في معنى الاستحسان المعمول به عند المالكية أربعة أقوال
6 paragraphs · vol. 2, p. 572
- vol. 2, p. 572
٨٢٩ - وما بماضٍ مثبتٌ للحالِ ... فهو مقلوبٌ وعكسُ الخالي
٨٣٠ - كجري ما جُهِل فيه المَصرِفُ ... على الذي الآن لذاك يُعْرَفُ
هذا نوع من أنواع الاستدلال يسمَّى: مقلوب الاستصحاب وهو: إثبات أمر في الزمن الماضي لثبوته في الحال أي الزمن الحاضر، فالباء في قوله "بماض" بمعنى في، و "مثبت" اسم المفعول، و "اللام" في "للحال" للتعليل أي: المثبت في الماضي لأجل ثبوته في الحال هو المسمَّى مقلوبَ الاستصحاب، ويقال له أيضًا: معكوس الاستصحاب.
-
ومَثَّل له المؤلف بما ذكره بعضُ القرويين والأندلسيين من المالكية من أن الحُبُسَ إذا جُهِل مَصْرفُه وَوُجِد على حالة فإنه يلزم إجْراؤه عليها، ورأوا أن إجراءَه عليها دليل على أنه كان كذلك في الأصل. ومن أمثلته: أن يقال في المكيال الموجود الآن: كان على عهده -صلى اللَّه عليه وسلم- استصحابًا بالحال (١) في الماضي، وكثيرٌ من العلماء لم يعتبره حجة وهو الظاهر لاحتمال طروّ الحالة الراهنة.
٨٣١ - والأخذ بالذي له رُجحانُ ... من الأدلةِ هو استِحْسان
٨٣٢ - أو هو تخصيصٌ بعرفٍ ما يَعُمْ ... ورعْيَ الاستصلاح بَعْضُهُمْ يؤمْ
٨٣٣ - وَرَدُّ كونِهِ دليلًا ينقدِحْ ... ويقْصُر التعبير عنه مُتَّضِح
يعني أن في معنى الاستحسان المعمول به عند المالكية أربعة أقوال:
الأول: أنه الأخذ بأقوى الدليلين، كتخصيص العرايا من عموم منع
vol. 2, p. 573بيع الرطب بالتمر لأن دليله أخصُّ. وكتصديق مُدَّعي الأشبه من زوجين في الصداق ومن متبايعين في الثمن. وكشهادة الرهن في قَدْر الدين، وهذا القول نقله الباجي (١) عن ابن خويز منداد، ورُوِي مثلُه عن أحمد. وهو مراد المؤلف بالبيت الأول.
-
القول الثاني: أن الاسْتحْسَان هو تخصيص الدليل العام بالعادة لمصلحة، كاسْتِحْسان جواز دخول الحمام من غير تعيين زمن المكث فيه وقدر الماء، فإن العادة جرت بذلك على خلاف الدليل لأن المشاحَّة في تعيين ذلك قبيحة في العادة، وفي الحديث: "بعثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق" (٢) وفيه: "إن اللَّه يحب معالي الأمور ويكره سفسافها" (٣) .
-
فإن جَرَت العادة المذكورة في زمنه -صلى اللَّه عليه وسلم- من غير إنكار أو بعد زمنه من غير مخالف من الأئمة عُمِل بها إجماعًا لدلالة السُّنَّة في الأول والإجماع في الثاني، وإن قام دليل على إنكارها من النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أو بعض المجتهدين
vol. 2, p. 574رُدَّت، وهذا القول الثاني في الاسْتِحسان هو قول أشهب، وهو مراد المؤلف بقوله: "أو هو تخصيصٌ بعرفٍ ما يعُمْ" .
-
القول الثالث في الاستحسان: أنه استعمال مصلحة جزئية، كما إذا اختار بعض ورثة المشتري بالخيار الردَّ وبعضُهم الإمضاءَ، فالقياسُ ردُّ الجميع إن ردَّ بعضهم، لأن من ورثوا عنه الخيار لو رَدَّ البعضُ تعيَّن ردّ الجميع لما في التَّبعيض من إدخال الضرر على البائع، والاسْتِحسانُ أخذ المجيز الجميع ارتكابًا لأخف الضررين، فالاستحسانُ على هذا القول أخذٌ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كليّ، ويُستشهد له بالرخص في الشريعة فإنها أخذ بمصالح جزئية في مقابلة أدلة كلية. وهذا القول الثالث قول الأبياري، وإليه الإشارة بقول المؤلف: "ورعيَ الاستصلاح بعضهم يؤُمْ" أي بعضهم يؤم أي يقصد في تفسير الاسْتحْسَان رَعْيَ الاستصلاح، أي مراعاة المصلحة الخاصة في مقابلة الدليل الكلِّيّ.
-
القول الرابع: ما قاله بعضهم من أن الاستحسان دليل ينقدح في نفس المجتهد تقصر عبارته عنه، وهذا القول الرابع بين المؤلف ردَّه تبعًا لابن الحاجب (١) وغيره، بقوله: "وردُّ كونه دليلًا" إلخ، فقوله: "ورَدُّ" مبتدأ خبره قوله: "متضح" أي رد كونه دليلًا. . . إلخ متضح. ووجه رَدِّه: أن الاستحسان لا يكون إلَّا من مجتهد والمجتهد يُشترط فيه أن يكون قادرًا على التعبير عما في نفسه، وأصل الاستحسان ما حسن في الشرع ولم