمد: يا مروذي، اخرج انظر أي شيء ترى؟

    قال: فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا اللَّه، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ فقالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه.

    قال المروذي: مكانكم. فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهنبارين قال له: رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام، ينتظرون ما تقول فيكتبونه.

    فقال: يا مروذي، أُضل هؤلاء كلهم! أقتل نفسي ولا أُضل هؤلاء كلهم (١) .

    1. (١)قال ابن الجوزي معلقا على هذا الخبر: هذا رجل هانت عليه نفسه في اللَّه تعالى فبذلها، كما هانت على بلال نفسه. وقد رُوينا عن سعيد بن المسيب أنه كانت نفسه عليه في اللَّه تعالى أهون من نفس ذباب. وإنما تهون أنفسهم عليهم لتلمحهم العواقب، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال، وشدة ابتلاء أحمد دليل على قوة دينه، لأنه قد صح عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "يبتلى الرجل على حسب دينه" فسبحان من أيده وبصره وقواه ونصره!
  22. "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤٠٨ - ٤٠٩

    vol. 1, p. 467قال جعفر الرازي: كان إسحاق بن إبراهيم يقول: أنا واللَّه رأيت يوم ضرب أحمد بن حنبل سراويله وقد ارتفع من بعد انخفاضه، وانعقد من بعد انحلاله، ولم يفطن بذلك لذهول عقل من حضره، وما رأيت يوما كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم، واللَّه لو لم يرفع عنه الضرب لم يبرح من مكانه إلا ميتا.

    قال إبراهيم بن إسحاق الأنصاري: سمعت بعض الجلادين يقول: لقد بطل أحمد بن حنبل الشطار، واللَّه لقد ضربته ضربًا لو أبرك لي بعير فضربته ذلك الضرب لنقبت عن جوفه.

    قال: محمد بن إسماعيل بن أبي سمينة: سمعت شاباص التائب يقول: لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربته فيلًا لهدته.

    قال محمد بن جعفر الراشدي: حدثني بعض أصحابنا قال: لما أخذت أبا عبد اللَّه السياط، قال: بك استغثت يا جبار السماء ويا جبار الأرض.

    قال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: كنت كثيرًا أسمع والدي يقول: رحم اللَّه أبا الهيثم، غفر اللَّه لأبي الهيثم، عفا اللَّه عن أبي الهيثم.

    فقلت: يا أبت، من أبو الهيثم؟ قال: ألا تعرفه؟

    قلت: لا. قال: أبو الهيثم الحداد، اليوم الذي أخرجت فيه للسياط، ومدت يداي للعقابين، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي: تعرفني؟ قلت: لا. قال: أنا أبو الهيثم العيار، اللص الطرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين.

    قال: فضربت ثمانية عشر سوطًا بدل ما ضرب ثمانية عشر ألفا، وخرج

    vol. 1, p. 468الخادم فقال: عفا عنه أمير المؤمنين.

  23. "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٢ - ٤١٣.

    قال أبو شعيب الحراني: كنا مع أبي عبيد القاسم بن سلام بباب المعتصم وأحمد بن حنبل يضرب، قال: فجعل أبو عبيد يقول: أيضرب سيدنا؟ لا صبر، أيضرب سيدنا؟ لا صبر.

    قال أبو شعيب فقلت:

    ضربوا ابن حنبل بالسياط بظلمهم ... بغيا فثبت بالثبات الأنور

    قال الموفق حين مدد بينهم ... مد الأديم مع الصعيد القرقر

    إني أموت ولا أبوء بفجرة ... يصلى بوائقها محل المفتري

    "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ٤١٦

    قال ميمون بن الأصبغ: كنت ببغداد فسمعت ضجة، فقلت: ما هذا؟ قال: أحمد بن حنبل يمتحن في القرآن.

    قال: فأتيت منزلي فأخذت مالا له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس الذي يمتحن فيه أحمد، قال: فأدخلوني، فإذا بالسيوف قد نضيت، والقواد بالأعمدة قد ترجلت، وبالأسواط قد طرحت، قال: فألبسوني أقبية سودًا ومنطقة وسيفًا حتى أوقفوني عند المجلس من حيث أسمع الكلام، فإذا أنا بأمير المؤمنين عليه رداء عدني، حتى جلس على الكرسي، فقال: أين هذا الذي يزعم أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ينطق بجارحتين؟ .

