٩٥ - فصل: اللفظية وحكم الإمام فيهم

78 paragraphs · vol. 1, p. 526

Page 1 of 2

  1. قال أبو الفضل: قلت لأبي: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يكلم؟

    قال: هذا لا يكلم، ولا يصلى خلفه، وإن صلى رجل أعاد.

    قال أبو الفضل: سأل يعقوب بن إبراهيم الدورقي أبي عمن قال: لفظه بالقرآن مخلوق، كيف تقول في هؤلاء؟

    قال: لا يكلم هؤلاء، ولا يكلم في هذِه، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل جهة، وعلى كل وجه، وعلى أي حال.

    قال صالح: تناهى إلي أن أبا طالب يحكي عن أبي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فأخبرت أبي بذلك، فقال: من أخبرك؟

    فقلت: فلان. قال: ابعث إلى أبي طالب. فوجهت إليه، فجاء، وجاء فوران، فقال له أبي: أنا قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ ! وغضب، وجعل يرعد، فقال له: قرأتُ عليك {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) }. فقلتَ لي: هذا ليس بمخلوق.

    قال: قال: تحكي عني أني قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق (١) ؟ ! وبلغني أنك وضعت ذلك في كتابك، وكتبت به إلى القوم، فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إلى القوم الذين كتبت إليهم أني لم أقل لك هذا. وغضب وأقبل عليه، فقال: تحكي عني ما لم أقل لك. فجعل فوران يعتذر إليه، وانصرف من عنده وهو مرعوب. فعاد أبو طالب فذكر أنه قد حك ذلك من كتابه، وأنه كتب إلى القوم يخبرهم أنه وهم

    vol. 1, p. 527على أبي عبد اللَّه في الحكاية (١) .

    1. (١)في المطبوع من "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي: فقال له: فلم حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق.
    2. (١)ذكرها الذهبي في "السير" ١١/ ٢٨٨ وقال: الذي استقر الحال عليه، أن أبا عبد اللَّه كان يقول: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع. وأنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. فكان رحمه اللَّه لا يقول هذا ولا هذا. وربما أوضح ذلك، فقال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، يريد به القرآن فهو جهمي.
    vol. 1, p. 526
  2. "سيرة الإمام أحمد" لصالح ص ٧٠ - ٧١

    قال أبو داود: سمعت أحمد يتكلم في اللفظية وينكر عليهم كلامهم، فقال له هارون: يا أبا عبد اللَّه، هؤلاء جهمية؟ فجعل يقول: هم وهم، ولم يصرح بشيء، ولم ينكر عليه ما قال من قوله: هم جهمية (٢) .

    قال أبو داود: كتبتُ رقعةً وَأرسلت به إلى أبي عبد اللَّه، وهو يومئذ متوارٍ، فأخرج إليَّ جوابه مكتوبًا فيه: قلتَ: رجل يقول: التلاوة مخلوقة وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن ليس بمخلوق، ما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعًا؟ وعلى ما يكون عقد القلب في التلاوة والألفاظ؟ وكيف الجواب فيه؟ قال: هذا يجانب، وهو فوق المبتدع، وما أراه إلا جهميًّا، وهذا كلام الجهمية، القرآن ليس بمخلوق؟ قالت عائشة: تلا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: ٧] الآية، فقالت: فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إذا رَأَيْتُمْ الذِينَ يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم؛ فإنهم الذِينَ عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ" (٣) ، والقرآن ليس بمخلوق (٤) .

    1. (٢)رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٥ (٢١١٨)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣١ (١٣١).
    2. (٣)رواه الإمام أحمد ٦/ ٤٨، والبخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).
    3. (٤)رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣٠ (١٣٠).
  3. "مسائل أبي داود" (١٧١١ - ١٧١٢) .

    vol. 1, p. 528قال أبو داود: سمعت إسحاق بن إبراهيم بن راهويه ذكر اللفظية فبدعهم.

  4. "مسائل أبي داود" (١٧٤٥) ، (١٧٥٢)

    قال أبو داود: ثنا يعقوب بن إبراهيم أن أحمد بن محمد بن حنبل قال له: اللفظية إنما يدورون على كلام جهم؛ يزعمون أن جبريل عليه السلام إنما جاء بشيء مخلوق [إلى مخلوق] يعني: [جبريل] (١) مخلوق جاء به إلى محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- (٢) .

    قال أبو داود: ثنا أحمد بن إبراهيم قال: سألتُ أحمد بن حنبل قلتُ: هؤلاء الذين يقولون: إن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، فقال: هذا شر من قول الجهمية، من زعم هذا فقد زعم أن جبريل عليه السلام جاء بمخلوق وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تكلم بمخلوق (٣) .

    1. (١)ما بين المعكوفات من "الإبانة".
    2. (٢)رواه حرب في "مسائله" ص ٤٢٣، والخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٢١١٦)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣١ - ٣٣٢ (١٣٢).
    3. (٣)رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٥ (٢١١٧)، وذكرها الذهبي في "السير" ١١/ ٢٩٠ وقال: فقد كان هذا الإمام لا يرى الخوض في هذا البحث خوفًا من أن ينذرع به إلى القول بخلق القرآن، والكف عن هذا أولى. آمنا باللَّه تعالى، وبملائكته، وبكتبه، ورسله، وأقداره، والبعث، والعرض على اللَّه يوم الدين. ولو بسط هذا السطر، وحرر وقرر بأدلته لجاء في خمس مجلدات، بل ذلك موجود مشروح لمن رامه، والقرآن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين، ومعلوم أن التلفظ شيء من كسب القارئ غير الملفوظ، والقراءة غير الشيء المقروء، والتلاوة وحسنها وتجويدها غير المتلو، وصوت القارئ من كسبه فهو يحدث التلفظ والصوت والحركة والنطق، وإخراج الكلمات من أدواته المخلوقة، ولم يحدث كلمات القرآن، ولا ترتيبه، ولا تأليفه، ولا معانيه. فلقد أحسن الإمام أبو عبد اللَّه حيث منع من الخوض في المسألة من الطرفين إذ كل = = واحد من إطلاق الخلقية وعدمها على اللفظ موهم، ولم يأت به كتاب ولا سنة بل الذي لا نرتاب فيه أن القرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق. واللَّه أعلم.
  5. "مسائل أبي داود" (١٧٥٣ - ١٧٥٤)

    vol. 1, p. 529قال ابن هانئ: وسئل عمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، أيصلى خلفه؟ قال: لا يصلى خلفه، ولا يجالس، ولا يكلم، ولا يسلم عليه.

