الشهادة على فعل النفس
17 paragraphs · vol. 1, p. 496
- ِ فِيهِ فُرُوعٌ: مِنْهَا:
-
قَوْلُ الْمُرْضِعَةِ: أَشْهَدُ أَنِّي أَرْضَعْتُهُ وَفِي الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ وَجْهَانِ. أَصَحُّهُمَا: الْقَبُولُ.
-
وَالثَّانِي لَا ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ النَّفْسِ، فَلْتَقُلْ إنَّهُ ارْتَضَعَ مِنِّي.
- vol. 1, p. 497
وَمِنْهَا: قَوْلُ الْحَاكِمِ بَعْدَ عَزْلِهِ: أَشْهَدُ أَنِّي حَكَمْت بِكَذَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ. الصَّحِيحُ عَدَمُ الْقَبُولِ. وَمِنْهَا: الْقَسَّامُ إذَا قَسَّمُوا ثُمَّ شَهِدُوا لِبَعْضِ الشُّرَكَاءِ عَلَى بَعْضِ أَنَّهُمْ قَسَّمُوا بَيْنَهُمْ وَاسْتَوْفَوْا حُقُوقَهُمْ بِالْقِسْمَةِ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ الْقَبُولِ أَيْضًا.
-
وَمِنْهَا: لَوْ شَهِدَ الْأَبُ وَآخَرُ أَنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ مِنْ رَجُلٍ، وَهِيَ تُنْكِرُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ. وَقَدْ فَرَّقَ الْأَصْحَابُ بَيْن مَسْأَلَةِ الْمُرْضِعَةِ وَمَسْأَلَةِ الْحَاكِمِ وَالْقَاسِمِ، بِأَنَّ فِعْلَ الْمُرْضِعَةِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ وُصُولُ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ، وَأَمَّا الْحَاكِمُ وَالْقَاسِمُ فَفِعْلُهُمَا مَقْصُودٌ وَيُزَكِّيَانِ أَنْفُسَهُمَا لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَالَتُهُمَا قَالَ السُّبْكِيُّ: وَزِيَادَةٌ أُخْرَى فِي شَرْحِ كَوْنِ فِعْلِ الْحَاكِمِ وَالْقَاسِمِ مَقْصُودًا أَنَّهُ إنْشَاءٌ يُحْدِثُ حُكْمًا لَمْ يَكُنْ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ إلْزَامٌ وَيَرْفَعُ الْخِلَافَ، وَقِيمَةُ الْقَاسِمِ تُمَيِّزُ الْحِينَ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ حَدَثَتْ مِنْ فِعْلِهِمَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلُهُمَا، وَأَمَّا فِعْلُ الْمُرْضِعَةِ فَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ بَلْ فِعْلٌ مَحْسُوسٌ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمُ الرَّضَاع مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلُهُمَا، بَلْ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَصْلًا بَلْ عَلَى مَا بَعْدَهُ وَهُوَ وُصُولُ اللَّبَنِ إلَى الْجَوْفِ حَتَّى لَوْ وَصَلَ بِغَيْرِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ حَصَلَ الْمَقْصُودُ، فَبَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُرْضِعَةِ وَالْحَاكِمِ وَالْقَاسِمِ.
قَالَ: وَاَلَّذِي يُشْبِهُ فِعْلَ الْحَاكِمِ وَالْقَاسِمِ، تَزْوِيجُ الْأَبِ فَإِنَّهُ إنْشَاءٌ لِعَقْدِ النِّكَاحِ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ: فَإِذَا شَهِدَ بِهِ كَانَ كَشَهَادَةِ الْحَاكِمِ وَالْقَاسِمِ سَوَاءٌ. قَالَ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَكَّلَ وَكِيلًا فِي بَيْعِ دَارِهِ وَمَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا الْبَيْعُ، ثُمَّ عَزَلَهُ ثُمَّ شَهِدَ مَعَ آخَرَ أَنَّهُ كَانَ بَاعَهَا مِنْ فُلَانٍ قَبْلَ الْعَزْلِ. يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْحَاكِمِ وَلَمْ أَرَهَا مَنْقُولَةً.
-
وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ: حُكْمَ إقْرَارِهِ، وَلَمْ أَرَهُمْ ذَكَرُوا حُكْمَ شَهَادَتِهِ، انْتَهَى كَلَامُ السُّبْكِيّ. وَمِنْهَا: الشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا، قَالَ الْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ يَقُولُ " أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْت فُلَانَيْنِ فُلَانٌ زَنَى بِفُلَانَةَ، وَغَيَّبَ فَرْجَهُ فِي فَرْجِهَا " .
وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْجَرْحِ: يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لِسَبَبِ رُؤْيَةِ الْجَرْحِ أَوْ سَمَاعِهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: " رَأَيْتُهُ يَزْنِي " وَ " سَمِعْتُهُ يَقْذِفُ " وَمُقْتَضَى ذَلِكَ الِاتِّفَاق عَلَى قَبُولِ هَذِهِ الصِّيغَةِ فِي الْجَرْحِ.
-
وَمِنْهَا: قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ: إذَا تَحَمَّلَ الشَّهَادَةَ عَلَى الْإِقْرَارِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ وَلَا حُضُورٍ عِنْدَهُ قَالَ فِي شَهَادَتِهِ " أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ يُقِرُّ بِكَذَا " وَلَا يَقُولُ " أَقَرَّ عِنْدِي "
- vol. 1, p. 498
قَالَ السُّبْكِيُّ، وَهُوَ فِي الْحَاوِي لِلْمَاوَرْدِيِّ. هَكَذَا قَالَ. وَرَأَيْتُهُ أَيْضًا فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ لِلْكَرَابِيسِيِّ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ.