    قال: فأتي بأحمد بن حنبل وعليه قميص أبيض، وكساء أخضر، ونعله

    vol. 1, p. 469معلقة بيده حتى أوقف بين يديه، فقال: أنت أحمد بن حنبل؟

    فقال: أنا أحمد بن محمد بن حنبل.

    قال: بلغني أنك تقول: إن القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.

    فقال له: أصلح اللَّه أمير المؤمنين، البلاغات تزيد وتنقص.

    فقال له: يا مبارك، فأيش تقول؟

    قال: أقول: القرآن غير مخلوق، وعلى أي الحالات كان.

    قال: ومن أين قلت؟ قال: روي في الحديث، قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: " إن كلام اللَّه الذي استخص به موسى عليه السلام، مائة ألف كلمة وثلاث عشرة كلمة" فكان الكلام من اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، والاستماع من موسى.

    فقال: كذبت يا عدو اللَّه على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ما قال رسول اللَّه شيئًا من هذا. فقال أحمد: إن كنتَ تقول: إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يقل شيئًا من هذا. فإن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قال: {وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: ١٣] ، فإن يكن القول من اللَّه، فإن الكلام من اللَّه.

  24. فالتفت إلى ابن أبي دؤاد. فقال: كلمه.

    فقال ابن أبي دؤاد: اقتله. ولطم أحمد فخر مغشيا عليه، ثم أفاق.

    فقال المعتصم: وقرابتي من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لأضربنك بالسياط أو تقول كما أقول. ثم التفت إلى جلاد، فقال: خذه إليك.

    قال: فأخذه فخرق قميصه ثم أوقفه بين العقابين، فلما ضرب سوطًا واحدًا قال: باسم اللَّه. فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.

  25. فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق.

  26. فلما ضرب الرابع قال: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} [التوبة: ٥١] ، فضربه تسعة وعشرين سوطا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب، فانقطعت،

    vol. 1, p. 470فنزل السراويل على عانته، فقلت: الساعة ينهتك. فرمى أحمد بطرفه نحو السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل.

  27. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٧٣ - ٧٦

    قال أبو علي حنبل بن إسحاق بن حنبل: فلما طال حبس أبي عبد اللَّه، قال: وكان أبي يختلف في أمره ويكلم القواد وأصحاب السلطان في أمره، رجاء أن يطلق ويخلى له السبيل، فلما طال ذلك ولم يره يتم، استأذن على إسحاق بن إبراهيم، فقال له: أيها الأمير، إن بيننا وبين الأمير حرما في حرمة منها ما يرعاها الأمير؛ جوار بمرو، كان والدي حنبل مع جدك الحسين بن مصعب. قال: قد بلغني ذلك.

    قلت: فإن رأى أمير المؤمنين أن يرعى لنا ذلك ويحفظه.

    قال أبي: وقلت له: أيها الأمير، علام يحبس ابن أخي؟ ما جحد التنزيل، وإنما اختلفوا في التأويل، فاستحل منه أن حبس هذا الحبس الطويل، أيها الأمير، اجمع لنا الفقهاء والعلماء، قال أبي: ولم أذكر أهل الحديث. فقال إسحاق: وترضى؟

    قلت: نعم أيها الأمير، فمن فلجت حجته كان أغلب. فقال لي ابن أبي ربعي بعد ذلك: ما صنعت! تجمع على ابن أخيك المخالفين له، فيثبتون عليه الحجة ممن يريد ابن أي دؤاد من أهل الكلام والخلاف، هلا شاورتني في ذلك؟ قلت له: قد كان ما كان.

    قال أبي: ولما ذكر لإسحاق بن إبراهيم ما بيننا وبينه من الحرمة المتقدمة، قال لحاجبه البخاري: يا بخاري، اذهب معه إلى ابن أخيه فليكلمه ولا يكلم ابن أخيه بشيء لا تفهمه إلا أخبرتني به.

    vol. 1, p. 471قال أبي: فدخلت على أبي عبد اللَّه مع حاجب إسحاق الذي يقال له: البخاري. فقلت له: يا أبا عبد اللَّه، قد أجاب أصحابك، وقد أعذرت فيما بينك وبين اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، وقد أجاب القوم وبقيت أنت -يعني بقيت في الحبس والضيق.

    فقال لي: يا عم، إذا أجاب العالم تقية، والجاهل بجهل فمتى يتبين الحق؟ !

    قال أبي: فأمسكت عنه، فلما كان بعد أيام من لقائي إسحاق بن إبراهيم وكلامي إياه، لقي إسحاق المعتصم فأخبره بقول أبي وما كلمه به.