  6. وسمعته يقول: الجهمية قوم سوء.

  7. وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي (١) .

    1. (١)رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٣٩ (١٤٤).
  8. "مسائل ابن هانئ" (١٨٥١ - ١٨٥٣)

  9. وسألته عن الذي يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟

    قال: هذا كلام جهم، من كان يخاصم منهم فلا يجالس ولا يكلم، والجهمي كافر (٢) .

    1. (٢)رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٣٢ (٢١٤٦).
  10. "مسائل ابن هانئ" (١٨٦٤)

    قال حرب بن إسماعيل: سمعت إسحاق بن إبراهيم وسئل عن الرجل قال: القرآن ليس بمخلوق، ولكن قراءتي أنا له مخلوقة؛ لأني أحكيه، وكلامنا مخلوق.

    فقال إسحاق: هذا بدعة، ولا يقار على هذا حتى يرجع ويدع قوله هذا (٣) .

    1. (٣)رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٣١ (٢١٤١).
  11. "مسائل حرب" ٤٢٣

    قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت أبي رحمه اللَّه ما تقول في رجل قال: التلاوة مخلوقة، وألفاظنا بالقرآن مخلوقة، والقرآن كلام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وليس بمخلوق؟ وما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعًا، فقال: هذا يجانب وهو قول

    vol. 1, p. 530المبتدع، وهذا كلام الجهمية، ليس القرآن بمخلوق، قالت عائشة -رضي اللَّه عنها-: تلا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} [آل عمران: ٧] (١) . فالقرآن ليس بمخلوق (٢) .

    1. (١)رواه الإمام أحمد ٦/ ٤٨، والبخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥).
    2. (٢)رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣ (١٤٩).
  12. "السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٦٣ - ١٦٤ (١٧٨)

    قال عبد اللَّه: سألت أبي رحمه اللَّه: إن قوما يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق.

    فقال: هم جهمية وهم أشر ممن يقف، هذا قول جهم. وعظم الأمر عنده في هذا، وقال: هذا كلام جهم (٣) .

    وقال عبد اللَّه: وسألته عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: قال اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] قال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حتى أبلغ كلام ربي" (٤) وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إِنَّ هذِه الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ" (٥) .

    وقال: سمعت أبي رحمه اللَّه يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي (٦) .

    vol. 1, p. 531وقال: سمعت أبي رحمه اللَّه، وسئل عن: اللفظية فقال: هم جهمية وهو قول جهم، ثم قال: لا تجالسوهم.

    وقال: سمعت أبي رحمه اللَّه يقول: كل من يقصد إلى القرآن بلفظ أو غير ذلك يريد به: مخلوق. فهو جهمي (١) .

    وقال: سُئل أبي وأنا أسمع عن: اللفظية والواقفة، فقال: من كان منهم جاهلا فليسأل وليتعلم.

    وقال: سئل أبي رحمه اللَّه وأنا أسمع عن اللفظية والواقفة، فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، وقال مرة: هم شر من الجهمية، وقال مرة أخرى هم جهمية (٢) .

    وقال: سمعت أبي يقول: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. هذا كلام سوء رديء، وهو كلام الجهمية. قلت له: إن الكرابيسي يقول هذا، فقال: كذب -هتكه اللَّه- الخبيث وقال: قد خلف هذا بشرًا المريسي.

    1. (٣)رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٥ - ٣٢٦ (٢١١٩).
    2. (٤)رواه الإمام أحمد ٣/ ٣٩٠، وأبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١) من حديث جابر -رضي اللَّه عنه-. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٩٤٧).
    3. (٥)رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧ ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
    4. (٦)رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٤ (٢١١٣)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية ١/ ٣٤١ - ٣٤٢ (١٤٦).
    5. (١)رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٤ (٢١١٤)، ٢/ ٣٢٨ (٢١٢٧).
    6. (٢)رواه الخلال في "السنة" ٢/ ٣٢٤ (٢١١١)، وابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ١/ ٣٠٧ (٩٧).
  13. وكان أبي رحمه اللَّه يكره أن يتكلم في اللفظ بشيء أو يقال: مخلوق أو غير مخلوق (٣) .

    وقال: سألته عن: الكرابيسي حسين هل رأيته يطلب الحديث؟

    فقال: ما أعرفه وما رأيته يطلب الحديث.

    قلت: فرأيته عند الشافعي ببغداد، فقال: ما رأيته ولا أعرفه.

    vol. 1, p. 532فقلت: إنه يزعم أنه كان يلزم يعقوب بن إبراهيم بن سعد، فقال: ما رأيته عند يعقوب بن إبراهيم ولا غيره وما أعرفه.

    1. (٣)رواه ابن بطة في "الإبانة" كتاب: الرد على الجهمية ١/ ٣٤٢ (١٤٧).
  14. "السنة" لعبد اللَّه ١/ ١٦٤ - ١٦٦ (١٨٠ - ١٨٧)

    قال أبو بكر الخلال: أخبرني أبو يحيى زكريا بن يحيى الناقد قال: ثنا أبو طالب قال: قلت لأبي عبد اللَّه: كتب إلي من طرسوس أن الشراك يزعم أن القرآن كلام اللَّه، فإذا تلوته فتلاوته مخلوقة. قال: قاتله اللَّه! هذا كلام جهم بعينه.

    قلت: رجل قال: القرآن كلام اللَّه وليس بمخلوق، ولكن لفظي به مخلوق.

    قال: من قال هذا فقد جاء بالأمر كله، إنما هو كلام اللَّه على كل حال، الحجة فيه حديث أبي بكر: {الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) } [الروم: ١، ٢]

  15. فقيل له: هذا مما جاء به صاحبك؟ فقال: لا واللَّه، ولكنه كلام اللَّه (١) . هذا وغيره إنما هو كلام اللَّه.

    قلت: بسم اللَّه الرحمن الرحيم {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) } [الأنعام: ١] . هذا الذي قرأت الساعة كلام اللَّه؟

    vol. 1, p. 533قال: إي واللَّه، فهو كلام اللَّه، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فقد جاء بالأمر كله، أيش بقي إذ قال: لفظي؟ ! إن لم يرجع هذا فاجتنبه، ولا تكلمه، هذا مثل ما قال الشراك، أخزاه اللَّه!

    قال: تدري من كان خاله؟

    قلت: لا. قال: عبدك الصوفي، كان صاحب كلام ورأي سوء، كل من كان صاحب كلام فليس ينزع إلى خير، واستعظم ذلك واسترجع.