-
وَمِنْهَا: قَالَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ: يَقُولُ شَاهِدُ النِّكَاحِ " حَضَرْت الْعَقْدَ الْجَارِيَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْمُزَوَّجِ، وَأَشْهَدُ بِهِ " وَمِنْ النَّاسَ مَنْ يَقُولُ " أَشْهَدُ أَنِّي حَضَرْت " وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَلَا يَبْعُدُ تَصْحِيحُ الثَّانِي، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي الْمُرْضِعَةِ. قَالَ وَمِثْلُ هَذَا شَهَادَةُ الْمَرْءِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ: أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ هَذِهِ أَوَّلُ لَيْلَة مِنْ رَمَضَانَ فَيُكْتَفَى بِهِ اسْتِنَادًا إلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ، وَإِنْ قَالَ " أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْت " فَفِيهِ النَّظَرُ الْمُتَقَدِّمُ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: وَيُخَرَّجُ مِنْهُ أَنَّ فِي " أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ " خِلَافًا، كَالْمُرْضِعَةِ وَالصَّحِيحُ الْقَبُولُ. قَالَ: وَلَسْنَا نُوَافِقُهُ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ نَقْبَلُ قَطْعًا، وَلَيْسَ كَالْمُرْضِعَةِ قَالَ: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِقَبُولِ " أَشْهَدُ أَنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ " الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْإِمَامُ، وَالرَّافِعِيُّ، وَالْهَرَوِيُّ فِي الْإِشْرَافِ، وَابْنُ سُرَاقَةَ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا.
قَالَ: وَلَا رِيبَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، وَإِنَّمَا هُوَ بَحْثٌ يَجْرِي بَيْن الْفُقَهَاءِ وَهُوَ بَيِّنُ الْفَسَادِ دَلِيلًا وَنَقْلًا. قَالَ: وَالسَّبَبُ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُمْ ذَلِكَ: ظَنُّ أَنَّهُ مِثْلُ مَسْأَلَةِ الْمُرْضِعَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَمْرٌ مَحْسُوسٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ. قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَوَجْهُ الِالْتِبَاسِ: أَنَّ فِعْلَ الْمُرْضِعَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ، فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَثَرٌ، وَأَمَّا رُؤْيَةُ الشَّاهِد فَلَيْسَتْ فِعْلًا، وَإِنَّمَا هِيَ إدْرَاكٌ، وَالْإِدْرَاكُ مِنْ نَوْعِ الْعُلُومِ لَا مِنْ نَوْعِ الْأَفْعَالِ. وَتَنْصِيصُ الشَّاهِدِ عَلَيْهَا تَحْقِيقٌ لِتَيَقُّنِهِ وَعِلْمِهِ. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ الْأَصْحَابُ تَعَرُّضَ الشَّاهِدِ لَلِاسْتِفَاضَةِ إذَا كَانَتْ مُسْتَنِدَةً، وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُولِهِ وَلَا يُتَوَهَّمُ جَرَيَان ذَلِكَ هُنَا، لِمَا فِي التَّعَرُّضِ لَلِاسْتِفَاضَةِ مِنْ الْإِيذَانِ بِعَدَمِ التَّحَقُّقِ عَكْسُ التَّعَرُّضِ لِلرُّؤْيَةِ فَإِنَّهُ يُؤَكِّدُ التَّحْقِيقَ. انْتَهَى.
- ضَابِطٌ:
-
لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ التَّائِبِ قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، إلَّا فِي صُوَرٍ: - أَحَدُهَا: شَاهِدُ الزِّنَا إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِعَدَمِ تَمَامِ الْعَدَدِ وَتَابَ، يُقْبَلُ فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ اسْتِبْرَاءٍ عَلَى الْمَذْهَبِ.
-
الثَّانِي: قَاذِفُ غَيْرِ الْمُحْصِنِ.
-
الثَّالِثُ: الصَّبِيُّ إذَا فَعَلَ مَا يَقْتَضِي تَفْسِيقَ الْبَالِغِ، ثُمَّ تَابَ وَبَلَغَ تَائِبًا: لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الِاسْتِبْرَاءُ.
-
الرَّابِعُ: مَخْفِيُّ الْفِسْقِ إذَا تَابَ وَأَقَرَّ وَسَلَّمَ نَفْسَهُ لِلْحَدِّ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ.
vol. 1, p. 499قَالَ فِي الْمُهِمَّاتِ: وَهُوَ ظَاهِرٌ.
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
-
الْخَامِسُ: الْمُرْتَدُّ. ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَمِمَّا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الِاسْتِبْرَاءِ فِي غَيْرِ الشَّهَادَةِ الْقَاضِي إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَامْتَنَعَ: عَصَى، فَلَوْ أَجَابَ بَعْد ذَلِكَ وُلِّيَ وَلَمْ يُسْتَبْرَأْ ; لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ إلَّا مُتَأَوِّلًا. وَالْوَلِيُّ إذَا عَضَلَ عَصَى، فَلَوْ زَوَّجَ بَعْدَ ذَلِكَ صَحَّ بِلَا اسْتِبْرَاءٍ. وَالْغَارِمُ فِي مَعْصِيَتِهِ يُعْطَى إذَا تَابَ.
- فَائِدَةٌ:
-
لَنَا صُورَةٌ يَجِبُ فِيهَا عَلَى شَاهِدِ الزِّنَا أَنْ يُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ بِهِ، وَذَلِكَ إذَا تَعَلَّقَ بِتَرْكِهِ حَدٌّ كَمَا إذَا شَهِدَ ثَلَاثَةٌ بِالزِّنَا، ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ، وَنَقَلَهُ فِي الْكِفَايَةِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرٌ.