قاعدة [٨٤] الحمل؛ هل له حكم قبل انفصاله أم لا؟

166 paragraphs · vol. 2, p. 119

Page 2 of 5

  1. والثَّانية: ينفق عليها من نصيب ما في بطنها، نقلها محمَّد بن يحيى الكحَّال (١) .

    vol. 2, p. 127
  2. والثَّالثة: إن لم يكن ولدت من سيِّدها قبل ذلك؛ فنفقتها من جميع المال إذا كانت حاملاً، وإن كانت ولدت من سيِّدها (٢) قبل ذلك؛ فهي في عداد الأحرار، ينفق عليها من نصيبها (٣) ، نقلها عنه جعفر بن محمَّد (٤) ، وهي مشكلة جداً.

  3. ومعناها عندي -والله أعلم-: أنَّها إذا كانت حاملاً ولم تضع من سيِّدها قبل ذلك؛ فنفقتها من جميع المال؛ لما ذكرنا من حبسها على سيِّدها بالحمل، فتكون النَّفقة عليه حيث لم يثبت استيلادها بعد، ويجوز ألَّا تصير أمَّ ولد بالكليَّة وتسترقَّ، فإذا أنفق عليها من جميع المال، فإن تبيَّن عتقها؛ فقد استوفت الواجب لها، وإن رقَّت؛ لم يذهب على الورثة شيء، حيث أنفق على رقيقهم من مالهم، وإن كانت ولدت قبل ذلك من سيِّدها؛ فقد ثبت لها حكم الاستيلاد في حياة

    vol. 2, p. 128السَّيِّد، وهو معنى قوله: (هي في عداد الأحرار) ، وحينئذ تَعتِق بموت السَّيِّد بلا ريب؛ فإيجاب نفقتها على ولدها أولى من إيجابها من مال سيِّدها، ويزيده إيضاحاً في المسألة الآتية.

  4. ومنها: وجوب نفقة الأقارب على الحمل من ماله، وقد نصَّ أحمد في رواية الكحَّال: أنَّ نفقة أمِّ الولد الحامل من نصيب ما في بطنها، ذكره القاضي في «خلافه» (١) .

  5. واستشكله الشيخ مجد الدين؛ قال: لأنَّ الحمل إنَّما يرث بشرط خروجه حيًّا، ويوقف نصيبه؛ فكيف يتصرَّف فيه قبل تحقُّق الشَّرط؟!

  6. ويجاب عنه: بأنَّ هذا النص يشهد لثبوت ملكه بالإرث من حين موت مورثه (٢) ، وإنَّما خروجه حيًّا يتبيَّن به وجود ذلك، فإذا حكمنا له بالملك ظاهراً؛ جاز التَّصرُّف فيه بالنفقة الواجبة عليه وعلى من تلزمه نفقته، لا سيَّما والنَّفقة على أمِّه يعود نفعها إليه، كما يُتصرَّف في مال المفقود إذا غلب على الظنِّ هلاكه، ويُقسَّم ماله بين ورثته، وإن جاز أن يكون حيًّا، بل هو الأصل، حتَّى لو قدم حيًّا، وقد استُهلِك مالُه في أيدي الورثة؛ ففي ضمانه روايتان، فكذا (٣) يقال في مال الحمل.

  7. ويشهد له: إذا أنفق الزَّوج على البائن يظنُّها حاملاً، ثم تبين أنَّها لم

    vol. 2, p. 129تكن حاملاً؛ ففي الرُّجوع روايتان أيضاً.

  8. وقد يحمل إيجاب (١) النَّفقة للأمِّ من نصيب الحمل على أنَّ الأمَّ ترجع به على نصيبه إذا وضعته حيًّا، وفيه بعدٌ.

  9. ومنها: ملكه بالميراث وهو متَّفق عليه في الجملة، لكن هل ثبت له الملك بمجرَّد موت مورِّثه (٢) وتبيَّن ذلك بخروجه حيًّا، أو لم (٣) يثبت له الملك حتَّى ينفصل حيًّا؟

  10. فيه خلاف بين الأصحاب، وهذا الخلاف مطَّرد في سائر أحكامه الثَّابتة له؛ هل هي معلَّقة بشرط انفصاله حيًّا فلا يثبت قبله، أو هي ثابتة له في حال كونه حملاً، لكن ثبوتها مراعًى بانفصاله حيًّا؛ فإذا انفصل حيًّا (٤) تبيَّنا ثبوتها من حين وجود أسبابها؟

  11. وهذا هو تحقيق معنى (٥) قول من قال: هل الحمل له حكم أم لا؟ والَّذي يقتضيه نصُّ أحمد في الإنفاق على أمِّه من نصيبه: أنَّه يثبت له الملك بالإرث من حين موت أبيه، وصرَّح بذلك ابن عقيل وغيره من الأصحاب.

  12. ونُقل عن أحمد ما يدلُّ على خلافه أيضاً؛ فروى عنه جعفر بن محمَّد في نصرانيٍّ مات وامرأته نصرانيَّة وكانت حبلى، فأسلمت بعد

    vol. 2, p. 130موته ثمَّ ولدت: هل يرث (١) ؟ قال: (لا) ، وقال: (إنَّما مات أبوه وهو لا يعلم ما هو، وإنَّما يرث بالولادة) ، وحكم له بحكم الإسلام (٢) (٣) .

    وقال محمَّد بن يحيى الكحَّال: قلت لأبي عبد الله: مات نصرانيٌّ وامرأته حامل، فأسلمت بعد موته؛ قال: (ما في بطنها مسلم) ، قلت: يرث أباه إذا كان كافراً وهو مسلم؟ قال: (لا يرثه) (٤) .

  13. فصرَّح بالمنع من إرثه من أبيه، معلِّلاً بأنَّ إرثه يتأخَّر إلى ما بعد ولادته؛ لأنَّه قبل ذلك مشكوك في وجوده، وإذا تأخَّر توريثه إلى ما بعد الولادة؛ فقد سبق الحكم بإسلامه زمن الولادة؛ إما بإسلام أمِّه كما دل عليه كلام أحمد هنا، أو بموت أبيه على ظاهر المذهب، والحكم بالإسلام لا يتوقَّف على العلم به، بخلاف التَّوريث، وهذا يرجع إلى أنَّ التَّوريث يتأخَّر عن موت الموروث إذا انعقد سببه في حياة الموروث، وأصول أحمد تشهد لذلك في إسلام القريب الكافر قبل قسمة الميراث.

  14. وأمَّا على ما صرَّح به ابن عقيل وغيره، وهو مقتضى رواية الكحَّال في النَّفقة؛ فيرث الحمل بموت أبيه منه وإن قلنا: يحكم بإسلامه بموت أحد أبويه؛ كما سبق تقريره في قاعدة اقتران الحكم ومانعه.

  15. وأمَّا إن قيل: لا يحكم بإسلامه بموت أحدهما؛ فتوريثه واضح؛ إذ

    vol. 2, p. 131اختلاف الدِّين متأخِّر عن التَّوريث، وتخريج (١) كلام أحمد على ما ذكرناه واضح لا خفاء به، وقد ألمَّ به بعض الأصحاب.

  16. وأمَّا القاضي والأكثرون؛ فاضطربوا في تخريج كلام أحمد في منع الميراث، وللقاضي في تخريجه ثلاثة أوجه:

    الأوَّل: أنَّ إسلامه قبل قسمة الميراث أوجب (٢) منعه من التَّوريث؛ كما أنَّ إسلام الكافر قبل قسمة ميراث المسلم توجب توريثه؛ اعتباراً بالقسمة في التَّوريث والمنع.

  17. وهذه طريقة القاضي في «المجرَّد» (٣) وابن عقيل في «الفصول» ، وهي ظاهرة الفساد؛ لأنَّ إسلام قريب الكافر بعد موته (٤) وثبوت إرثه لا يسقط توريثه منه بغير خلاف، فإنَّ توريث المسلم قبل القسمة يثبت ترغيباً في الإسلام وحثًّا عليه (٥) ، وهذا المقصود ينعكس ههنا (٦) .

  18. والثَّاني: أنَّ هذه الصورة من جملة صور توريث الطِّفل المحكوم بإسلامه بموت أبيه منه، ونصُّه هذا يدلُّ على عدم التَّوريث؛ فتكون رواية ثانية في المسألة.

    vol. 2, p. 132
  19. وهذه طريقة القاضي في كتاب الرِّوايتين، وهي ضعيفة؛ لأنَّ أحمد صرَّح بالتعليل بغير ذلك، ولأنَّ توريث الطِّفل من أبيه الكافر - وإن حُكم بإسلامه بموته - غير مختلف فيه، حتَّى نقل ابن المنذر وغيره عليه الإجماع (١) ؛ فلا يصحُّ حمل كلام أحمد على ما يخالف الإجماع (٢) .

  20. والثَّالث: أنَّ الحكم بإسلام هذا الطَّفل حصل بشيئين: موت أبيه، وإسلام أمِّه، وهذا الثَّاني مانع قويٌّ؛ لأنَّه متَّفق عليه، فلذلك منع الميراث، بخلاف الولد المنفصل إذا مات أحد أبويه؛ فإنَّه يحكم بإسلامه ولا يمنع إرثه؛ لأنَّ المانع فيه ضعيف للاختلاف فيه.