    وقال: إلام صار الناس؟ ثم قال لي بعد ذلك: إن فلانا بلغني عنه أنه كان يقول: إن ابن نوح قال: الورق والحبر والكتاب مخلوق. وأبو عبد اللَّه يستمع فلم ينكر، كذبت ما سمعت [. . .] (١) قلت: يا أبا عبد اللَّه، إني احتججت عليهم بالقرآن والحديث، وأحب أن أعرضه عليك: قال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] .

    1. (١)رواه الترمذي (٣١٩٤) مطولا دون ذكر: هذا مما جاء به صاحبك. وقال: صحيح حسن. ورواه البخاري في "خلق أفعال العباد" (٧٢) معلقا وعبد اللَّه بن أحمد في "السنة" ١/ ١٤٣ (١١٦)، وابن خزيمة في "التوحيد" (٢٣٧)، والبيهقي في "الاعتقاد" ص ١٠٧ - ١٠٨، وفي "الأسماء والصفات" (٥١٠) وقال: وهذا إسناد صحيح. وذكر الألباني رواية الترمذي وحسن إسنادها. انظر "الضعيفة" ٧/ ٣٦ حديث رقم (٣٣٥٤).
    2. (١)قال محققه: طمس بمقدار ثلاث كلمات.
  16. أليس من محمد صلى اللَّه عليه وسلم سمع كلام اللَّه؟

    وقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) } [النحل: ٩٨] .

    وقال اللَّه تبارك وتعالى: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) } [البقرة: ٧٥] . وقال: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ} [الإسراء: ٤٥] .

    وقال: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧) } [الكهف: ٢٧] . وقال: {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل: ٩٢] .

    وقال: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) } [الإسراء: ٤٥] .

    وقال: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: ٢٠] . فعلى كل حال هو قرآن.

    vol. 1, p. 534وقال في حديث جابر: "إن قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي" .

    وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لمعاوية بن الحكم: "إِنَّ هذِه الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الآدميين إلا القرآن" (١) ، فالقرآن غير الكلام.

    وقال أبو بكر الصديق رضي اللَّه عنه: لا، ولكنه كلام اللَّه وقوله.

    قال أبو عبد اللَّه: ما أحسن ما احتججت! جبريل جاء إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بمخلوق، والنبي عليه السلام جاء إلى الناس بمخلوق؟ !

    قلت: يحزنني أن أقول: هذا كلام جهم -وعلى كل حال هو كلام اللَّه عز وجل. قال: نعم.

    1. (١)رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧، ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
  17. ثم أتيته بعد ذلك، فقال: قد وجدت فيه غير آية: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) } [الإسراء: ١٠٦] .

  18. وفي سورة الجمعة: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: ٢] (٢) .

    قال الخلال: وأخبرني محمد بن علي قال: ثنا يعقوب بن بختان قال: ذكرت لأبي عبد اللَّه أمر الشراك وما جاء فيه من طرسوس فقال: تحذر عنه ولا يجالس ويجفى من دفع عنه وجالسه إذا كان يخبره أمره، إلا أن يكون رجلا جاهلا.

    قال: وأخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل: جاءنا كتاب ابن حبان النجار من طرسوس، وفيه كلام الشراك وما شهدوا عليه (٣) .

    vol. 1, p. 535فقال أبو عبد اللَّه: يحذر عنه وكان قال: لفظي بالقرآن مخلوق.

    قال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إني قلت لأبي ثور: وسألته عن الشراك، قال: هذِه بدعة. فغضب غضبا شديدا، وقال: هكذا أراد أن يقول: بدعة! هذا كلام جهم بعينه.

    قلت: فقد جاءني كتاب من طرسوس يذكرون فيه أمر الشراك وما [. . .] (١) عنه. قال: يحذر عنه.

    قلت: أخبرني رجل من أصحاب الشراك ممن يدفع عنه أنه تكلم بطرسوس إنسان يقال له: أبو حنيفة بهذا الكلام - يعني: لفظي بالقرآن مخلوق- ثم جاء بعد هذا الكلام غلام فتكلم هذا الكلام، وكانوا يرونه يلزم الشراك، فقالوا له: عمن أخذت هذا؟ قال: بيني وبينكم أحمد الشراك. فجاءوا إليه، فقال: هذا يجوز في كلام العرب، وحسن قول الغلام. وقلت: وهو يحلف أني لم أقل. فأي شيء تقول؟ قال: يجفى.

    قلت: ومن دفع عنه؟ قال: يجفى.

    1. (٢)رواه ابن بطة في "الإبانة" الرد على الجهمية (١/ ٣٣٥ - ٣٣٩) رقم (١٤١، ١٤٣).
    2. (٣)أخرج نحوه ابن بطة في "الإبانة" كتاب الرد على الجهمية (١/ ٣٣٨) (١٤٣).
    3. (١)قال محقق الكتاب: كلمة مطموسة.
  19. وأمرني أبو عبد اللَّه أن أحذر عنه، وأهجر من جلس إليه، فأخبرت أبا عبد اللَّه بقدومه إلى بغداد؛ فأمرني أن أحذر عنه، وعن كل من جلس إليه حتى يظهر توبة صحيحة.

    قلت: فإن الشراك يقول: لم أقل، فكيف أتوب؟ فقال أبو عبد اللَّه: كذب، هؤلاء يحكون عنه ويشهدون - يعني: الذين شهدوا عليه بطرسوس.

    قلت: فيجفى من جلس إليه ودفع عنه؟ قال: نعم، إلا رجلا جاهلا لا يدري فيحذر عنه.

    vol. 1, p. 536قلت لأبي عبد اللَّه: إن رجلا من أصحاب الشراك قال: الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل.

    فقال أبو عبد اللَّه: أخزاه اللَّه -أو قاتله اللَّه- أبوا إلا أن يظهروا الكفر.

    قال أبو بكر المروذي: وقال لي إسحاق بن حنبل عم أبي عبد اللَّه: لما قدم الشراك من طرسوس جاءني فانكب على رأسي فقبله، وقال: إن أبا عبد اللَّه غليظ علي.

    فقلت: قد حذر عنك. قال: فاكتب رقعة وتعرضها على أبي عبد اللَّه.

    قال: فكتب رقعة بخطه فأخذتها، فأي شيء لقيت من أبي عبد اللَّه من الغلظة؟ ! وأريت أبا عبد اللَّه كتابا جاءني من طرسوس في الشراك أنهم احتجوا عليه بقول اللَّه: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: ٤٩] وفي حديث أبي أمامة: "هو أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرّجَالِ مِنْ النَّعَمِ مِنْ عُقُلِهَا" (١) وحديث ابن أشعث الباهلي: القرآن -وفيه الذى في صدورنا- غير مخلوق.

    فقال أبو عبد اللَّه: ما أحسن ما احتجوا عليه!

    قال الخلال: أخبرنا الحسن بن عبد الوهاب قال: ثنا أبو بكر - يعني: ابن حماد- قال: سمعت هارون الحمال يقول: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل عن أحمد الشراك؟ فقال: لا يُكلَّم، ولا يُجالَس، ويُهجَر، ويحذر عنه.

    vol. 1, p. 537قال الخلال: أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم أنه سأل أبا عبد اللَّه عن أحمد الشراك، فقال: تبين أمره وتحذر عنه، ولا يجالس ولا يكلم.

    1. (١)لم أقف عليه من حديث أبي أمامة، لكن رواه الإمام أحمد ١/ ٤١٧، والبخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٩٠) من حديث ابن مسعود. ورواه الإمام أحمد ٤/ ٣٩٧، والبخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١) من حديث أبي موسى الأشعري.
  20. وسمعت أبا عبد اللَّه يقول لأبي يوسف عمه: لم أردت أن تقعد معهم أو تكلمهم؟ لا يقربنك منهم أحد - يعني: الشراك ومن كان معه.

    قلت له: يا أبا عبد اللَّه! إنه يدفع عن نفسه هذِه المقالة، فقال: لقد قرأت كتابا جاءني في أمره فيه كلام سوء، لا أخبرك لا أدري ما هو، لا أخبرك لا أدري ما هو، وذاكرته أمر رجل؟ فقال: جهمية صراح، يعني: لفظي بالقرآن مخلوق.

  21. "السنة" للخلال ٢/ ٣١٨ - ٣٢٢ (٢٠٩٧ - ٢١٠٢)

    قال الخلال: وأخبرني محمد بن يحيى الكحال؛ قال: مرَّ بنا الشراك فسلَّم عليَّ وحكى لي كيف فعل، وقلت: نهانا أبو عبد اللَّه عنك وأمر بهجرانك -أو كما

    قال محمد بن يحيى- قال: فقال: بيننا وبينكم القيامة.

    قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، قال: ثنا أبو طالب، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: قال أحمد بن إبراهيم بن الدورقي: إن الكرابيسي كان إلى جنبه فسمعه يقول: أخرجوا أحمد البائس - يعني: الشراك- من عبادان. واستعدوا عليه السلطان حتى أخرجوه، هؤلاء الكفار باللَّه، هم أعظم من اليهود والنصاري، فقال أبو عبد اللَّه: رجع أمره إلى أصل الجهمية لما كفر وأظهر الجهمية.

    قلت: كان هذا عقده فأظهره؟ قال: نعم.

    قال الخلال: أخبرني محمد بن جعفر ومحمد بن موسى أن أبا

    vol. 1, p. 538الحارث حدثهم أنه قال لأبي عبد اللَّه: إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق. فهو جهمي؟ قال: فأيش بقي إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ !

    قال الخلال: أخبرنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ قال: يقال لمن قال هذِه المقالة: لا إله إلا اللَّه هو مخلوق؟ هو يلزمه في مقالته هذِه هذا، ويقال له: لفظ جبريل به مخلوق؟ ولفظ محمد به مخلوق؟ قال: هذا كلام سوء رديء وهو كلام الجهمية، قال: وبلغني أنهم أنحلوه نعيما وكذبوا عليه وما نعلم [. . .] (١) كتابا يقرؤه على الناس، هذِه الكتب بدعة وضعها.

    قال الخلال: سمعت أبا بكر المروذي يقول: أتيت أبا عبد اللَّه ليلة في جوف الليل فقال لي: يا أبا بكر بلغني أن نعيمًا كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فإن كان قاله فلا غفر اللَّه له في قبره.

    1. (١)قال محقق "السنة" للخلال: طمس بمقدار كلمة.
  22. "السنة" للخلال ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ (٢١٠٥ - ٢١٠٩)

    قال الخلال: وأخبرني محمد بن الحسن بن هارون، قال: سألت أبا عبد اللَّه فقلت: يا أبا عبد اللَّه، أنا رجل من أهل الموصل، وقد سمعت فيهم مسألة الكرابيسي فأفتنهم قول الكرابيسي: لفظي بالقرآن مخلوق.

    فقال لي: إياك إياك أربعا أو خمسا؛ لا تكلم الكرابيسي، ولا تكلم من يكلمه.

    فقلت: يا أبا عبد اللَّه، هذا القول عندك، وما تشعب منه يرجع إلى قول جهم؟ قال: هذا كله من قول جهم.

  23. "السنة" للخلال ٢/ ٣٢٤ (٢١١٥)

    vol. 1, p. 539قال الخلال: أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، قال: ثنا أبو طالب أنه سمع أبا عبد اللَّه سأله يعقوب الدورقي. وأخبرنا محمد بن علي، قال: ثنا صالح؛ قال: سمعت أبي سأله يعقوب الدورقي. وأنبأ محمد بن علي، قال: ثنا محمد بن إسحاق، قال: ثنا يعقوب الدورقي.

  24. وأخبرنا عثمان بن صالح الأنطاكي قال: ثنا الدورقي قال: قلت لأحمد بن حنبل -المعنى قريب- ما تقول فيمن زعم أن لفظه بالقرآن مخلوق؟ قال: فاستوى أحمد لي جالسًا ثم قال: يا أبا عبد اللَّه، هؤلاء عندي أشر من الجهمية، من زعم هذا فقد زعم أن جبريل هو المخلوق، وأن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تكلم بمخلوق وأن جبريل جاء إلى نبينا بمخلوق، هؤلاء عندي أشر من الجهمية، لا تكلم هؤلاء ولا تكلم في شيء من هذا، القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل جهة وعلى كل وجه تصرف وعلى أي حال كان، لا يكون مخلوقًا أبدًا، قال اللَّه تبارك وتعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] ولم يقل: حتى يسمع كلامك يا محمد، وقول النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ" (١) ، وقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: "حتى أبلغ كلام ربي" (٢) ، هذا قول جهم، على من جاء بهذا غضب اللَّه.

    قلت له: إنما يدورون هؤلاء على الإبطال؟ قال: نعم، عليهم لعنة اللَّه.

    1. (١)رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧، ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم السلمي.
    2. (٢)رواه الإمام أحمد ٣/ ٣٩٠، وأبو داود (٤٧٣٤)، والترمذي (٢٩٢٥)، وابن ماجه (٢٠١) من حديث جابر -رضي اللَّه عنه-. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب. وصححه الألباني في "الصحيحة" (١٩٤٧).
  25. "السنة" للخلال ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥ (٢١١٦)

    vol. 1, p. 540قال الخلال: أخبرني حنبل بن إسحاق بن حنبل؛ أنه سمع أبا عبد اللَّه قيل له: فمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق يكلم؟

    قال: وأي شيء بقي؟ ! هذا لا يكلم، ولا يصلى خلف من قال: القرآن مخلوق، ولا خلف من يقف، ولا خلف من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وإن صلى خلف رجل منهم وهو لا يعلم ثم علم أعاد الصلاة.

    ثم قال أبو عبد اللَّه: وأي شيء بقي إذا وقف وشك أن كلام اللَّه غير مخلوق؟ ! أو قال: لفظه بالقرآن مخلوق فكيف يتم به الصلاة؟ لا تتم الصلاة بمخلوق، والقوم قد [. . .] (١) أو هم لا يعلمون.

    1. (١)قال محقق "السنة": طمس بمقدار كلمة.
  26. "السنة" للخلال ٢/ ٣٢٦ (٢١٢١)

    قال الخلال: وأخبرني حنبل بن إسحاق، قال: سمعت أبا عبد اللَّه وذكر هذا الحديث - يعني: حديث معاوية بن الحكم السلمي (٢) - فقال: فيه حجة أن كلام اللَّه ليس بمخلوق، وأن الصلاة تتم به، وكلام الآدميين لا يصلح في الصلاة، ففرق رسول اللَّه بين الكلام بالقرآن والكلام بغيره في الصلاة لما قال: "لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين" فلو كان كذلك لم تتم الصلاة به كما لا تتم بغيره من كلام الناس. فبين قراءة القرآن وكلام الناس فرق، ولا تتم الصلاة إلا بقراءة القرآن، وقراءة الآدميين في الصلاة ليس مثل كلامهم بغيره، وجعل كلامهم بالقرآن تتم، وكلامهم بغير القرآن لا تتم، وقال: "إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِير، وَقِرَاءَة القرآن" (٣) فبين النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في هذا أنها بقراءة

    vol. 1, p. 541القرآن تتم، وبغير القرآن لا تتم، والتهليل والتسبيح من القرآن وبه تتم الصلاة.

    ثم قال أبو عبد اللَّه: لا أحب الخوض في هذا ولا الكلام فيه.

    قال الخلال: أخبرني محمد بن أحمد بن جامع الرازي قال: سمعت محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل قلت له: أحب أن تتحمل لي استفتاء عما أريد في اللفظية.

    قال: هم شر من هؤلاء من الواقفة يلبسون على الناس، وقال اللَّه عَزَّ وَجَلَّ: {حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦]

    وقال: {يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة: ٧٥] ممن كانوا يسمعون.

    قال أحمد: القرآن حيث تصرف كلام اللَّه، واللفظية جهمية.

    1. (٢)سبق تخريجه.
    2. (٣)رواه الإمام أحمد ٥/ ٤٤٧، ومسلم (٥٣٧) من حديث معاوية بن الحكم.
  27. قلنا: هل علمت أن أحدًا من الجهمية كان يقوله؟

    قال: بلغني أن المريسي كان يقوله.

    قال الخلال: أخبرني معاذ بن المثني العنبري أن هارون بن عبد اللَّه البزار حدثهم قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إنه قد ظهر قوم يتكلمون بكلام تشمئز منه القلوب، وأن قوما يسألوننا فنخبرهم، وأحب أن أزداد برأيك بصيرة، قوم يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق.

    فقال قولًا بغضب: هذا كلام سوء خبيث.

    فقلت: أليس نقول: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل حال وعلى كل جهة؟ قال: نعم.

    قال الخلال: أخبرني الحسين بن إسحاق التستري؛ أن أبا عبد اللَّه سُئل عن هؤلاء اللفظية؛ فقال: هم الجهمية.

  28. "السنة" للخلال ٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨ (٢١٢٣ - ٢١٢٦)

    قال الخلال: أخبرنا إسماعيل بن إسحاق الثقفي وأحمد بن الحسين،

    vol. 1, p. 542قال إسماعيل: سألت أحمد قلت: من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟

    قال: هو جهمي، زاد أحمد بن الحسين: لا يشك فيه.

    قال الخلال: أخبرني (أحمد أبو بكر محمد بن علي) (١) أن يعقوب بن بختان حدثهم. وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: سمعت أبا عبد اللَّه قال: الذين قالوا: لفظنا بالقرآن مخلوق هذا كلام الجهمية.

    قال: أخبرني محمد بن سليمان الجوهري، قال: قال لي أبو عبد اللَّه: وإياك ومن أحدث حدثًا ثالثًا، فقال باللفظ الكلام فيه لا يحل؛ القرآن كلام اللَّه غير مخلوق من جميع الجهات.

    قال: أخبرني أحمد بن الحسين؛ أن أبا عبد اللَّه قال له الطالقاني: أبا عبد اللَّه، اللفظية ما تقول فيهم؟ قال: اللَّه المستعان نحن نطلب العافية وليس شرك، جهمية لا يشك فيهم.

    قال له: كيف قلت يا أبا عبد اللَّه في اللفظية؟ قال: جهمية لا يشك فيهم.

    قال: أخبرني أبو بكر محمد بن علي؛ أن يعقوب بن بختان حدثهم؛ أنه سأل أبا عبد اللَّه عمن قال: أقول كلامي ولفظي، وكلام اللَّه غير مخلوق؟

    فقال: هذا قول سوء، هؤلاء شر من الجهمية.

    قال: أخبرني منصور بن الوليد؛ أن جعفر بن محمد حدثهم، قال: قلت لأبي عبد اللَّه: أيش ترى أنا أقول: من قال: لفظه بالقرآن مخلوق كافر؟

    قال: هو كلام جهم، هو كلام جهم، هو كلام جهم، والجهمية يكفرون.

    قال: وأخبرني محمد بن أبي هارون؟ أن إسحاق حدثهم قال: سمعت

    vol. 1, p. 543أبا عبد اللَّه يقول: من زعم أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي.

    قال: أرأيت حيث جاء جبريل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فتلا عليه القرآن، فتلاوة جبريل على النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بالقرآن أكان مخلوقًا؟ !

    قال: أخبرني جعفر بن محمد العطار، قال: ثنا خطاب بن بشر، قال: أتينا أحمد بن حنبل في النصف من رجب سنة ثمان وثلاثين أنا وأبو عثمان الشافعي، فسئل عن هؤلاء الذين يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق. فكره المسألة وأعرض عنه، ثم قال: هؤلاء جهمية، هؤلاء جهمية.

    قال الخلال: سمعت عبد اللَّه بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: وقيل له: إن لوينا، وأخبرني عبد الكريم بن الهيثم أن الحسن بن البزار حدثهم أن أبا عبد اللَّه قيل له: إن لوينا احتج على اللفظية {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] ، قال أبو عبد اللَّه: وهل هذا إلا في الدنيا ممن سمع كلامه؟ !

    وقال: قد أبلغ منهم بما حدث. وهذا على لفظ ابن البزار.

    قال: أخبرني أبو بكر محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدثهم أنه سمع أبا عبد اللَّه يقول: صاروا طبقات اللفظية، ثم قال: قال اللَّه: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} [مريم: ٩٧] .

    فقلت: يقول اللَّه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] إنما سمعوا كلام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-. قال: نعم.

    1. (١)كذا جاء الاسم في طبعتي دار الراية، والفاروق لكتاب "السنة" للخلال، ولعل كلمة (أحمد) مقحمة، أو المقصود الخلال وسقطت لفظة التحمل.
  29. وسُئل عمن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق هو جهمي، [قال: ] ما هم عندي مسلمون، والجهمية كفار (١) .

    vol. 1, p. 544قال: وأخبرني أبو بكر محمد بن علي؛ أن يعقوب بن بختان حدثهم؛ أنه قال لأبي عبد اللَّه: قال عبدوس الرازي: إذا قرأت القرآن فأردت به الصلاة والثواب والأجر فهو مخلوق، وإذا قرأت القرآن أريد اللَّه به فهو غير مخلوق.

    فقال: لا فرج اللَّه عن هذا، هذا كلام سوء، ما أقل ما يفلح صاحب كلام.

    قال: ذكر محمد بن عبيد الرحبي قال: سمعت علي بن المصري يقول: رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- في النوم وعلى يمينه أبو بكر وعلى يساره عمر -رضي اللَّه عنهما- فقلت: يا رسول اللَّه، هؤلاء اللفظية؟

    فقال: هم الجهمية، فقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: ولا صلاة لهم فقلت: يا رسول اللَّه! ومن يبين لي ذلك؟ ومن يشهد لي بذلك؟ قال: أحمد بن محمد بن حنبل. وأومأ بيده إلى رجل مغطى الرأس جالس ناحية، فجئت فكشفت الخرقة عن وجهه فإذا هو أحمد بن محمد بن حنبل رحمه اللَّه وإذا أثر الحناء قد نصل (١) في لحيته، ويده على خده كهيئة الحزين، فلما أصبحت غدوت عليه فقلت: هؤلاء اللفظية؟ فقال: هم الجهمية.

    قال: أخبرني الحسين بن عبد اللَّه قال: سألت أبا بكر المروذي عن قصة هشام بن عمار أيش أنكر عليه أبو عبد اللَّه؟

    فقال: ورد علي كتاب من دمشق فيه: سل لنا أبا عبد اللَّه فإن هشام بن عمار قال: لفظ جبريل ومحمد عليهما السلام بالقرآن مخلوق، فسألت أبا عبد اللَّه عما كتبوا به، فقال: قاتله اللَّه، الكرابيسي لم يجترئ أن

    vol. 1, p. 545يدخل جبريل ولا محمدًا صلى اللَّه عليه وسلم، هذا قد تجهم، قاتله اللَّه (١) .

    1. (١)انظر: "طبقات الحنابلة" ١/ ٤٦.
    2. (١)النصل: أثر خروج الخضاب من اللحية.
    3. (١)ذكرها الذهبي في "السير" ١١/ ٤٣٢ وقال: كان الإمام أحمد يسد الكلام في هذا الباب، ولا يجوزه، وكذلك كان يبدع من يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق. ويضلل من يقول: لفظي بالقرآن قديم، ويكفر من يقول: القرآن مخلوق. بل يقول: القرآن كلام اللَّه منزل غير مخلوق، وينهى عن الخوض في مسألة اللفظ. ولا ريب أن تلفظنا بالقرآن من كسبنا، والقرآن الملفوظ المتلو كلام اللَّه تعالى غير مخلوق، والتلاوة والتلفظ والكتابة والصوت به من أفعالنا، وهي مخلوقة، واللَّه أعلم.
  30. "السنة" ، للخلال ٢/ ٣٢٨ - ٣٣١ (٢١٢٨ - ٢١٤٠)

    قال الخلال: أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان سمع أبا عبد اللَّه يقول: اللفظية جهمية، لا تكلمه ولا تجالسه.

    قال: أخبرني أبو بكر المروذي، أن أبا عبد اللَّه سئل عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ قال: جهمي.

    قال: أخبرني الحسين بن محمد أنه قال لأبي عبد اللَّه: فمن قال هذِه المقالة يحذر عنه؟ قال: أشد التحذير.

    قال: أخبرني حنبل بن إسحاق بن حنبل قال: سمعت أبا عبد اللَّه قيل له: من

    قال: لفظي بالقرآن مخلوق يكلم؟ فقال: وأي شيء بقي؟ ! هذا لا يكلم.

    قال: وأخبرني محمد بن علي أن يعقوب بن بختان حدثهم.

  31. وأخبرنا محمد بن علي؛ أن صالح بن أحمد حدثهم، قال: قلت لأبي: من

    قال: لفظي بالقرآن مخلوق يكلم؟ قال: وأيش بقي؟ ! هذا لا يكلم، قال يعقوب وإسحاق: ولا يجالس.

    قال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: أنكر أبو عبد اللَّه على من رد بشيء

    vol. 1, p. 546من جنس الكلام إذا لم يكن فيها إمام يقدم.

    قال: وأخبرنا أبو بكر المروذي، قال: قيل لأبي عبد اللَّه: إن رجلًا تكلم بكلام فرد عليه رجل من أهل السنة بعد ذلك بكلام محدث. فغضب أبو عبد اللَّه وأنكر عليهما جميعًا، وقال: يستغفر ربه الذي رد بمحدثة، وقال: كلما ابتدع رجل بدعة اتسعوا في جوابها.

    قال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: حدثني أبو عبد اللَّه محمد بن الوليد صاحب غندر، قال: أخبرني أبو يعقوب البصري -وكان من خيار المسلمين رحمه اللَّه- قال: تكلم معاذ بن معاذ بشيء فبلغ يحيى بن سعيد القطان فأرسل بابنه: قد أدركت ابن عون ويونس، هل سمعت أحدًا منهم تكلم بمثل هذا؟

  32. فرجع معاذ وقال: أي شيء يقول يحيى حتى أقول؟ !

