قاعدة [١٥٩] إذا تعارض الأصل والظاهر

147 paragraphs · vol. 3, p. 131

Page 4 of 4

  1. والثَّاني: إن كان الوليُّ قريباً - كالأب والجدِّ والابن-؛ لم يقبل قوله مطلقاً؛ لأنَّ الظَّاهر يكذِّبه، وإن كان بعيداً؛ قُبِل مع يمينه، وهو قول القاضي، ووافقه ابن عقيل؛ إلَّا أنَّه فصَّل بين عيوب الفرج وغيرها؛ فسوَّى بين الأولياء كلِّهم في عيوب الفرج، بخلاف غيرها.

    vol. 3, p. 151
  2. ومنها: إذا اختلط مالٌ حرامٌ بحلال، وكان الحرام أغلبَ؛ فهل يجوز التَّناول منه أم لا؟ على وجهين؛ لأنَّ الأصل في الأعيان الإباحة، والغالب ههنا الحرام.

    قال أحمد في رواية حرب: إذا كان أكثر ماله النَّهب أو الرِّبا ونحو ذلك؛ فكأنَّه ينبغي له أن يتنزَّه عنه؛ إلَّا أن يكون شيئاً يسيراً أو شيئاً لا يعرف (١) .

  3. وقريب من هذا: إذا اشتبه الماء الطَّاهر بالنَّجس، وكان الطَّاهر (٢) أكثر؛ فإنَّ في جواز التَّحرِّي روايتين، وظاهر كلام أحمد في رواية المروذي جوازه، واختاره أبو بكر وابن شاقْلَا وأبو عليٍّ النَّجاد، وصحَّحه ابن عقيل، لكن هنا اعتضد أصل الطَّهارة: بأنَّ الظَّاهر إصابة الطَّاهر؛ لكثرته.

  4. ومنها: إذا قذف مجهول النَّسب، وادَّعى رقَّه، وأنكر المقذوف؛ فهل يحدُّ؟ على روايتين؛ لأنَّ الأصل عدم لزوم الحدِّ، والأغلب على

    vol. 3, p. 152النَّاس الحريَّة، أو يقال: الأصل فيهم الحريَّة؛ فيكون إذاً من باب تعارض الأصلين.

  5. ومنها: إذا قال لمدخول بها: أنت طالق أنت طالق، ولم يقصد بالثَّانية تأكيداً ولا إيقاعاً، بل أطلق النِّيَّة؛ فقال الأصحاب: تَطلُقُ اثنتين؛ لأنَّه موضوع للإيقاع؛ كاللَّفظ الأوَّل، ولهذا يقال: إذا دار الأمر بين التَّأسيس والتَّأكيد؛ فالتَّأسيس أولى.

  6. وهذا يرجع إلى الحمل على الظَّاهر، مع أنَّ الأصل بقاء الزَّوجيَّة وعدم وقوع الثَّانية والثَّالثة إذا كرَّره ثلاثاً؛ فيتوجَّه: أن يخرَّج رواية أخرى بوقوع واحدة مع الإطلاق؛ لأنَّه المتيقَّن.

  7. ويشهد له ما نقله صالح عن أبيه أنَّه قال: إذا قال: أنت طالق أنت طالق، وقد دخل بها؛ فهو على ما أراد؛ إن كان أراد إفهامها فهو الَّذي أراد، وإن أراد غير ذلك فهو على ما أراد (١) . فلم يوقع الثَّانية بدون النِّيَّة.

  8. وقد حكى أبو بكر عبد العزيز فيما إذا قال: أنت طالق بل أنت طالق، وأطلق النِّيَّة: أنَّه لا يلزمه أكثر من واحدة، فإن نوى بالثَّانية طلْقة أخرى؛ فهل يلزمه أم لا؟ على قولين؛ لأنَّه إعادة للَّفظ الأوَّل بعينه؛ فلا يحتمل التكرار، كذلك حكاه القاضي عنه في «كتاب الرِّوايتين» .

  9. ويلزم من ذلك أنَّه إذا قال: أنت طالق، وكرَّره وأطلق النِّيَّة: أنَّه لا يلزمه أكثر من واحدة.

  10. وههنا مسألة حسنة، نصَّ عليها أحمد في رواية ابن منصور: إذا قال لامرأته: أنت طالق بل أنت طالق؛ قال: هي تطليقتان، هذا كلام مستقيم، وإن قال: أنت طالق لا بل أنت طالق؛ قال: (١) هي واحدة (٢) .

    vol. 3, p. 153
  11. والفرق بينهما: أنَّ (بل) من حروف العطف إذا كان بعدها مفرد، وهي هنا كذلك؛ لأنَّ اسم الفاعل من المفردات، وإن كان متحمِّلاً لضمير؛ بدليل أنَّه يُعرَب، والجمل لا تُعرَب، ولأنَّه لا يقع صلة، ولو كان جملة لوقع صلة، وحينئذٍ فيكون ما بعده معطوفاً على ما قبله، وقد أوقع قبله واحدة ثمَّ عطف عليها أخرى؛ فيقع اثنتان؛ كما لو أتى بواو العطف.

  12. وهذا معنى قول أحمد: (هذا كلام مستقيم) يعني: أنه نسق معطوف بعضه على بعض؛ كسائر المعطوفات بـ (الواو) و (ثمَّ) ونحوهما.

  13. وأمَّا قول النَّحويين: إنَّ ما قبله يصير مسكوتاً عنه غير مثبَت ولا مَنفيٍّ؛ فهذا فيما يقبل النَّفي بعد إثباته، والطَّلاق ليس كذلك؛ فتعيَّن إثبات الأوَّل، وعطف الثَّاني عليه.