  28. غدونا إلى الحبس يومًا نريد الدخول على أبي عبد اللَّه على ما كنا نختلف، وكان في جيراننا رجل، يقال له: هارون، يختلف إلى أبي عبد اللَّه بطعامه من المنزل، ويقضي حوائجه ويخدمه، فقيل لنا: قد حول الليلة أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق، فذهبت أنا وأبي وأصحابنا إلى دار إسحاق، فأردنا الدخول على أبي عبد اللَّه والوصول إليه، فحيل بيننا وبين ذلك، وجاء هارون الجصاص بإفطار أبي عبد اللَّه فدفعه إلى بعض الأعوان يوصله إلى أبي عبد اللَّه، فبعث إسحاق، فأخذ الزنبيل الذي فيه إفطاره فنظر إليه، فإذا فيه رغيفان وشيء من باقلا، فتعجب إسحاق من ذلك.

  29. ولما كان الغد من اليوم الذي حول فيه أبو عبد اللَّه إلى دار إسحاق ونحن عند باب دار إسحاق، إذ جاء أبو شعيب الحجام ومحمد بن رباح، حتى دخلا إلى دار إسحاق، ثم دخلا إلى أبي عبد اللَّه ومعهما صورة السماوات والأرض وغير ذلك.

    قال أبو عبد اللَّه: فسألني عن شيء ما أدري ما هو.

    قال أبو عبد اللَّه: فلما سألاني - يعني: ابن الحجام وابن رباح- قلت:

    vol. 1, p. 472ما أدري، وما أعرف هذا، ثم قال لي أبو شعيب في كلام دار بيني وبينه: وسألته عن علم اللَّه ما هو؟

    قال: علم اللَّه مخلوق. فقلت له: كفرت باللَّه العظيم، فقال لي رسول إسحاق - وكان معه: هذا رسول أمير المؤمنين.

    فقلت له: إن هذا قد كفر باللَّه.

    وقلت لصاحبه ابن رباح الذي جاء معه: إن هذا- أعني: أبا شعيب- قد كفر، زعم أن علم اللَّه مخلوق، فنظر وأنكر عليه مقالته، وقال: ويحك، ما قلت؟ ثم انصرفنا.

    قال حنبل: فبلغني عن أبي شعيب أنه لما خرج من عند أبي عبد اللَّه، سمعه من كان قريبًا منه يقول: ما رأيت لهذا نظيرًا.

  30. وكان أبو عبد اللَّه قال لأبي شعيب في وقت مناظرته: ويلك، بعد طلبك الحديث وكتابتك للعلم، ألم أرك في موضع كذا؟ ! ألم تحضر كذا؟ ! فقال أبو شعيب: ما رأيت لهذا نظيرًا، عجبت من رجل في هذا الذي هو فيه وتوبيخه إياي.

    قال: ولما حول أبو عبد اللَّه من السجن إلى دار إسحاق، كان عليه قيدٌ خفيف فزيد عليه في القيد وثقل، فمكث ثلاثة أيام في دار إسحاق، فلما كانت الليلة الرابعة بعد عشاء الآخرة في شهر رمضان، جاء بُغا الكبير إلى إسحاق بن إبراهيم فأمره بحملي إلى المعتصم.

    قال أبو عبد اللَّه: فأدخلت على إسحاق، فقال لي: يا أحمد، إنها واللَّه نفسُك، قد حلف ألا يقتلك بالسيف، وأن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يحبسك في موضع لا ترى فيه الشمس، أليس قال اللَّه تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [الزخرف: ٣] أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ ! قال أبو عبد اللَّه:

    vol. 1, p. 473فقلت: قال اللَّه تعالى: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} [الأنبياء: ٥٨] {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: ٥] أفخلقهم؟ فسكت.

    قال أبو عبد اللَّه: ثم قال لي إسحاق: يا أحمد، لو أجبت أمير المؤمنين إلى ما دعاك إليه.

    قال: فكلمته بكلام، فقال: إني عليك مشفق، وإن بيننا وبينك حرمة.

    فقلت: ما عندي في هذا إلا الأمر الأول، فقال: اذهبوا به.

  31. فأمر بي فحملت في زورق إلى دار أبي إسحاق، وكانت في سراويلي تكة، فلما حولوني وزاد في قيودي وثقلت علي القيود، لم أقدر أن أمشي فيها، أخرجت التكة من السراويل وشددت بها قيودي، ثم لففت السراويل بغير تكة ولا خيط، فمضى بي إلى دار أبي إسحاق ومعي بُغا، ورسول إسحاق بن إبراهيم، فلما صرت إلى الدار أخرجت من الزورق وحملت على دابة والأقياد ثقلت عليّ وما معي أحدٌ يمسكني، فظننت أني أسقط إلى الأرض أو نحوه، فأدخلت فصيرت في بيت وأغلق علي الباب وأقعد عليه رجلان، وليس في البيت سراج، فقمت أصلي ولم أعرف القبلة، فصيلت، فلما أصبحت نظرت فإذا أنا على القبلة.

    قال أبو عبد اللَّه: فأدخلت من الغد على أبي إسحاق، فإذا هو قاعد، وابن أبي دؤاد حاضر وقد جمع أصحابه، فلما نظر إلي أبو إسحاق فسمعته يقول لهم وقد قربت منهم: أليس زعمتم أنه حدث؟ هذا شيخ مكتهل.

  32. فما أدري ما احتج به الخبيث عليه فلم أفهم ما قال، والدار كثيرة الناس، فلما دنوت سلمت، فقال لي: ادنه. فلم يزل يقول: ادنه. حتى قربت منه، قال: اجلس. فجلست وقد أثقلتني الأقياد، فلما مكثت ساعة قلت له: يا أمير المؤمنين، تأذن لي في الكلام؟

    vol. 1, p. 474قال: تكلم. قلت: إلامَ دعا إليه ابن عمك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-؟

    قال: إلى شهادة أن لا إله إلا اللَّه. قلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا اللَّه.

    وقلت: إن جدك ابن عباس حكى أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، أمرهم بالإيمان باللَّه (١) . . -وذكرت له الحديث كله- يا أمير المؤمنين، وإلام أدعى وهذِه شهادتي وإخلاصي للَّه بالتوحيد؟ ! قال: فسكت، فقال ابن أبي دؤاد كلامًا لم أفهمه.

    1. (١)رواه الإمام أحمد ١/ ٢٢٨، والبخاري (٥٣)، ومسلم (١٧).
  33. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ٨٠ - ٨٦

    قال العباس بن المغيرة: حدثنا أبو علي حنبل قال: قال أبو عبد اللَّه: ولقد احتجوا علي بشيء ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالتهم، وجعل ابن عون يقول: الجسم، وكذا وكذا، فقلت: لا أدري ما تقول. وقلت: هو الأحد الصمد.

    قال أبو عبد اللَّه: فاحتججت عليه، فقلت: زعمتم أن الأخبار تردونها باختلاف أسانيدها وما يدخلها من الوهم والضعف، فهذا القرآن، نحن وأنتم مجمعون عليه، وليس بين أهل القبلة فيه خلاف، وهو الإجماع، قال اللَّه في كتابه تصديقا منه لقول إبراهيم، غير دافع لمقالته ولا منكر، فحكى اللَّه ذلك فقال: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ} [مريم: ٤٢] فذم إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم؟ !

    vol. 1, p. 475قالوا: شبه يا أمير المؤمنين، شبه يا أمير المؤمنين!

    قلت: أليس هذا القرآن، هذا منكر مدفوع؟ ! وهذِه قصة موسى عليه السلام، قال اللَّه لموسى في كتابه حكاية عن نفسه تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} فأثبت اللَّه تعالى الكلام لموسى كرامة منه لموسى، وقال بعد كلامه له: {تَكْلِيمًا} [النساء: ١٦٤] تأكيدًا للكلام. وقال اللَّه تعالى في كتابه: يا موسى {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} [طه: ١٤] أفتنكرون هذا؟ ! فتكون هذِه الياء الراجعة حكاية ترد على غير اللَّه ويكون مخلوقا يدعي الربوبية إلا هو عَزَّ وَجَلَّ. قال اللَّه تعالى: {يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: ١١، ١٢] فهذا كتاب اللَّه يا أمير المؤمنين.

  34. فأمسكوا وأداروا بينهم كلامًا لم أفهمه.

    قال أبو عبد اللَّه: وكان القوم يدفعون هذا وينكرونه.

    قلت له: فأبو إسحاق؟ قال: لم يقل شيئًا، ولم يقدر على دفع القرآن، وأنكروا الكلام والرؤية.

  35. "المحنة" لعبد الغني المقدسي ص ٩٩ - ١٠٠

    قال أحمد في رواية حنبل: إن عرضتُ على السيف لا أجيب.

  36. "الآداب الشرعية" ١/ ١٨٣