    قال ابن الوليد: فهؤلاء - يعني: الجهمية اللفظية- الذين قالوا: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، ويزعمون أن إمامهم أحمد بن حنبل ويظهرون خلافه عن جهم، من قال: لفظي بالقرآن مخلوق إلا أحمد بن حنبل حتى انتشر في الآفاق وقبل الناس قوله، فالذي جهم من قال: لفظي بالقرآن مخلوق. هو أنكر على من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وقال: ما سمعت عالمًا قال هذا.

  33. "السنة" للخلال ٢/ ٣٣١ - ٣٣٣ (٢١٤٢ - ٢١٤٨)

    قال الخلال: أخبرنا المروذي قال: بلغ أبا عبد اللَّه عن أبي طالب أنه كتب إلى أهل نصيبين أن لفظي بالقرآن غير مخلوق، قال أبو بكر: فجاءنا صالح بن أحمد فقال: قوموا إلى أبي. فجئنا فدخلنا على أبي عبد اللَّه، فإذا هو غضبان شديد الغضب يبين الغضب في وجهه فقال: اذهب فجئني بأبي

    vol. 1, p. 547طالب. فجئت به، فقعد بين يدي أبي عبد اللَّه وهو يرعد، فقال: كتبت إلى أهل نصيبين تخبرهم عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: إنما حكيت عن نفسي.

    قال: فلا تحك هذا عنك ولا عني، فما سمعت عالمًا قال هذا.

    قال أبو عبد اللَّه: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق كيف تصرف، فقيل لأبي طالب: اخرج فأخبر أن أبا عبد اللَّه قد نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فخرج أبو طالب، فلقي جماعة من المحدثين فأخبرهم أن أبا عبد اللَّه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.

    قال الخلال: قال أبو بكر المروذي: وقال حمدان بن علي الوراق: شكا إليّ أبو طالب ما نزل به من أبي عبد اللَّه، قال: وثب علي كأنه أسد، وقال أبو عبيدة، جاءني أبو طالب فقال لي: يا أبا عبيدة، كان الوهم من قبلي، وأخبر بنهي أبي عبد اللَّه وما نزل به.

    وقال الفضل بن زياد: كنت أنا والبستي عند أبي طالب، قال: فأخرج إلينا كتابا وقد ضرب على المسألة، وقال: الخطأ من قبلي، وأنا أستغفر اللَّه، إنما قرأت على أبي عبد اللَّه القرآن فقال: هذا غير مخلوق. وكان الوهم من قبلي يا أبا العباس.

    وقال أبو بكر المروذي: وكاتبه جماعة من أهل نصيبين ممن كان أبو طالب كتب بالمسألة إليهم، فأخبرهم أبو طالب بإنكار أبي عبد اللَّه أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.

    قال أبو بكر المروذي: ورأيت كتاب أبي طالب بخطه إلى أهل نصيبين بعد وفاة أبي عبد اللَّه يخبرهم أن أبا عبد اللَّه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.

    vol. 1, p. 548قال الخلال: أخبرني محمد بن علي الوراق قال: ثنا صالح قال: تناهى إلى أبي أن أبا طالب يحكي عن أبي أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فأخبرت أبي بذلك، فقال: من أخبرك؟ قلت: فلان.

    قال: ابعث إلى أبي طالب. فجئت إليه، فجاء وجاء فوران، فقال له أبي: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ ! وغضب وجعل يرعد.

    فقال له: قرأت عليك: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فقلت لي: هذا ليس بمخلوق.

    قال له: لم حكيت عني أني قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وبلغني أنك وضعت ذلك في كتابك وكتبت به إلى قومٍ، فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إلى القوم الذين كتبت إليهم أني لم أقل لك هذا. وغضب وأقبل عليه، فقال: تحكي عني ما لم أقل لك؟ ! فجعل فوران يعتذر إليه، وانصرف من عنده وهو مرعوب، فعاد أبو طالب فذكر أنه قد محا ذلك من كتابه، وأنه كتب إلى القوم يخبرهم أنه وهم على أبي عبد اللَّه في الحكاية.

    قال الخلال: قال أبو يحيى بن زكريا بن الفرج البزار: قال لي أبو محمد فوران.

  34. وأخبرني محمد بن علي الوراق، قال: ثنا أبو محمد فوران، قال: جاءني صالح وأبو بكر المروذي عندي، فدعاني إلى أبي عبد اللَّه، وقال: إنه قد بلغ إليّ أن أبا طالب قد حكى عني أنه يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فقمت إليه وتبعني صالح من بابه فدخلنا على أبي عبد اللَّه فإذا أبو عبد اللَّه غضبان شديد الغضب، يتبين الغضب في وجهه، فقال لأبي بكر: اذهب فجئني بأبي طالب، فجاء أبو طالب، فجعلتُ أُسكِّن

    vol. 1, p. 549أبا عبد اللَّه قبل مجيء أبي طالب، وأقول: له (حرمة) ، فقعد بين يديه وهو متغير اللون.

    فقال له أبو عبد اللَّه: حكيتَ عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟

    فقال: إنما حكيتُ عن نفسي. فقال له: فلا تحك هذا عنك ولا عني؛ فما سمعت عالمًا قال هذا. أو العلماء، شك فوران.

    وقال له: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق حيث تصرف، فقلت لأبي طالب - وأبو عبد اللَّه يسمع: إن كنت حكيت هذا لأحد، فاذهب حتى تخبره أن أبا عبد اللَّه نهى عن هذا، فخرج أبو طالب، فأخبر غير واحد بنهي أبي عبد اللَّه، منهم: أبو بكر بن زنجويه، والفضل بن زياد القطان، وحمدان بن علي الوراق، وأبو عبيدة بن عامر.

  35. وكتب أبو طالب بخطه إلى أهل نصيبين بعد موت أبي عبد اللَّه يخبرهم أن أبا عبد اللَّه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق. وجاءني أبو طالب بكتابه، وقد ضرب على المسألة من كتابه.

  36. زاد زكريا بن الفرج قال: فمضيت إلى عبد الوهاب الوراق، فأخذ الرقعة فقرأها، فقال لي: من أخبرك بهذا عن أحمد؟ فقلت له: فوران. فقال: الثقة المأمون على أحمد. قال زكريا بن الفرج: وكان قبل ذلك قد أخبر أبو بكر المروذي عبد الوهاب، فصار عن عبد الوهاب شاهدان.

    قال أبو زكريا: وسمعت عبد الوهاب قال: من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق؛ يهجر ولا يكلم، ويحذر عنه، وكان قبل ذلك قال: هو مبتدع.