  14. وأمَّا إذا قال: أنت طالق، لا بل أنت طالق؛ فقد صرَّح بنفي الأوَّل، ثمَّ أثبته بعد نفيه؛ فيكون المثبَت هو المنفيَّ بعينه، وهو الطَّلْقة الأولى؛ فلا يقع به طلقة ثانية، وهو قريب من معنى الاستدراك، كأنَّه

    vol. 3, p. 154نسي أنَّ الطَّلاق الموقَعَ لا يُنفى؛ فاستدرك وأثبته؛ لئلَّا يَتوهَّم السَّامع أنَّ الطَّلاق قد ارتفع بنفيه؛ فهذا إعادة الأوَّل، لا استئناف طلاق.

  15. ومنها: إذا قال: الطَّلاق يلزمني، أو: أنت الطَّلاق؛ فهل يلزمه واحدة أو الثَّلاث؟ على روايتين؛ لأنَّ الألف واللَّام قد يراد بها العهد؛ أي: الطَّلاق المعهود المسنون، وهو الواحدة، ويراد بها مطلق الجنس، ويراد بها استغراق الجنس، لكنَّها في الاستغراق والعموم أظهر، والمتيقَّن من ذلك الواحدة، والأصل بقاء النِّكاح.

  16. وعلى رواية وقوع الثَّلاث: فلو نوى به ما دونها؛ فهل يقع به ما نواه خاصَّة، أو يقع به الثَّلاث، ويكون ذلك (١) صريحاً في الثَّلاث؟ فيه طريقان للأصحاب.

  17. ولو قال: الطَّلاق يلزمني، وله أكثر من زوجة؛ فإن كان هناك نيَّة أو سبب يقتضي التَّعميم أو التَّخصيص؛ عُمل به.

  18. ومع فقد النِّيَّة والسَّبب؛ خرَّجها بعض الأصحاب على الرِّوايتين في وقوع الثَّلاث بذلك على الزَّوجة الواحدة؛ لأنَّ الاستغراق في الطَّلاق يكون تارة في نفسه وتارة في محلِّه.

  19. وقد فرَّق بعضهم بينهما: بأنَّ عموم المصدر لأفراده أقوى من عمومه لمفعولاته؛ لأنَّه يدلُّ على أفراده بذاته عقلاً ولفظاً، وإنَّما يدلُّ على مفعولاته بواسطة.

  20. فلفظ الأكل والشُّرب - مثلاً - يعمُّ الأنواع منه، والأعداد أبلغ من

    vol. 3, p. 155عمومه المأكول والمشروب إذا كان عامًّا؛ فلا يلزم من عمومِه لأفراده وأنواعه عمومَه لمفعولاته، ذكر ذلك كلَّه الشَّيخ تقيُّ الدِّين رحمه الله بمعناه (١) .

  21. وفي موضع آخر قوَّى (٢) وقوع الطَّلاق بجميع الزَّوجات، دون وقوع الثَّلاث بالزَّوجة الواحدة، وفرَّق: بأنَّ وقوع الثَّلاث بالواحدة محرَّم، بخلاف وقوع الطَّلاق بالزَّوجات المتعدِّدات.

  22. وقد يقال: إنَّ قوله: (الطَّلاق يلزمه) وإن كان (٣) صيغة عموم، لكن إذا لم ينوِ عمومه (٤) ؛ كان مخصَّصاً بالشَّرع عند من يحرِّم (٥) جمع الثَّلاث، وهو ظاهر المذهب؛ فتكون المسألة حينئذٍ من صور التَّخصيص بالشَّرع، وقد ذكرنا نظائرها في قاعدة سبقت (٦) .

  23. ومنها: إذا قال: زوجتي طالق، أو عبدي حرٌّ، وله زوجات وعبيد؛ فالمنصوص: أنَّه يقع الطَّلاق والعتاق بالجميع، إلَّا أن ينوي عدداً معيَّناً؛ لأنَّ اسم الجنس المضاف للعموم؛ فهو كالجمع المعرَّف.

  24. وذكر صاحب «المغني» احتمالاً ورجَّحه: أنَّه لا يقع الطَّلاق والعتاق مع إطلاق النِّيَّة إلَّا بواحد؛ لأنَّ اللَّفظ صالح للواحد والجمع؛

  25. فحَمْلُه على الواحد أولى؛ لأنَّه المتيقَّن، ولو كان الجمع أظهر فيه؛ ترجيحاً للأصل على الظَّاهر.

    vol. 3, p. 156
  26. ومنها: إذا قال: له عندي درهم ودرهم ودرهم؛ فهل يلزمه درهمان أو ثلاثة؟ على وجهين ذكرهما أبو بكر في «الشَّافي» ، ونزَّلهما صاحب «التَّلخيص» على تعارض الأصل والظَّاهر، فإنَّ الظَّاهر عطف الثَّالث على الثَّاني، ويحتمل إرادة التكرار به؛ لأنَّه بلفظه؛ فيحمل عليه عند الإطلاق؛ لأنَّه اليقين، قال: (ولو قال: أردت بالثَّالث تكرار الثَّاني؛ قُبِل على الوجهين؛ لاحتماله) .

  27. وذكر صاحب «المغني» في الطَّلاق احتمالاً: أنَّه لا يقبل إرادة التكرار والتَّأكيد مع حرف العطف؛ لمخالفته للظَّاهر؛ لأنَّ ظاهر العطف يقتضي المغايرة.