القاعدة: [٢٩٢] القتل العمد، هل موجبه القود عينا، أو أحد الأمرين؟
50 paragraphs · vol. 1, p. 1024
Page 1 of 2
- vol. 1, p. 1024
التوضيح
إن القتل العمد يوجب القصاص عن القاتل، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) ثم قال تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) ، ثم قال تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) .
وقال تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣) .
-
فإذا قتل شخص عمداً، استحق وليه المطالبة بالقصاص، أو بطلب الدية، ولكن هل الواجب الأصلي القود عيناً، أو التخيير بين القود أو الدية؟
-
فيه روايتان معروفتان عن الإمام أحمد، ويتفرع عليهما ثلاث قواعد في استيفاء القود، والعفو عنه، والصلح عنه، مع الأحكام الفرعية لكل قاعدة.
-
القاعدة الأولى: في استيفاء القود: يتعين حق المستوفى فيه بغير إشكال، ثم إن
قلنا: الواجب القود عيناً، فلا يكون الاستيفاء تفويتاً للمال، وإن قلنا: أحد
vol. 1, p. 1025الأمرين، فهل هو تفويت للمال أم لا؟
-
على وجهين، ويتفرع عليهما مسائل تتعلق
بالقاتل العبد، مما لا حاجة لسردها بعد إلغاء الزنى وزواله من التطبيق.
-
القاعدة الثانية: في العفو عن القصاص، وله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقع العفو عنه إلى الدية، وفيه طريقتان:
إحداهما ثبوت الدية على الروايتين.
-
والثانية: بناؤه على الروايتين.
-
فإن قلنا: موجبه أحد الشيئين، ثبتت الدية.
-
وإلا لم يثبت شيء بدون تراضِ منهما.
-
ويكون القود باقياً بحاله؛ لأنه لم يرضَ بإسقاطه إلا بعوض، ولم يحصل له.
-
الحالة الثانية: أن يعفو عن القصاص، ولا يذكر مالاً، فإن قلنا: موجبه
القصاص عيناً، فلا شيء له، وإن قلنا: أحد الشيئين، ثبت المال.
-
الحالة الثالثة: أن يعفو عن القود إلى غير مال مصرحاً بذلك.
-
فإن قلنا: الواجب القصاص عيناً، فلا مال له في نفس الأمر.
-
وقوله هذا لغو، وإن قلنا: الواجب أحد
شيئين، سقط القصاص والمال جميعاً.
-
فإن كان ممن لا تبرع له، كالمفلس والمحجور عليه والمريض فيما زاد عن الثلث والورثة، مع استغراق الديون للتركة، فوجهان، أحدهما: لا يسقط المال بإسقاطهم، وهو المشهور، لأن المال وجب بالعفو عن القصاص، فلا يمكنهم إسقاطه بعد ذلك، كالعفو عن دية الخطأ.
-
والثاني: يسقط، وهو المنصوص عليه؛ لأن المال لا يتعين بدون اختياره له أو إسقاط القصاص وحده، أما إن أسقطهما في كلام واحد متصل، سقطا جميعاً من غير دخول المال في ملكه، ويكون ذلك اختياراً
منه لترك التملك، فلا يدخل المال في ملكه.
-
إذا تقرر هذا، فهل يكون العفو تفويتاً للمال؟
-
إن قلنا: الواجب القود عيناً، لم يكن العفو تفويتاً للمال، فلا يوجب ضماناً، وفي قول: يجب الضمان، وفي قول: على وجهين.
- التطبيقات
- يتخرج على هذا الأصل مسائل، منها:
-
١ - عفو المفلس عن الجناية الموجبة للقود مجاناً، فالمشهور أنا إن قلنا: الواجب القود عيناً، صح، دران قلنا: الواجب أحد الأمرين، لم يصح العفو عن المال، وعلى الوجه الآخر الذي قيل: إنه المنصوص، يصح.
-
(ابن رجب ٣/ ٤١) .
-
٢ - عفو الورثة عن القصاص مع استغراق الديون، وحكمه حكم المفلس السابق.
-
(ابن رجب ٣/ ٤١) .
-
٣ - عفو المريض عن القصاص، وحكمه فيما زاد عن الثلث كذلك.
-
(ابن رجب ٣/ ٤١) .
-
٤ - العفو عن الوارث الجاني في مرض الموت عن دم العمد، إن قلنا: الواجب القود عياً، فهو صحيح، دران قلنا: الواجب أحد شيئين؛ فكذلك، ويتوجه فيه وجه آخر بوقوفه على إجازة الورثة.
-
(ابن رجب ٣/ ٤٢) .
-
تنبيه أول
لو أطلق العفو عن الجاني عمداً، فهل يتنزل على القود والدية، أو على القود وحده؛ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها، وهو المنصوص، أنه ينصرف إليهما جميعاً.
-
والثاني: ينصرف إلى القود وحده، إلا أن يقر العافي بإرادة الدية مع القود.
-
والثالث: يكون عفواً عنهما، إلا أن يقول: لم أرد الدية، فيحلف ويقبل منه، وفي قول: إن قلنا: الواجب القود وحده، سقط، ولا دية، وإن قلنا: أحد شيئين، انصرف العفو إلى القصاص في أصح الروايتين.
-
والأخرى: يسقطان جميعاً.
- vol. 1, p. 1027
تنبيه ثانٍ.
-
لو اختار القصاص، فله ذلك، وهل له العفو عنه إلى الدية؟
-
إن قلنا: القصاص هو الواجب عيناً، فله تركه إلى الدية.
- وإن قلنا: الواجب أحد شثين، فعلى وجهين:
-
أحدهما: نعم، لأن أكثر ما فيه أنه تعين له القصاص.
-
فيجوز له تركه إلى مال، كما إذا قلنا: هو الواجب عيناً.
-
والثاني: لا، لأنه أسقط حقه من الدية باختياره.
-
فلم يكن له الرجوع إليها، كما لو عفا عنها وعن القصاص.