  21. وهذه طريقة القاضي في «خلافه» ، وهي ضعيفة أيضاً (١) ، ومخالفة لتعليل أحمد؛ فإنَّ أحمد إنَّما عَلَّل بسبق المانع (٢) لتوريثه، لا بقوَّة المانع وضعفه، وإنَّما ورَّث أحمد من (٣) حُكم بإسلامه بموت أحد أبويه؛ لمقارنة المانع (٤) لا لضعفه.

    vol. 2, p. 133
  22. ومنها: ثبوت الملك له بالوصيَّة، وفيه الخلاف السَّابق في التَّوريث، واختيار (٥) القاضي: أنَّ الوصيَّة له تعليقٌ على خروجه حيًّا، والوصيَّة قابلة للتَّعليق، بخلاف الهبة.

  23. وابن عقيل تارة وافق شيخه، وتارة خالفه وحكم بثبوت الملك من حين موت الموصي وقبول الوليِّ له.

  24. وصرَّح به أبو المعالي التَّنوخيُّ (١) ، وبأنَّه ينعقد الحول عليه من حين الحكم بالملك إذا كان مالاً زكويًّا، وكذلك في المملوك بالإرث.

    vol. 2, p. 134
  25. وحكى وجهاً آخر: أنَّه لا يجري في حول الزَّكاة حتَّى يوضع؛ للتَّردد في كونه حيًّا مالكاً؛ فهو كالمكاتب، ولا يعرف هذا التَّفريع في المذهب.

  26. ومنها: الإقرار المطلق للحمل؛ هل يصحُّ أم لا؟ على وجهين.

    قال التَّميميُّ: لا يصحُّ.

    وقال ابن حامد والقاضي: يصحُّ.

  27. واختُلِف في مأخذ البطلان:
  28. فقيل: لأنَّ الحمل لا يَملِك إلَّا بالإرث والوصيَّة، فلو صحَّ الإقرار له لملك بغيرهما، وهو فاسد، فإنَّ الإقرار كاشف للملك ومبيِّن له، لا موجب له.

  29. وقيل: لأنَّ ظاهر الإطلاق ينصرف إلى المعاملة ونحوها، وهي مستحيلة مع الحمل.

  30. وهو ضعيف؛ لأنَّه إذا صحَّ له (٢) الملك بوجه؛ حمل الإقرار مع الإطلاق عليه.

  31. وقيل: لأنَّ الإقرار للحمل تعليق له على شرط الولادة؛ لأنَّه لا يَملِك بدون خروجه حيًّا، والإقرار لا يقبل التَّعليق، وهذه طريقة ابن عقيل، وهي أظهر، وترجع المسألة حينئذ إلى ثبوت الملك له وانتفائه كما سبق.

    vol. 2, p. 135
  32. ومنها: استحقاق الحمل من الوقف، والمنصوص عن أحمد كما سبق (١) : أنَّه لا يستحق حتَّى يوضع، وهو قول القاضي والأكثرين.

    وقال ابن عقيل: يثبت له استحقاق الوقف في حال كونه حملاً، حتَّى صحَّح الوقف على الحمل ابتداء.

  33. وقياس قوله في الهبة (٢) كذلك؛ إذ تمليك الحمل عنده تمليك منجَّز لا معلَّق.

  34. وإنَّما منع القاضي صحَّة الهبة له؛ لأنَّ تمليكه تعليق (٣) على خروجه حيًّا، والهبة لا تقبل التَّعليق.

  35. وأفتى الشَّيخ تقي الدين: باستحقاق الحمل من الوقف أيضاً (٤) .

  36. ويُمكن التَّفريق على المنصوص بين الوقف وغيره من الإرث والوصية والهبة: بأنَّ الوقف إنَّما المقصود منه منافعه وثمراته وفوائده، وهي مستحَقَّة على التَّأبيد لقوم بعد قوم، والحمل ليس من أهل الانتفاع؛ فلا يستحِقُّ منه شيئاً مع وجود المنتفعين به حتَّى يولد ويحتاج إلى

    vol. 2, p. 136الانتفاع معهم، بخلاف الملك الَّذي يختصُّ به واحد معيَّن لا يشاركه فيه غيره؛ فإنَّ هذا يثبت للحمل، ولا يجوز انتزاعه منه مع وجوده.

  37. ويلزم من ذلك صحَّة (١) الوقف على الحمل المعيَّن دون استحقاقه مع أهل الوقف.

  38. ومنها: الأخذ للحمل بالشُّفعة إذا مات مورِّثه (٢) بعد المطالبة بها (٣) ؛ قال الأصحاب: لا يؤخذ له.

  39. ثمَّ منهم من علَّل: بأنَّه لا يتحقَّق وجوده.

  40. ومنهم من علَّل: بانتفاء ملكه.