قاعدة [٨٧] فيما يقبل النقل والمعاوضة من الحقوق المالية والأملاك.

71 paragraphs · vol. 2, p. 182

Page 2 of 2

  1. ولو آثر بها رجلاً (١) فسبق غيره فجلس؛ فهل يكون أحقَّ من المؤثَر أم لا؟ على وجهين:

    أحدهما: نعم؛ لأنَّ حقَّ القائم زال بانفصاله؛ فصار الحقُّ ثابتاً بالسَّبق.

    vol. 2, p. 189
  2. والثَّاني: لا؛ لأنَّه لو قام لحاجة ونحوها؛ لم يسقط حقُّه، فكذا إذا آثر غيره؛ لأنَّه أقامه مقام نفسه.

  3. وبنى بعضهم هذا الخلاف على القول بعدم كراهة (٢) الإيثار بالقُرَب، فأمَّا إن قلنا بكراهته؛ فالسَّابق أحقُّ به وجهاً واحداً.

  4. وفرَّق بعضهم بين مجالس المساجد ونحوها، ومقاعد الأسواق؛

  5. فأجاز النَّقل في المقاعد خاصَّة؛ لأنَّها منافع دنيويَّة، فهي كالحقوق الماليَّة.

    vol. 2, p. 190
  6. ومنها: الطَّعام المباح في دار الحرب؛ يجوز نقل اليد فيه إلى من هو من أهل الاستحقاق من المغنم أيضاً؛ لاشتراك الكلِّ في استحقاق الانتفاع، ولا يكون ذلك تمليكاً؛ لانتفاء ملكه بالأخذ، حتَّى لو احتاج إلى صاع من برٍّ جيِّد وعنده صاعان رديئان؛ فله أن يبدلهما بصاع؛ إذ هو مأخوذ على الإباحة دون التَّمليك، صرَّح به القاضي وابن عقيل.

  7. ومنها: المباح أكله من مال الزَّكاة والأضاحي؛ يجوز إطعامه الضِّيفان (١) ونحوهم؛ لاستقرار الحقِّ فيه، بخلاف طعام الضِّيافة، ولا تجوز المعاوضة عن شيء من ذلك.

  8. ومنها: منافع الأرض الخراجيَّة؛ فيجوز نقلها بغير عوض إلى من يقوم مقامه فيها، وينتقل إلى الوارث؛ فيقوم مقام مورِّثه (٢) فيها.

  9. وكذلك يجوز جعلها مهراً، نصَّ عليه في رواية عبد الله (٣) .

  10. ونصَّ في رواية ابن هانئ وغيره: على جواز دفعها إلى الزَّوجة عوضاً عمَّا تستحقُّه عليه من المهر (٤) ، وهذا معاوضة عن منافعها المملوكة.

  11. فأمَّا البيع؛ فكرهه أحمد ونهى عنه (١) .

    vol. 2, p. 191
  12. واختلف قوله في بيع العمارة الَّتي فيها؛ لئلَّا يتَّخذ طريقاً إلى بيع رقبة الأرض الَّتي لا تملك، بل هي إمَّا وقف وإمَّا فيء للمسلمين جميعاً (٢) .

  13. ونصَّ في رواية المروذيِّ (٣) : على أنَّه يبيع آلات عمارته بما يساوي عرضاً (٤) ، وكره أن يبيع بأكثر من ذلك لهذا المعنى.

  14. وكذلك نقل عنه ابن هانئ: أنَّه قال: يُقوِّم دكانه وما (٥) فيه من غلق وكلَّ شيء يحدثه فيه؛ فيعطى ذلك، ولا أرى أن يبيع سكنى دار ولا دكانٍ (٦) .

  15. ورخَّص في رواية عنه في شرائها دون بيعها (١) ؛ لأنَّ شراءها استنقاذ لها بعوض ممَّن يتعدَّى بالتَّصرف فيها، وهو جائز.

    vol. 2, p. 192
  16. ورخَّص في رواية المروذيِّ أيضاً في بيع ما يحتاج إليه للنَّفقة منها، وإن كان فيه فضل عن النَّفقة تصدَّق به (٢) .

  17. وكلُّ هذا بناءً على أنَّ رقبة هذه الأرض ومنافعها (٣) وقفها عمر رضي الله عنه (٤) .

  18. ومن الأصحاب من حكى رواية أخرى (٥) : بجواز البيع مطلقاً؛ كالحلوانيِّ وابنه، وكذلك خرَّجها ابن عقيل من نصِّ أحمد على صحَّة وقفها (٦) ، ولو كانت وقفاً؛ لم يصحَّ وقفها.

  19. وكذلك وقع في كلام أبي بكر، وابن شاقْلا، وابن أبي موسى: ما يقتضي الجواز، وله مأخذان:

    أحدهما: أنَّ الأرض ليست وقفاً، وهو مأخذ ابن عقيل.

    vol. 2, p. 193
  20. وعلى هذا؛ فإن كانت مقسومة؛ فلا إشكال في ملكها، وإن كانت فيئاً لبيت المال - وأكثر كلام أحمد يدلُّ عليه -؛ فهل يصير وقفاً بنفس الانتقال إلى بيت المال أم لا؟ على وجهين.

  21. فإن قلنا: لا يصير وقفاً؛ فللإمام بيعها وصرف ثمنها في المصالح، وهل له إقطاعها إقطاع تمليك؟ على وجهين، ذكر ذلك القاضي في «الأحكام السُّلطانيَّة» .

  22. والمأخذ الثَّاني: أنَّ البيع هنا وارد على المنافع دون الرَّقبة، فهو نقل للمنافع (١) المستحَقَّة بعوض.

  23. وهذا اختيار الشيخ تقي الدين (٢) ، ويدلُّ عليه من كلام أحمد أنَّه أجاز دفعها عوضاً عن المهر، ويشهد له ما تقدَّم من المعاوضة عن المنافع في مسائل متعدِّدة.

  24. وإن كان القاضي وابن عقيل والأكثرون صرَّحوا بعدم (٣) صحَّة بيع

    vol. 2, p. 194المنافع المجرَّدة.

  25. والتَّحقيق في ذلك أنَّ المنافع نوعان:
  26. أحدهما: منافع الأعيان المملوكة الَّتي تقبل المعاوضة مع أعيانها؛ فهذه قد جوَّز الأصحاب بيعها في مواضع.

  27. منها: أصل وضع الخراج على أرض العنوة إذا قيل: هي فيء؛ فإنَّه ليس بأجرة، بل هو شبيه بها ومتردِّد بينها وبين البيع.

  28. ومنها: المصالحة بعوض على وضع الأخشاب وفتح الأبواب ومرور المياه ونحوها، وليس بإجارة محضة؛ لعدم تقدير المدَّة، وهو شبيه بالبيع.

  29. ومنها: لو أعتق عبده (١) ، واستثنى خدمته سنة؛ فهل له أن يبيعها منه؟ على روايتين، ذكرهما ابن أبي موسى، وهما منصوصتان عن أحمد.

  30. ولا يقال: هو لا (٢) يملك بيع العبد في هذه الحال؛ لأنَّ هذه المنافع كان يملك (٣) المعاوضة عنها في حال الرِّقِّ، وقد استبقاها بعد زواله؛ فاستمرَّ حكم المعاوضة عليها كما يستمرُّ حكم وطء المكاتبة إذا استثناه في عقد الكتابة، وهل الكتابة إلَّا عقد معاوضة على المنافع؟!

  31. النَّوع الثَّاني: المنافع الَّتي ملكت مجرَّدة عن الأعيان، أو كانت

    vol. 2, p. 195أعيانها غير قابلة للمعاوضة؛ فهذا محلُّ الخلاف الَّذي نتكلم فيه ههنا، والله أعلم.