مسألة التكليف بشرع من قبلنا، وتحقيق المقام فيها

7 paragraphs · vol. 2, p. 328

  1. كيفيةِ صلاةٍ من صلاة الخوف فَعَلَها فهي صحيحة بناء على عدم تعارض الأفعال ولو اقترنت بقولٍ مثبت للحكم، ورُوي عن مالك بن أنس -رحمه اللَّه- الترجيح بين كيفيات الفعل فتتعين التي هي أقرب للخشوع، أو التي هي أقل أفعالًا، ونحو ذلك من المرجحات.

    ٥١٧ - وحيثُ ما قد عُدِمَ المصيرُ ... إليه فالأوْلى هو التخييرُ

    يعني أنه على القول بالترجيح إذا لم يوجد مرجِّح لأحد الفعلين على الآخر فالأولى تخيير المكلَّف في أن يفعل أيَّ الأفعال شاء، فقوله: "عُدِم المصيِرُ إليه" أيْ بعدم وجود مُرَجِّحٍ.

    ٥١٨ - وَلَم يكنْ مكلَّفًا بشرعِ ... صلى عليه اللَّهُ قبلَ الوضعِ

    يعني أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يكن مكلَّفًا بشرع أحدٍ من الأنبياء قبل الوضع أي قبل نزول الوحي عليه، وأما بعد نزول الوحي عليه فقد أشار إليه بقوله:

    ٥١٩ - وهو والأمةُ بعدُ كُلِّفا ... إلا إذا التكليفُ بالنصِّ انتفَى

    ٥٢٠ - وقيلَ لا والخُلْفُ فيما شُرِعا ... ولم يكنْ داعٍ إليه سُمِعا

    يعني أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمته بعد نزول الوحي مكلَّفون بشرع من قبلهم خلافًا للشافعي، ومحلُّ هذا الخلاف فيما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا ولم يثبت في شرعنا أنه شرعٌ لنا، وهذان القيدان هما مراد المؤلف بقوله: "والخُلْفُ فيما شُرِعا. . . " البيت. وهذه المسألة هي مسألة: هل شَرْع من قبلنا شرعٌ لنا؟ وتحقيق المقام فيها أن لها ثلاث حالات:

    الأولى: أن يكونَ شرعُ من قبلنا فيها شرعًا لنا بلا خلاف، وهي ما إذا ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم نُصَّ لنا في شرعنا أنه شرع

    vol. 2, p. 329لنا كالقصاص، لأن اللَّه بيَّن أنه كان شرعًا لمن قبلنا بقوله: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة/ ٤٥] الآية، ونصَّ على أنه شرعٌ لنا أيضًا في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [البقرة/ ١٧٨] الآية.

    vol. 2, p. 328
  2. الثانية: ليس شرعًا لنا فيها بلا خلاف، وهي في صورتين؛ إحداهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا ولو زعموا أنه من شرعهم. والأخرى: ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لهم ونُصَّ لنا على أنه ليس شرعًا لنا، كالآصار والأثقال التي شُرِعت على من قبلنا، كإيجابه على بني إسرائيل أن يَقتُلوا أنفسهم توبةً من عبادةِ العِجْلِ المنصوص في قوله: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة/ ٥٤] فإن هذه الآصار رُفعت عنا كما قال تعالى: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف/ ١٥٧] . وثبت في "صحيح مسلم" (١) أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- لما قرأ: {رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} قال اللَّه: قد فعلت".

  3. الثالثة: هي محل الخلاف، وهي ما إذا ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا ولم ينص في شرعنا على أنه مشروع لنا ولا غير مشروع، والجمهور على أنه شرع لنا خلافًا للشافعي، وحُجَّة الجمهور: أنه ما ذُكِرَ لنا في شرعنا إلَّا للاعتبار كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف/ ١١١] ، وثمرة الاعتبار العمل، وقد حضَّ تعالى في آيات كثيرة على الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.

  4. ومما استدلَّ به الجمهور: أن اللَّه لما ذكر الأنبياء في سورة الأنعام قال للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام/ ٩٠] ، وقد تقدَّم أن الأصح أن الأمر للوجوب، وأن الأمة تدخل تحت الخطاب الخاص به -صلى اللَّه عليه وسلم-. واستدلُّوا أيضًا بقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى/ ١٣] الآية، وبقوله: {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء/ ٢٦] .

    vol. 2, p. 330
  5. واحتجَّ الإمام الشافعي (١) على أن شرع من قبلنا ليس شرعًا لنا بقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة/ ٤٨] وقال: إن الهدى فى قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} والدين في قوله: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ} المراد به العقائد دون الفروع العملية بدليل الآية المذكورة.

  6. والحق أنه لا يختص بذلك لما ثبت في "صحيح البخاري" (٢) عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في (ص) ؟ فقال: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ} إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} فسجدها داودُ فسجدها رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فهذا نصٌّ صريحٌ مرفوعٌ إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ثابت في "صحيح البخاري" على أن سجود التلاوة داخل في قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وهو ليس من العقائد بالإجماع، فظهر عدم الاختصاص بالعقائد.

  7. وأجاب الجمهورُ عن احتجاج الشافعي بقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا