قاعدة [١١٥] الحقوق المشتركة بين اثنين فصاعدا؛ نوعان
58 paragraphs · vol. 2, p. 387
Page 2 of 2
- vol. 2, p. 394
وحكى صاحب «المغني» فيما إذا وضع طعامًا في الكفَّارة بين يدي عشرة مساكين، فقال: هو بينكم بالسَّويَّة، فقبلوه، ثلاثة أوجه:
vol. 2, p. 395إحداها - وهو الَّذي جزم به أوَّلاً -: أنَّه يجزئه؛ لأنَّه ملَّكهم التَّصرف فيه والانتفاع به قبل القسمة، كما لو دفع دين غرمائه بينهم.
-
والثَّاني - وحكاه عن ابن حامد -: يجزئه وإن لم يقل بالسَّويَّة؛ لأنَّ قوله: خذوها عن كفَّارتي؛ يقتضي التَّسوية؛ لأنَّ ذلك حكمها.
-
والثَّالث - وحكاه عن القاضي -: أنَّه إن علم أنَّه وصل إلى كلِّ واحد قدر حقِّه؛ أجزأ، وإلَّا لم يجزئ.
-
هذا ما ذكره، وأصل ذلك ما قال القاضي في «المجرَّد» : إذا أفرد ستِّين مدًّا، وقال لستِّين مسكيناً: خذوها، فأخذوها، أو قال: كلوها، ولم يقل بالسَّويَّة، أو قال: قد ملَّكتكموها بالسَّويَّة، فأخذوها؛ فقال شيخنا أبو عبد الله (١) : يجزئه؛ لأنَّ قوله خذوها عن كفَّارتي يقتضي التَّسوية؛ لأنَّ حكم الكفَّارة أن تكون بينهم بالسَّويَّة، فإن عرف أنَّها وصلت إليهم بالسَّويَّة؛ أجزأه، وإن علم التَّفاضل؛ فمن حصل معه الفضل؛ فقد أخذ زيادة، ومن أخذ أقلَّ؛ كان عليه أن يكمله، وإن لم يعلم كيف وصل إليهم؛ لم يجزئه، وعليه استئنافها؛ لأنَّه لم يعلم قدر ما وصل إلى كلِّ واحد منهم بعينه. انتهى.
-
فحكى الكلَّ عن ابن حامد، وصاحب «المغني» جعل الإجزاء مطلقاً قول ابن حامد، واعتبار الوصول قول القاضي، وليس كذلك.
-
وكذلك استشكل الشَّيخ مجد الدِّين ما وقع في «المجرَّد» ، وقال: (لعلَّه وقع غلط في النُّسخة) ، وليس كذلك أيضاً (٢) ؛ فإنِّي نقلت ما ذكرته
vol. 2, p. 396من أصل القاضي بخطِّه.
ثمَّ قال: (وعندي أنَّا إن قلنا: ملكوها بالتَّخلية، وأنها قبض؛ أجزأته بكلِّ حال) . قال: (ولعلَّ هذا اختيار ابن حامد) .
-
وهذا بعيد جدًّا، بل اختيار ابن حامد عكسه، وأنَّ الهبة والصَّدقة لا تملك بدون قبض، وقد قدَّمنا ذلك عنه في مسائل القبوض، وأنَّ القبض في المنقول بالنَّقل، فيتوجَّه على هذا: أنَّه لا بدَّ من تحقُّق قبض كلِّ واحد لمقدار ما يجزئ دفعه إليه؛ لأنَّه لم يملكه بدونه، ولا عبرة بالإيجاب لهم بالسَّويَّة.
-
وما حكاه القاضي عن ابن حامد يشعر بأنَّ إطلاق قوله: خذوا هذا، أو هو لكم؛ لا يحمل على التَّسوية؛ فإنَّه إنَّما علَّل بأنَّ التسوية حكم الكفَّارة، وهذا مخالف لما قرَّره (١) في عقود المعاوضات.
-
وأمَّا ما حكاه في «المغني» من طرد الخلاف فيما لو قال: هو بينكم بالسَّويَّة، أو اقتصر على قوله: هو بينكم؛ فليس ذلك في كلام القاضي.
-
ويتخرَّج ذلك على أصل، وهو أنَّ إطلاق البينيَّة هل تقتضي التَّساوي، أم لا؟ وفي المسألة وجهان:
أحدهما: أنَّه يقتضيه، وهو الَّذي ذكره الأصحاب في مسألة (٢) المضاربة إذا قال: خذ هذا المال فاتَّجر به، والربح بيننا؛ أنَّهما يتساويان فيه.
- vol. 2, p. 397
وصرَّح القاضي، وابن عقيل، والأصحاب في مسألة المضاربة: بأن إطلاق الإقرار بشيء أنَّه بينه وبين زيد يتنزَّل على المناصفة أيضاً.
-
وكذلك صرَّحوا به في الوصايا إذا قال: وصَّيت لفلان وفلان بمائةٍ بينهما، أنَّ لكلِّ واحد خمسين.
-
ونصَّ عليه أحمد في رواية ابن منصور فيمن قال: بين فلان وفلان مائة درهم، وأحدهما ميِّت: ليس للحيِّ إلَّا خمسون درهماً، وكذا لو قال: لفلان وفلان مائة درهم، وأحدهما ميِّت، وأنكر قول سفيان بالتَّفرقة بينهما (١) .
-
وهذا تصريح بأنَّ إطلاق الوصيَّة لفلان وفلان تتنزَّل على التَّساوي، كما لو قال: بينهما.
-
والوجه الثَّاني: أنَّ إطلاق البينيَّة لا يقتضي التَّساوي، وبه جزم القاضي في «خلافه» ، وابن عقيل في «عُمَده» في مسألة الإقرار في كتاب البيع، وكذلك ذكره أبو الخطَّاب في الإقرار، وصاحبا «المغني» و «المحرر» .
-
ومنها: القصاص المستحقُّ لجماعة بقتل موروثهم، يستحقُّ كلُّ واحد منهم بالحصَّة؛ فمن عفا منهم؛ سقط حقُّه، وسقط الباقي؛ لأنَّه لا يتبعَّض.
-
وههنا صور مختلف فيها؛ هل تلحق بالنَّوع الأوَّل، أو الثَّاني؟ كالغرامات الواجبة على جماعة بسبب واحد؛ كالمشتركين في قتل
vol. 2, p. 398آدميٍّ، أو صيد محترم (١) ، أو في الوطء في الحجِّ، أو الصِّيام؛ هل تتعدَّد عليهم الدِّيات، والجزاء، والكفَّارة؟
-
وكذلك عقود التوثُّقات؛ كالرَّهن، والضَّمان والكفالة، وقد سبق ذكرها (٢) .