    قال علي بن عيسى: إن حنبلًا حدثهم قال: كان أبو طالب حكى عن أبي عبد اللَّه أنه قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فأخبر أبو عبد اللَّه، فبعث

    vol. 1, p. 550إلى أبي طالب فجاء وجاء معه فوران، فقال له أبو عبد اللَّه وغضب: أنا قلت لك: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ !

    فقال له أبو طالب: قرأت عليك: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فقلت لي: هذا ليس بمخلوق. قال: فلم حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ ! ووضعت في ذلك كتابًا، وكتبت به إلى قوم؛ فإن كان في كتابك فامحه أشد المحو، واكتب إلى القوم أو من كتبت به إليه أني لم أقل هذا. وغضب غضبًا شديدًا، إنما كره أبو عبد اللَّه أنه حكى عنه كلاما [لم] يقله؛ فأنكر ذلك عليه، وغضب من ذلك.

    ثم قال أبو عبد اللَّه: القرآن كلام اللَّه بكل جهة غير مخلوق، فأجمل الكلام فيه أنه على كل جهة غير مخلوق.

    قال حنبل: وسمعت أبا عبد اللَّه يقول: قد نهيتم أن تماروا في القرآن، وأن تضربوا بعضه ببعض، فما لكم وللجدال في القرآن؟ ! القرآن كلام اللَّه غير مخلوق على كل وجه وعلى كل حالٍ وحيث تصرف، وما أحب الكلام ولا المراء. وكان ينهى عن ذلك.

    قال محمد بن هارون الجرجرائي بطرسوس: ثنا إبراهيم بن أبان الموصلي قال: سمعت أبا عبد اللَّه وقد دخل عليه أبو طالب، فقال له: بلغني أنك أخبرت عني في القرآن بشيء لم تسمعه مني، سمعتني أقول: إن لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ !

    فقال: ما سمعت منك شيئًا؛ هذا شيء قلته عن نفسي.

    فقال: ما كل ما تكلمت به إلا منسوب إليَّ؛ لولا أني أكره صرم المسلم أو قطعه ما كلمتك.

    قال أحمد بن محمد بن مطر: ثنا أبو طالب قال: سمعت أبا عبد اللَّه

    vol. 1, p. 551يقول -وأبو محمد فوران حاضر، فقال لي: حكيت عني أني قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق؟ !

    قلت: إنما حكيت عن نفسي.

    قال: لا تحك عني ولا عنك هذا، ما سمعت عالمًا قال هذا.

    وقال: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق حيث تصرف وعلى كل جهة.

    قال أبو بكر المروذي: قال لي أبو عبد اللَّه: قد غلظ قلي على ابن شداد.

    قلت: أي شيء حكى عنك في اللفظ؟

  37. فبلغ ابن شداد أن أبا عبد اللَّه قد أنكر عليه، فجاءنا حمدون بن شداد بالرقعة فيها مسائل، فأدخلتها على أبي عبد اللَّه، فنظر فرأى فيها أن لفظي بالقرآن غير مخلوق مع مسائل فيها.

    فقال أبو عبد اللَّه: فيها كلام ما تكلمت به. فقام من الدهليز فدخل فأخرج المحبرة والقلم، وضرب أبو عبد اللَّه على موضع: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وكتب أبو عبد اللَّه بخطه بين سطرين: القرآن حيث تصرَّف غيرُ مخلوق، وقال: ما سمعت أحدًا تكلم في هذا بشيء. وأنكر على من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.

    قال أبو بكر المروذي: قال ابن الطبري: فجاءنا حمدون بن شداد بالرقعة فقال: الساعة جئت من عند أبي عبد اللَّه، وفيها القرآن حيث تصرف غير مخلوق.

    قال: وقال علي الجزاز: أنا أحضر عند ابن الطبري حين جاء شداد بالرقعة فيها: لفظي بالقرآن غير مخلوق مضروب عليه، وبين السطرين: القرآن حيث تصرف غير مخلوق.

    وقال أبو العباس: ثنا محمد بن علي الوراق قال: ثنا أبو محمد فوران

    vol. 1, p. 552قال: جاءني شداد برقعة فيها مسائل، وفيها: أن لفظي بالقرآن غير مخلوق، فدفعتها إلى أبي بكر المروذي، وقلت له: اذهب بها إلى أبي عبد اللَّه فأخبره أن ابن شداد هاهنا، وهذِه الرقعة قد جاء بها، فما كرهت منها وأنكرت فاضرب عليه.

  38. فجاءني بالرقعة قد ضرب على موضع: لفظي بالقرآن غير مخلوق، وكتب أبو عبد اللَّه بخطه: القرآن حيث تصرف غير مخلوق.

    قال فوران: وأعرف خط أبي عبد اللَّه.

    قال أحمد بن الحسين بن علي البزوري: سمعت أبا عبد اللَّه حين سأله رجل عن اللفظ، فقال له: يا أبا عبد اللَّه، حكوا عنك بالكرخ أنك قلت: لفظي بالقرآن غير مخلوق. فوقف غضبان، وقال: ما أكثر الكذب عليَّ! ما قلت في هذا شيئًا، ولا أقول، إنما بلغني هذا الكلام. فقلت: هذا كلام سوء أختبره، اللَّه المستعان. ودخل إلى منزله مغضبًا.

    قال الخلال: أخبرني منصور بن الوليد النيسابوري: أن جعفر بن محمد النسائي قال: صح عندي في حياة أبي عبد اللَّه أنه نهى أن يقال: لفظي بالقرآن غير مخلوق.

    قال جعفر بن محمد النسائي: من قال هذا فهو كلام محدث لم يقله أحد من العلماء.

    قال سليمان بن الأشعث: سمعت أبا عبد اللَّه يقول: على كل حال من الأحوال القرآن غير مخلوق.

  39. قال محمد بن موسى ومحمد بن جعفر إن أبا الحارث حدثهم، قال: سمعت رجلًا يقول لأبي عبد اللَّه: يا أبا عبد اللَّه، أليس تقول: القرآن كلام اللَّه ليس بمخلوق، لمعنى من المعاني، وعلى كل حال وجهة؟

    vol. 1, p. 553قال أبو عبد اللَّه: نعم.

    قال أبو بكر المروذي: قرأت على أبي عبد اللَّه: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، فقال: هذا غير مخلوق.

  40. قال عبد اللَّه بن محمود بن أفلح -بعين زربة- سمعت أبا بكر بن زنجويه يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال: لفظه بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال: لفظه بالقرآن غير مخلوق، فهو مبتدع لا يكلم.